خدعة الاستبداد النّاعم

نقدّم إلى قرّائنا الأعزّاء” كتاب خدعة الاستبداد النّاعم” للمؤرّخ الهادي التيمومي. “الفائز بجائزة “المدينة” المسندة من مجمع بولينا لأحسن الكتب بما نشره حول تاريخ تونس المعاصر”.

عن دار محمد علي للنّشر.

التّوطئة

يندرج هذا الكتاب ضمن تاريخ الزّمن الرّاهن، وهذا الصّنف من التّاريخ شيّق وشائك في نفس الوقت، لأن المؤرخ معاصر للأحداث التي يُحلِّلها، سواءً من موقع الجلوس على الربوة أو من موقع المساهم فيها إن قليلا أو كثيرًا، كما أن معالجة أحداثٍ لا تزال مندلعة أو لم تستقر بعد، تُعَدُّ مغامرة غير مأمونة العواقب، وهكذا، فإنه ليس باستطاعة المؤرخ اتخاذ مسافة زمنيّة من تلك الأحداث، وأقصى ما يمكنه فعلُه هو القيام بتمرين فكري واجتهاد تقييمي، للاقتراب من الموضوعية التاريخية المنشودة، وذلك ليس بالأمر الهيّن.

لقد ذهب الوزير الصيني الشيوعي شوان لأي في عهد الرئيس ماوتسي تونغ إلى حدّ القول عندما سُئِل عن رأيه في ثورة 1789 الفرنسيّة « لا يزالُ من السابق لأوانه إصدار حكم عليها» !! إِن هذا الجواب ينطوي كما هو واضح على بعض المبالغة، لكن الثابت هو أنه من الأفضل للمؤرخ دائما أن تكون بينه وبين الأحداث مسافةٌ زمنية معقولة، لكن هذا الشرط – وإن كان ضروريًّا- فهو ليس كافيًا لبلوغ صفاء الرؤية، إذ أن علم التاريخ صناعةٌ تتطلب من صاحبها التمرس بتقنيات معينة والإلمام بثقافة كبيرة والاستنجاد بذكاء معيّن. إن المشكلة هي أن تاريخ الزمن الراهن فرض نفسه في زماننا هذا، لأنه يستجيب لحاجات معيَّنة، والبشرية كما قال ماركس لا تطرح على نفسها إلا المشاكل التي تستطيع حلّها.

إِن كُتب التاريخ نوعان: كتب العلم (SCIENCE) وهي كتب مطولة ومعمقة ومتخمة بالإحالات على المراجع والمصادر، وكُتُبُ المعرفة (CONNAISSANCE)، وهي كتب مُختصرة وتوليفيَّةٌ وعامّةُ، ويُوجد صنفٌ ثالث، وهو صنف الكتب الجامعة لِخصال كُتُبِ العلم وكُتُب المعرفة، ويحاول كتابي هذا الاستجابة لمتطلبات هذا الصنف الوسطي البيني، وهو اختيار مفروضٌ عليّ لأن المؤرخ ليس « رُوبانسون كروزو» معزولاً في جزيرة نائية.

لقد عشتُ كل الأحداث التي سأتعرض لها في هذا الكتاب، وما أجملَ وما أعسرَ أن يتحدث المرء عن أحداث عاشها من مواقع مختلفة، لأن مؤرخ الزمن الراهن – مهما حاول كَبْتَ مشاعره- يجد صعوبة في ذلك، لكنّه مؤرخ محترف وليس مؤرخا هاويًا، لذلك فهو مطالب بالابتعاد أكثر ما يمكن عن متاهات الذاتية.

لقد كتبتُ هذه الدراسة وأنا في غُمرة الانتشاء بسقوط الرئيس الطاغية زين العابدين بن علي على إثر انتفاضة شعبيّة كبرى ذات طابع ثوري، وما أصعب أن ينأى المرءُ بنفسه عن التأثيرات السيّئة للمثل الشعبي التونسي ” البقرة إِذا طاحت، تكثر سكاكينها…” ورغم ذلك كان سلاحي لدراسة فترة حكم بن علي (1987 – 2011) ميثاق شرفٍ بيني وبين نفسي، على غرار قسم أبو قراط بالنسبة إلى الأطباء، فعيني وهي عينُ السُّخط، ستُبدي مساوئ نظام بن علي وهي كثيرة، لكنها ستُبدي كذلك الإيجابيات، وهي أقل بكثير من السّلبيات. إنني سأحاول ألا تُفقدني النشوة العظيمة التي أحسستُ بها يوم 14 جانفي 2011 صفائي الذهني، وسأجتهد للوقوف من الأحداث موقف الانحياز النزيه، مؤثرا الحقيقة لا أعدل بها شيئا.

لقد انطلق من باب المثال جدلٌ حول حركة 14 جانفي: فهل هي ثورة؟ أم انتفاضة؟ أم انتفاضة ذات طابع ثوري؟ وما هو اليوم الأغر لهذه الحركة؟ هل هو يوم 17 ديسمبر 2010: تاريخ انتحار البائع المتجول محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد وانطلاق الاحتجاجات ضدّ بن علي؟ أم هو يوم 14 جانفي 2011 ، تاريخ “مغادرة” بن علي لتونس واستقراره في المملكة العربيّة السعوديّة؟ ومن من المعارضين كان له الفضل الأكبر في تفجير الحراك الشعبي ضدّ بن علي وتأطيره؟ ولماذا غاب التطابق بين الذين فجرُوا الحراك التمردي وأوصلوه إلى نهايته، والذين قطفوا ثمار ذلك الزخم الجماهيري التمردي (الإسلاميون السياسيّون)؟… إلخ.

هذه قضايا خلافيّة مشحونة بِفَيضٍ من مشاعر الاعتزاز أو الامتعاض، تَصعُب معالجتها مثل أية قضية اجتماعيّة أخرى، ومهما كان الموقف الذي سأتخذه من هذه القضايا، سأظل عرضَةً للنقد، وربّما للتنديد، فأنَا في وضعيّة من يُصِرُّ على تحليل الظواهر الدينية بصفتها ظواهر تاريخية لا بصفتها ظواهر ميتافيزيقية، لكن ومهما يكن من أمر، فليعلم أنصار حركة 14 جانفي وكذلك أعداؤها، أنهم لن يجدوا في كتابي هذا ما يُغَذِّي اعتزازهم أو يُسَعِّر نقمتَهم.

لقد حصل تاريخ الزمن الراهن على أوراق اعتماده منذ أن مَارَسَهُ بعض كبار المؤرخين، ودون الرجوع إلى توقيديداس (460 – 400 ق.م) صاحب تاريخ حرب البِيلُوبونَاز، نكتفي فقط بالإشارة إلى بيار رونوفان(PIERRE RENOUVIN) المحارب الفرنسي القديم والمتخصص في العلاقات الدولية الذي كتب عن الحرب العالمية الأولى وهي لا تزال مُستَعِرة، ونذكّر كذلك بالمؤرخ الفرنسي مارك بلوخ (MARC BLOCH) الذي كتب الهزيمة الغريبة؟ غداة انهيار الجيش الفرنسي أمام النازية.

إن من المزالق التي تهدّد مؤرخ الزمن الراهن هو السقوط في الكتابة الصحفية. لقد وضعتُ نُصب عينيّ أن علم التاريخ هو علمٌ نقدي بطبيعته، لأنه يحاول الكشف عما لا يظهر للعيان، وغالبا ما لا تظهر الحقيقة للعيان، وهنا أحيل القارئ إلى هذا النص الجميل لِعالم أَنتروبولوجي يُكنّ الكثير من الإعجاب لكارل ماركس، وهو الفرنسي كلود ليفي شتراوس الذي ينصح الدارسين الاجتماعيّين بالنفاذ إلى ما وراء الملاحظة السّاذجة والامبيريقية للأشياء: «… قال ماركس وهو هُنا على رأي رُوسُّو، إِن العلمَ الاجتماعي لاَ يُبنى على الأحداث مثلما أن الفيزياء لا تُبنى على المعطيات الحسيّة، ويَبدُو لي أن المقاربة الماركسيّة – رغم أنها تُعالج جَانبا آخر من الواقع – مشابهة للمقاربة التي تتعاطاها الجيولوجيا أو علم النفس التجريبي، فهذه العلوم الثلاثة تؤمن بأن الفهم لا يعني إحلال حقيقة معينة مكان أخرى، وبأن الحقيقة ليست دائما ما يظهر للعيان، وإنما يكمن سرّ الحقيقة على وجه التدقيق في قدرتها على إخفاء نفسها».

( كلود ليفي شتراوس: مدارات حزينة). استميح القارئ عذرًا لاستشهادي بهذا المقطع الطويل نسبيّا، لكنه بليغ التعبير عما ذهبتُ إليه من أن الواقع في التاريخ وفي بقية العلوم الإنسانية لا يظهر من تلقاء نفسه، وإنما هو هدفٌ للاكتشاف.

وخلافا للكتابة الصحفية، يسعى المؤرخ إلى ربط الحاضر بالماضي، والبحث لذلك الحاضر عن جذور قديمة، أي موقعة حادثةٍ مثل سقوط الرئيس بن علي ضمن الأمد الطويل، وهي المقولة العزيزة على المؤرخ الفرنسي المعروف فرنان برودال. ألم يَقُل الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: « إن حاضرنا هو الذي يهمنا، كما يهمنا وجودُ الماضي في حاضرنا»، كما أن مواطنه الفيلسوف آلان قال هو أيضا: « ليس التاريخ هو الماضي فحسب، وإنما هو ذلك الحاضر الأكبر في حياتنا». ويُروى أن المؤرخ البلجيكي الكبير هنري بيران المتخصص في التاريخ الأوروبي الوسيط، ذهب مرة إلى ستوكهولم في عشرينات القرن العشرين لحضور مؤتمر علمي، وعندما وَصَل المدينة، سأل مرافقه: « ماذا سنشاهد أولا؟ هناك مقر بلدية جديد. لنراه أولا. إنَّني لو كنتُ تاجر تحف قديمة، لاقتصر اهتمامي على الأحجار القديمة، لكني مؤرخ، والمؤرخ شغوفٌ بالحياة، أي بالحاضر».

لقد اجتهدتُ في هذه الدراسة لترتيب الأحداث حسب أهميتها، وميَّزتُ منهجيّا بين الحدث الحاسم (DECISIF) والحدث الأساسي (FONDAMENTAL) والحدث الرئيسي (PRINCIPAL) والحدث الثانوي (SECONDAIRE)، وحرصتُ كذلك في هذه الدراسة على ممارسة منهج المقارنة كلما تطلب الأمر ذلك، والمعروف أن النظرات المتقاطعة (REGARDS CROISÉS) أفضل بكثير من النظرات في اتجاه واحد (REGARDS EN COIN)، وآليتُ كذلك على نفسي بالنسبة إلى مختلف جوانب سياسة بن علي، استعراض كل المواقف الخلافية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وذلك حتى يكون القارئ على بيّنة من كل الأمور، لأن حجب بعض المواقف عن القارئ معناه ضمنيًّا توجيهه وجهةً معينة، وقد تَتسامَحُ قَبيلَةُ المؤرخين مع المؤرخ الذي يوجه القارئ بطريقة ذكية، لكنها لا تتسامح مع المؤرخ الذي يتعمد إخفاء بعض المعطيات مع سابق الإضمار.

لقد ظل طموحي دائما هو الترفع عن ذلَّة المقلّد والمتبع، ولا يهم إن اتضح لاحقًا أن ما أتَيتُ به من تأويلات هو محض خطإٍ، إن إنقلز (ENGELS) لم يقل إن تاريخ العلوم هو الانتقال من الخطإ إلى الصواب، وإنما قال هو الانتقال من خطإٍ فادح إلى خطإ أقل فداحةٍ.

ولقد حاولتُ جاهدًا تطبيق المادية التاريخيّة تطبيقا خلاقا بعيدًا عن الدُوغمائية، خاصة ومؤسّسو الماركسيّة لم يتركوا لنا إضافةً يُعتَدُّ بها في مجال دراسة المجتمعات التي يسمُّونها “شرقية”. إن الإلمام بالمنطق الدّاخلي لمجتمعاتنا مهمةٌ موكولة في المقام الأول لنا نحن، لأن أهل مكة أدرى بشعابها وتعرجاتها، وعلينا أن نتكفل بها بكل جسارة ومن دون أي مركب نقص، ومن دون أن ننتظر أن يأتينا المدد من الخارج.

ويخطئ من يتصوّر أن علم التاريخ علم سهل المتناول. لقد قال ماركس في إحدى رسائله إلى أنقلز قولةً بليغةً جدّا يجدر بنا تَدبّرها «… أنا قادرُ على فهم قوانين الرياضيات، لكن حِيَال أبسط الوقائع التاريخية التي تتطلب الحدس، أجدُ نفسي في وضعيةٍ صعبةٍ، مثل أغبى الأغبياء». وإذا كان علم التاريخ علم صعبٌ، فمعنى ذلك أن بلوغ الحقيقة صعبٌ، لكن الصعوبة لا تعني أبدًا الاستحالة، وهذا ما ذهب إليه المثل التونسي المعروف « ظنُّ العاقل خيرُ من يقين الجاهل»، وما ذهب إليه أبو العلاء المعري قديما عندما قال بنبرةٍ معاصرة جدّا:

 أما اليقينُ، فلا يقينَ وإنما

 أقصى اجتهادي أن أظن وأحدِسَا

إن من أسباب صعوبة بلوغ الحقيقة هي أن المؤرخ – ومهما كانت نظرية المعرفة التي يتسَلّح بها- لا يستطيع أن يترك جانبا ذَاتِيَّتَهُ، لكن رغم ذلك، فالمطلوب كما قال الفيلسوف الفينيمولوجي الفرنسي بول ريكور (P. RICOEUR) هو ذاتية متماشية مع الموضوعية الملائمة لعلم التاريخ بصفته علمًا إنسانيا لا علمًا دقيقا، والمنهج الذي يجدر بالمؤرخ سلوكه حسب هذا الفيلسوف هو ممارسة هَرْمَنُطِيقيا تقع على طريق نِصفِيّ بين التفسير (EXPLICATION) المعتمد على القوانين الذي ينادي به الوضعيّون، والتفهم (COMPRÉHENSION) الذي ينادي به التاريخانيون المناصرون للحدس ولفلسفات الحياة.

وإذا كانت المادية التاريخية هي نظرية المعرفة التي آمنتُ بها، فقد وضَعتُ نُصب عينيَّ المبادئ الثلاثة التالية تجنبا للدوغمائية المميتة.

 

المبدأ الأول: ضرورة الانفتاح على أفضل ما في نظريات المعرفة الأخرى، فالعقل كالمطرية لا يفيدُ إلا إذا انفتح، أما الانغلاق، فهو الموتُ العلمي الزؤام.

 

المبدأ الثاني: الاحتراس من السقوط في الاقتصادوية (L’ECONOMISME)، وهي الخطر الماحق الذي يهدّد كل الذين تَبنُّوا المادية التاريخية، ويكاد لاَ يسلم من أذى هذه الاقتصادوية أحدٌ، وكنتُ من بينهم في بداية مسيرتي العلميّة.

لقد كان خَط دفاعي الذي أُعوّل عليه ضد هذا الورم الخبيث هو التشبث بالواقع الملموس وعدم لَيّ عنق هذا الواقع حتى يأتي على مقاس النظرية، لأن الواقع الملموس أصدقُ إِنباءً من الكتب، في حَدِّه الحدّ بين الخطأ والصواب. لقد كان لينين (LENINE) يردد دَائما أن كل النظريات لَونُها رماديّ، إلا الحياة لونها أخضر. إن وعيي الحاد بمخاطر الاقتصادويّة لا يعني أنني أصبحتُ محصنا ضدّها تماما، وإنما هي مجاهدةٌ للنفس لا تنقطع دائما أبدًا.

المبدأ الثالث: حرصي على مواكبة ما تُنتجه العلوم الإنسانية والاجتماعيّة الأخرى.« … إننا لا نَعْرف سوى علم واحدٌ هو علم التاريخ»: هذه هي الصرخة المدوية التي أطلقها ماركس، وهو في قمة نضجه الفكري، ويقصد ماركس بعلم التاريخ، ذلك العلم “الامبريالي” الذي يسعى إلى التوسّع والتهام الفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس والأنثروبولوجيا… وكل شيء…

إن الرأي عندي هو أن من شروط الإبداع في علم التاريخ هو ذلك الاحتكاك الخصيب بما نُسمّيه نحن اليوم بالعلوم المعاضدة للتاريخ، والدليل أن عددًا هاما من المفكرين الذين طَوَّرُوا علم التاريخ ليسوا من المؤرخين المحترفين، وإنما كانوا من الذين جمعوا بين التاريخ وعلم أخرى، أذكر من بينهم من باب المثال لا الحصر القديس أوغسطين وماركس وفرويد وليفي شتراوس وسارتر وفوكو وسمير أمين…

كيف يتراءى لي علم التاريخ في تونس في عصر العولمة (MONDIALISATION)؟

قناعتي أن تونس تَظل بحاجة دائما إلى مؤرخين، لأن التاريخ معناه الهويّة الوطنية، إلا أنه بات من الأكيد التقليل من عدد الطلاب الموجهين إلى شعبة التاريخ في الجامعات، والأجدر التركيز على التكوين الجيّد الذي يمرّ حتما عبر إتقان اللغات الغربيّة وعلى رأسها الإنجليزية لغة العالم اليوم، كما أعتقد أنه من الضروري في عصر العولمة التوجه نحو تَنزيل تاريخ تونس في أطر جغرافية أرحب فَأرحب، بدءًا بالإطار المغاربي ثم العربي ثم المتوسطي ثم العالمي. لقد أصبحت مصالح كل بلدان العالم مترابطةً ومتداخلةً، بحيث يتأثر ويؤثر كل بلد في البلدان الأخرى. إن أي مؤرخ يعلم علم اليقين أنه لا يمكن فهم ما جرى في تونس منذ القرن السادس عشر إلا بإدراج التاريخ التونسي ضمن التاريخ العالمي، لأن القرن السادس عشر هو قرن ” العالميّة” (INTERNATIONALISATION) وقرنُ ميلاد نمط إنتاج وُلِدَ عالميّا هو نمط الإنتاج الرأسمالي، فإذا كانت هذه حال التاريخ التونسي منذ القرن السادس عشر، فما بالك به في عصر “العولمة” (MONDIALISATION) و”القرية الكونية” والاقتصاد المعولم وثورة الإعلام والاتصالات.

وأعتقد أن علم التاريخ في عصر العولمة سيعتني لا محالة بمواضيع جديدة لأن كثافة الاتصالات بين التونسيّين وغيرهم بفضل ثورة المعلوماتية، سَتُحفّز فضولهم وتُلهمهم مواضيع بحثٍ جديدة. إن الفيض الغزير من المعلومات التي ستوفرها الشبكة العنكبوتية مهم جدّا للمؤرخ الباحث عن الحقيقة، لكن ذكاء المؤرخ يظل دائما هو الأصل، فالذي اكتشف القارة الأمريكية ليس البوصلة وإنما ذكاء البحّار كريستوف كولمبوس. ومن المتوقع كذلك في عصر العولمة وأمام خطر الهيمنة الثقافية الغربيّة والأمريكية على العالم، أن يظهر ميل لدى المؤرخين نحو دراسة الثقافة بمختلف وجوهها، لأنه تبيّن اليوم أن الشعوبَ اندفعت بحماس تدافع عن ثقافاتها المحلية ضدّ الهيمنة الغربيّة والأمريكية الزاحفة، أكثر من اندفاعها نحو الصمود الاقتصادي والعلمي، لأن المقاومة الاقتصادية والعلميّة أصعب من المقاومة الثقافية.

وأخيرًا، وأمام تشعّب العلوم الإنسانية والاجتماعيّة وغزارة المعلومات، يُصبح البحث التاريخي الجماعي ضرورة قصوى للتكيف مع العولمة.

بعض الملاحظات الضرورية لحسن التعاطي مع دراستي هذه:

أولا: إن استيعاب ما فيها يتطلب ضرورةً العودة إلى كتابي السّابق – تونس 1956 – 1987، لأن بعض المعطيات أو الأفكار التي أشرت إليها باختصار في دراستي هذه، كنتُ في الواقع حللتُها بإسهاب في الكتاب السّابق، لذلك فضلتُ عدم التكرار وتضخيم حجم هذه الدراسة بلا فائدة.

 

ملاحظةٌُ ثانية تتعلق بالأرقام الواردة في هذه الدراسة مثل الأرقام المتعلقة بالاقتصاد. لقد ارتأيتُ بالنسبة إلى حالات معينة التخفيض منها أو الترفيع فيها، لأن نظام بن علي كان يضخم الأرقام المتعلقة بالايجابيّات ويقلّص الأرقام المتعلقة بالسّلبيّات، إلا أنني نَجوتُ في حالات أخرى من عَنَاءِ هذا التعديل الرقمي، لأنني وجدتُ نفسي حيال أرقام صادرة عن مؤسسات دولية ذات مصداقية (مثل مؤسسات منظمة الأمم المتحدة) أو عن شخصيّات علميّة ذات مستوى رفيع.

 

ملاحظة ثالثة: أعرضتُ عن قصدٍ عن ذكر أسماء كبار المتورطين في الفساد وفي تدعيم استبداد بن علي، وذلك لأن المؤرخ ليس قاضيا، ولأن القضاء لم يقل بعد كلمته في هؤلاء الأشخاص. إن ما يهم المؤرخ ليس الأشخاص وإنما كيفية اشتغال آليات الاستبداد والفساد زمن بن علي.

 

ملاحظة رابعة: ذكرتُ أسماء بعض المبدعين الثقافيّين، لكني لم أذكرهم كلهم، لأن حرصي لم يكن الحصر وإنما تقديم أمثلة، لذلك أعتذر مسبقا للذين لم أذكرهم، وليعلم الجميع أن الذين ذكرتهم ليسوا دائما الأفضل.

 

ملاحظة خامسة: أوردت بعض المعطيات التي قد يستغربها القارئ مثل بعض تلك المتعلقة بفساد عائلتي بن علي وعائلة زوجته، لكن ليطمئن القارئ، فهي معطيات عشتها بنفسي أو رأيتها بأم عينيّ.

وأخيرًا، عاش علم التاريخ ظافرًا منصورًا.


المقدمة العامّة

كانت إقالة الرئيس الحبيب بورقيبة « العاجز صحيّا» (حسب البند 57 من دستور 1959) عن الحكم يوم 7 نوفمبر 1987 من قبل الوزير الأول زين العابدين بن علي – بإعانة من المخابرات الجزائرية واللّيبيّة وخاصة الإيطالية – حدثا مزلزلاً فاجأ الرأي العام التونسي والدولي، إِذ من يَجرؤ على المساس بـ«المجاهد الأكبر»! إلا أن تلك الإقالة كانت بلا جدال استجابةً ضمنية لِرغبة عميقة كانت تَحدُو أغلب قطاعات الشعب التونسي، إذ كانت الأوضاع بالبلاد قبيل ذلك «التحول المبارك» – كما سمّاه بن علي – على شفير الهاوية: صراعٌ في أعلى هرم السّلطة السياسيّة على خلافة بورقيبة العجوز، تَسَلّل عناصر ضحلة إلى الأجهزة العليا للدولة، اقتصادٌ منكمش وآيلٌ إلى الأسوء وتدخل صندوق النقد الدولي في جوان 1986 لفرض إملاءات اقتصادية قاسية على تونس، صراعٌ عنيف بين ” حركة الاتجاه الإسلامي” ذات الشعبيّة المتزايدة والسّلطة السياسيّة، وهو صراعٌ مرشح لجرّ البلاد إلى أحداثِ عنف خطيرة.

لقد أعلن زين العابدين بن علي في بيان السّابع من نوفمبر 1987 أنه قرّر استلام السّلطة لأن الشعب التونسي «… بلغ من الوعي والنضج ما يَسمَحُ لكلّ أبنائه وفئاته بالمشاركة البنّاءة في تصريف شؤونه في ظل نظامٍ جمهوري يُولي المؤسسات مكانتها، ويوفّر أسباب الديمقراطية المسؤولة، وعلى أساس سيادة الشعب كما نص عليها الدستور… (وأن الشعب) جديرٌ بحياة سياسيّة متطورة ومنظمة، تَعتَمِدُ بحقٍ تعدديّة الأحزاب السياسيّة والمنظمات الشعبيّة».

لقد جنَّد بن علي دعايته لاكتساب شرعية مُفَادها أَنه المنقذ الذي جَنَّب البلاد حمّام دم، بالحيلولة دون استعمال القوة ضدّ حركة الإسلام السياسي، كما وعد بأنه سَيُحوِّل البلاد إلى ديمقراطية.

واستبشر الناس بالنظام الجديد، ولم يُعيروا الانتباه الكافي لبعض المؤشرات المثيرة للانشغال، لكن بعد سنوات، أصيبُوا بخيبة أمل، وخاصة النخب المتعطشة للمشاركة في إِدارة الشأن العام، وتبيّن للجميع أن الانفراج السياسي الذي أرساه بن علي لبعض السنوات كان تكتيكا لربح الوقت لا غير. وهكذا ركّز بن علي تدريجيّا نظاما سياسيّا قائما على الاستبداد السياسي والفساد المالي، وإن تَمسّك ببعض مقومات التحديث مثل مجلة الأحوال الشخصيّة (1956) وحَقَّق بعض التطوير لقوى الإنتاج، فإنه التفَّ على الدستور وحوّل نفسه عمليا إلى رئيس مدى الحياة على غرار سلفه بورقيبة الذي أعلنها صراحةً عام 1975، وكانت النتيجة انتفاضةَ شعبيّة ذات طابع ثوري أفضت إلى الإطاحة بـ« صانع التغيير» بطريقة مذلة يوم 14 جانفي 2011، بعد 23 سنة من الحكم الفردي والفاسد والمافيوزي.

ويطرح نظام بن علي جملة من الإشكاليات:

 

 

الإشكاليّة الأولى: لماذا نجح بن علي في فرض الاستبداد السّياسي طيلة ما يقارب الرّبع قرن، رغم أنّ البلاد كانت مهيّأة لممارسة الدّيمقراطيّة؟

 

لقد تعدّدت آراء المفكّرين وتشعّبت حول العلاقة بين الديمقراطيّة والاقتصاد، فهناك من يرى عدم وجود أية علاقة بين النمو الاقتصادي والديمقراطية ويعتبر أن قضية الديمقراطية قضية نضال تقوم به النخب المؤمنة بهذا المبدإ (نظرية الانتقال الدّيمقراطي (LA TRANSITOLOGIE)، وهناك من يرى من المفكرين السياسيّين أن النمو الاقتصادي مفتاح الديمقراطية وأنه كلما تحسّن المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لشعب ما، زادت حظوظه للمرور من السّلطوية السياسيّة إلى الديمقراطية، وهناك من يرى أن السلطوية السياسيّة ضرورية لتطوير الاقتصاد.

والرأي عندي أنّه لا يمكن تحويل أيّ من الآراء هذه إلى قانون، لأن لكل بلدٍ ظروفه الخاصة.

لقد أجمع الملاحظون أنّ تونس غداة عزل بورقيبة كانت مهيأة لممارسة الديمقراطية، ويُوجد إجماع لدى المنظمات الاقتصاديّة الدوليّة حول التحاق تونس بزمرة الدّول ” الصاعدة” (EMERGENTS) ومغادرتها لطابور الدول السائرة في طريق النمو. وتتمتع تونس بمقومات لا يوجد مثلها إلا في قلة من البلدان خارج العالم الغَربي (تجانسُ عرقي وديني ولغوي وثقافي، مستوى حياتي مرضي عمومًا إذ تملك على سبيل المثال أغلب الأسر منازلها الخاصة، نجاح في التحكم في الديمغرافيا، طبقة وسطى غزيرة العدد، نسبة تمدرس مرتفعة جدّا، نخبٌ ذات كفاءات رفيعة، دورٌ فاعل للمرأة في المجتمع قل أن يُوجد له نظير في العالم العربي الإسلامي، انفتاحٌ على أوروبا وخاصة على فرنسا « بلد حقوق الإنسان»، إيمانُ الأغلبيّة الساحقة من التونسيّين بالعروبة وبالإسلام المعتدل وبالدولة المدنيّة وبالنظام الجمهوري وبالتعدديّة السياسيّة وبحقوق المرأة، تمسّكُ الأغلبيّة من التونسيّين بالنظام الرأسمالي وبالشراكة مع العالم الغربي وخاصة مع أوروبا وفرنسا).

علاوة على هذه المقومات الهيكليّة السّانحة، وقعت أحداث خارجيّة في بدايات حكم بن علي كان يمكن أن تُساعد على إنجاح الديمقراطيّة (انهيار الشيوعيّة في روسيا وأوروبا الشرقية، سقوط النظام القومي البعثي في العراق، نشوب الحرب الأهلية في الجزائر بين الإسلاميّين السياسيّين والدولة) وقد دفعت هذه الأسباب الخارجيّة بالمعارضين التونسيّين من يساريّين وعروبيّين إلى الاستعداد لمساندة بن علي إذا ما التزم بالديمقراطية،

 

 فلماذا رفض إذن بن علي إقرار الديمقراطية في البلاد واحتكر الأشياء الثلاثة التي يحلم بها أي إنسان وهي السّلطة والثروة والزّعامة؟

فهل هو انحرافٌ مهني لدى رجل أمن ومخابرات متعوّد على إعطاء الأوامر وعلى حلّ المشاكل بالقوة؟

أم هو الخوف من افتضاح الفساد المالي لعائلته وعائلة زوجته ليلى الطرابلسي؟

أم هو الخوف من العواقب الاجتماعيّة الخطيرة للشراكة الاقتصادية الكاملة مع أوروبا؟

 لماذا ظل نضال المعارضين لبن علي غير مُتناسب مع درجة استبداد نظامه وفساده؟

هل يَكمُنُ السّبب في الحصيلة الاقتصادية شبه المرضية لنظام بن علي؟

أم في خوف المعارضين من انزلاق تونس إلى حرب أهلية بين الإسلاميّين والحداثيين على غرار الجزائر؟

 أم في خصائص “ثقافويّة” موجودة لذة أغلب التونسيّين مثل عدم الاهتمام بالسياسة وقبول الخضوع لأية سلطة سياسيّة مهما كانت (تونس لمن حكم)؟

بشرط أن توفر لهم الخبز والأمن؟

 

الإشكاليّة الثّانية: ماهي العوامل التي سَيَّرت نظام بن علي طيلة 23 سنة وحكمت صيرورة انهياره؟ هل هي السّياسة؟ أم الاقتصاد؟ أم الدّين؟

 

لقد مارس المعارضون لبورقيبة ولبن علي طُرقا شتى من النضال، لكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التّضحية بالنّفس وهي أعلى تضحية، لقلنا إنّ هؤلاء المعارضين قدموا أنفسهم للموت زمن بورقيبة في سبيل ثلاث قضايا: الدفاع عن الإسلام كما يفهمونه هم (عامل ديني) والمطالبة النقابية بتحسين الحياة المادية (عامل اقتصادي) والدفاع عن القضايا القومية العروبيّة وعلى رأسها القضية الفلسطينية (عامل سياسي)، أما في عهد بن علي، فأضاف المعارضون إلى هذه القضايا الثلاث قضيةً رابعة هي الديمقراطية (عامل سياسي).

إنّ السّؤال هو: كيف تفاعلت هذه العوامل الأربعة بعضها مع بعض طيلة حكم بن علي وإبان انهياره، علمًا بأن القانون العام لأية تشكيلة اقتصادية رأسمالية مثل التشكيلة التونسيّة، هو أن العامل الاقتصادي يضطلع بدور العامل المُهيمن (DOMINANT) والمحدد في نهاية المطاف (SURDETERMINANT) لعمل هذه التشكيلة، لكن الرأسمالية التونسيّة ليست وليدة صيرورة داخلية، وإنما جاءتنا من الخارج مع الاستعمار الفرنسي، كما أن هذه التشكيلة لا تشتغِلُ بصفة طبيعيّة نظرا إلى أن الدولة تتدخل في عملها لدوافع غير اقتصادية (الفساد المالي، منع تشكل قوى اجتماعية رأسمالية قويّة قد تشكل خطرا على الدولة…)، لذلك فإنه في فترات معينة، تَنقَلِبُ المعادلة بين العامل الاقتصادي والعوامل الأخرى غير الاقتصادية مثل الدين والسياسة.

 

الإشكالية الثالثة: كان نظام بورقيبة نظاما رأسماليا حداثيا وسلطويّا مُستنيرًا، علمًا بأن السُّلطوية (AUTORITARISME) هي نظامٌ استبدادي يتصور القائمون عليه أن كل الوسائل متاحةُ بما في ذلك الوسائل القسريّة للرقي بالشعب، إلا أنهم لا يبحثون عن منفعة خاصة أو فئوية من وراء ذلك، ولا يمارسون التصفية الجسدية إلا في حدودٍ.

 

ماهي طبيعة النّظام الذي أرساه بن علي؟

هل هو نظام رأسمالي حداثي وشبه كلياني؟ (QUASI-TOTALITAIRE)

أم هو نظام رأسمالي حداثي استبدادي ومافيوزي؟

علما بأن السياسة المافيوزيّة تقوم على ترعيب النّاس وإرغامهم على الصّمت، لكنها تتجنب القتل إلا في حالات معينة، وتقوم كذلك على سلطة مطلقة يمارسها ” عَرَّابُ” وعلى نظام من العصابات الطفيلية التي تُثري على حساب الغير. إن وصف نظام بن علي بالدكتاتوريّة وصف غير علمي لأن الدكتاتورية نظام استبدادي يعتقد أنه في خدمة قوانين التاريخ، ويمارس غالبا بِسَبَبِ ذلك سياسات تقتيل أو إبادة بشرية جماعيّة على غرار الشيوعيّة الستالينية أو النازية.

 

الإشكاليّة الرّابعة: لماذا عمّ الوهن والسطحيّة كل شيء تقريبا زمن بن علي إلا الثقافة وخاصة السينما والمسرح والدراسات اللّغويّة والدينيّة؟

 فهل اضطلعت الثقافة بدور « المربع الأخير لِوَاتَرلَو » بالنسبة إلى شعب مقهور سياسيّا؟

أم أن ذلك الإبداع الثقافي الذي بدأ في أواخر عهد بورقيبة، وإن كانت له علاقة بالسياسة، فإنه يعود كذلك إلى أسباب أخرى؟

 

الإشكاليّة الخامسة: كيف نُفسّر ظاهرة انكفاء أغلب قطاعات المجتمع، وخاصة في السّنوات الأخيرة من حكم بن علي إلى الهويات ما قبل الرأسماليّة وخاصّة إلى التديّن الطقوسي، الأمر الذي شكّل أرضيّة سانحةً لنجاح ” حزب النّهضة” الإسلامي السّياسيّ في الوصول ديمقراطيا إلى السّلطة السياسيّة يوم 23 أكتوبر 2011؟

إنّ الثابت هو أن دور العامل الاقتصادي ثانويّ في تَفسير هذه الظاهرة، لأن الأوضاع الاقتصاديّة زمن بن علي، وإن لم تكن مرضية، فإنها ليست سيئة، خاصة على مستوى الإنتاج الكمي.

لقد كنا حللنا في الكتاب السّابق، تونس 1956 – 1987 الأسباب الدّاخلية والخارجيّة لصعود الإسلام السياسي في تونس بداية من سبعينات القرن العشرين، وقد تدعمتْ وتأكدت هذه الأسباب زمن بن علي (تواصل النمط الاحتكاري للحكم، تواصل قصور الأداء التنموي، تواصل انحسار الحركات اليساريّة خارج تونس وداخلها، تواصل انهيار الحركات العروبيّة في تونس وفي العالم العربي، تدعم الحركات السياسيّة ذات المرجعيّات الدينية في الشرق العربي وآسيا…)

إلا أن أسبابًا جديدة ظهرت زمن بن علي وأعطت دفعًا كبيرا “لعودة المقدس” في تونس زمن بن علي، فما هي هذه الأسباب؟ وأيها الأهم؟ فهل هي الأسباب الدّاخلية مثل تأزم نظام التعليم وعجزه عن تعزيز قيم الحداثة والإبداع العلمي والتقني، أم هو تنامي ظاهرة العُزُوبيّة لدى الفتيان والفتيات؟ أم هو التدهور الأخلاقي الخطير بسبب تفشي المخدرات وفساد عائلة بن علي وعائلة زوجته… أم هي الأسباب الخارجية مثل تعمق الهيمنة الغربية وخاصة الأمريكية على المنطقة العربيّة والإسلامية، أم هي الدعاية الدينية المكثفة للفضائيات التلفزية المصرية وخاصة الخليجيّة (الجزيرة، العربيّة، اقرأ.. إلخ…

سنغامر بالإجابة على هذه الإشكاليات، ولعلّ المهم ليس ما سنقدمه من آراء فحسب، وإنما ما سنفتحه من سُبُلٍ للبحث العلمي مستقبلا.

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق