خرائط خرائط خرائط: تخمة السياسية وعوز المعنى

قبل عقود، كان ثمة نكتة نصف حقيقية يتداولها الناس في الجزيرة السوريةِِ (أقصى الشمال الشرقي من سورية)، عن رجل كردي يدعى محمد أمين سيدا. تقول النكتة إن هذا الرجل رسم خريطة لكردستان، فأوصل حدودها إلى تخوم نهر الفرات، ضاما إليها مناطق كثيرة ذات أغلبية عربية مطلقة. وحين ساءله بعض العرب عما سيكون مصيرهم إذا كانت خريطته تأخذ كل ما هو شمال الفرات، وهناك خريطة إسرائيلية يفترض أنها تلحق كل جنوب الفرات بإسرائيل، يقال أن السيد محمد أمين سيدا رد بالقول: “والله، كل واحد يدبر راسو، شو بدي أتكفل العرب كمان متل ما تكفلت بالكرد!”.

لم تعد خريطة سيدا اليوم نوعا من التنكيت، بعدما بات نصفها الحقيقي أكثر بكثير من نصفها المتخيل، وبات لها عدد من النظائر. ففي شوارع مدينة القامشلي يمكن أن ترى كثيرا من الشباب يرتدون “سلسالا” على شكل خريطة. فثمة الخريطة الكردية التي تمتد من منطقة لواء إسكندرون على المتوسط، مروراً بجنوب شرق تركيا وشمال سوريا والعراق وغرب إيران، وصولا حسب بعض الاجتهادات إلى “الخليج العربي” (أو الفارسي). وهناك أيضا الخريطة الآشورية السريانية التي تضم كل المنطقة الممتدة بين نهري دجلة والفرات. وطبعا هناك الخريطة العربية التي تضيف إلى الجغرافيا الممتدة بين المحيط والخليج مناطق تصل دياربكر وخليج الإسكندرون وغرب إيران. وهناك أيضا الخريطة التركمانية التي بالكاد تصغر نظيرتها العثمانية. ولا يتوانى أي أرمني، حين يدور النقاش حول هذا الشأن، عن التذكير بأن ديكران العظيم كان يحكم دمشق و و و و.

ليست الخرائط تلك مجرد نزوات أيدلوجية قومية عابرة، أو إغراءات تستهدف جيل الشباب. إذ تروج لها في الشارع مؤسسات ثقافية وسياسية واجتماعية، ما يمنحها أرجحية على نظيراتها من الأفكار والتصورات التي ترى وتعي الجغرافيا والتاريخ على خلاف تلك الصورة، أن لم نقل بعكسها. ففي مدينة القامشلي التي لا يزيد عدد سكانها على أربعمائة ألف نسمة، هناك ثلاثة عشر حزبا كرديا، وهناك حزبان آشوريان، وهناك أربعة من أحزاب التجمع الديمقراطي السوري المعارض، وهناك مكاتب لتسعة من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية بقيادة حزب البعث. وتتراوح شعارات ومبادئ هذه الأحزاب بين الدعوة للديمقراطية والوحدة والعدالة الاجتماعية والسلام العالمي ووحدة شعوب الشرق الأوسط ….. الخ. ( لا بأس من أن نذكر أن حزب مؤتمر الشعب الديمقراطي الكردي مثلا، تقوم نظريته السياسية على حل واتحاد كونفدرالي ديمقراطي لعموم الشرق الأوسط، يوحد العرب والترك والفرس والكرد في دولة شرق أوسطية واحدة. وقد علق أحد الكرد يوما على تلك الرؤية الطوباوية: أن الخلاف على عدد جٌمال الخور بين دولة قطر ومملكة البحرين وصل إلى محكمة لاهاي الدولية، فأين سيذهب من يريد أن يوحد كل هذه الشعوب).

الإشكالية ليست في عدد هذه التنظيمات السياسية الذي يصل حد التخمة، ولا حتى في الشعارات التي ترفعها، بقدر ما هي في ما يتمخض عنه ذلك الجبل السياسي من قدر بخس من المعنى السياسي. فالمدينة التي يكتظ فيها ثمانية وعشرون حزبا سياسيا معلنا، تبدو شديدة البؤس: شوارعها مقززة من تراكم الأوساخ، وسماؤها مليئة بالتلوث، وأبنيتها لا تتوفر فيها شروط السكن النظامي، وشبابها نصفهم عاطل عن العمل، ونصفهم الآخر يبحث ليل نهار عن أي طريق للهجرة، ولا ضمان اجتماعي لأي أحد من أهلها، ولا قانون سير ولا ولا… الخ. وترى أن النقاش السياسي بين أغلب تلك التنظيمات السياسية أو ما يلحق بها من منظمات ثقافية واجتماعية، يقفز على كل ذلك ليبحث في شأن الخرائط تلك. يبحث في حدودها المرسومة وأصول كياناتها المفترضة ومدى شرعية وجودها، ومستقبلها وعلاقاتها المحتملة. وإن لم يكن النقاش علنيا دوما فلا يحول دون ذلك إلا الخوف.

ذلك الفصام بين المعاش والمتخيل في النشاط السياسي لا ينفصل، عن غياب السياسية أساسا بالمعنى المدني عن هذه البقعة، كما عن باقي الدولة السورية. فلا انتخابات حرة ولا نقابات حقيقية ولا منظمات ومؤسسات مدنية وسيطة ولا صحافة حرة، لا صحافة أساسا. بالمجمل لا دولة وطنية جامعة، تأخذ على عاتقها رسم شروط الممكن في قلب التاريخ، دولة وطنية تغسل مواطنيها من أوهام الخرائط المؤسسة لعنف مستعر، وتنبذ الماضي بتشييد المستقبل. لذا يبدو الماضي حاضرا بخرائطه، مغرقا العقل بأوهامه.

ماركس الذي قال قبل قرن ونصف من الآن: “حين لا ينتج البشر شيئا يعاودون اجترار ماضيهم”، كان محقا بالنسبة لمجتمعات عادية متصالحة إلى درجة ما مع نفسها. فكيف بجماعات بشرية مثلنا لم تحقق بعد كل شروط المجتمع ما بعد البدوي، حيث العشائرية والمذهبية والطائفية والحاراتية، بالإضافة إلى الفقر المادي والتلوث البيئي والانفصام الأخلاقي… كلها مكونات ليومياتنا المعاشة. ومع ذلك نريد تغيير خريطة العالم!

قبل عدة سنوات ومع بداية ما سمي بربيع دمشق، الذي وعد بانفتاح سياسي ما في البلد، تكون على شبكة الانترنت عدد هائل من الأحزاب السياسية السورية، أو مشاريع الأحزاب. وكانت يومها شديدة الاستعراضية في طرح الشعارات، من ليبرالية واشتراكية وقومية من كل صنف….الخ. وهذا ما دفع أحد الكتاب السوريين إلى التفكير بتكوين حزب سياسي يقتصر هدفه وبرنامجه السياسي على إصلاح الطرق بمدينة دمشق وتجميل الأرصفة فيها.. وأراد أن يسميه بـ “حزب البلاط”. كان صاحبنا يعتقد أن تلك الشعارات الحزبية أوهام ليس إلا… وقد تكون أوهاما، غير أن الأوهام، لا الحقائق، هي ما يشكل عالم اليوم المنذور للخراب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق