خروج الأحناف بحثا عن الدين: أحناف الحجاز ونجد نموذجا

تمهيد:
انتهى المؤتمر التأسيسيّ الأول للأحناف في مكّة برفع شعارين:

1- كانت جملة (لا إله) تحدّد الشعار الأوّل.

2- التماس الدين بالسير في الأرض، والدخول في حوار مع الأديان والملل السابقة.

أما الشعار الأول فكان إعلاناً بموت الألوهية الوثنية، وكان موجّها ضدّ عبادة الأوثان بالدرجة الأساس، لقد تمّ حسم قضية الأصنام والأوثان بإقرار جميع من حضر المؤتمر بأنّها ” لا تبصر ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع “. ولم يتم التركيز على عبادة إله واحد، بل إنّ الشعار الثاني يكشف بوضوح أنّهم اتّفقوا على السير في الأرض، والبحث عن إله أو دين، عبر الدخول في محاورات مع أصحاب الأديان والملل الأخرى.

الحنيفية والإسلام منهجان مختلفان:

لا أريد هنا أن أتحدّث عن شعار ( لا إله )، بل ما يهمّني في هذا المبحث هو التركيز على الشعار الثاني، فقد ورد الشعار ذاته في القرآن على الصيغة التالية: ” قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ” ( العنكبوت: 20 ).

بدءاً أريد القول أنّ هذا الشعار حنيفيّ بحت وليس إسلاميا، ووجوده في القرآن لا يشير إلى إسلاميته، فالقرآن تجميع توفيقيّ لكافّة المراحل التي مرّ بها الوعي المكي من الحنيفية وصراعها مع الوثنيين والدهريين مروراً بالإسلام، ثمّ انصهار الأحناف والوثنيين والدهريين في بوتقة الإسلام بعد أن صارت الغلبة إليه .

مع الإسلام يتم توقّف موضوع ( البحث عن إله )، فقد حُسِم الأمر في إله واحد هو الله، كما أنّ الإسلام لا يطلب من الداخل فيه الخروج بحثاً عن الله، بل يتوجّب على المسلم أن يستلم ما يوحى به إلى النبي، ” ومن يبتغِ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ” ( آل عمران : 85 ) فلا معرفة – بخصوص الإله – خارج نطاق دائرة الوحي، والبحث عن إله خارج دائرة الوحي هو خروج على الجماعة، وبالتالي إمّا أن يكون الباحث عن إله مرتدًّا إن كان مسلما سابقا، أو كافرا إن لم يكن مسلما.

من هنا أكرّر القول أّن شعار: ” قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ” شعار حنيفي بحت، سبق زمنيا ظهور الإسلام بأكثر من عقد من السنين، وهو يكشف أول نقاط الاختلاف بين منهج الحنيفية ومنهج الإسلام، فالحنيفية دين خروج وبحث، أي أنّها لم تبلغ بعد حدّ اليقين، سنرى أطياف الحنيفية عبر ممثليها الأوائل – في الحجاز بشكل خاص وفي الجزيرة العربية بشكل عام – والذين أحب أن أطلق عليهم تسمية ( الجيل الأول للأحناف )، بينما الإسلام دين يقين مطلق، وما على المسلم إلا أن يستلم فحسب.

تحسّس ذلك ( أبو عامر الراهب ) أحد أحناف يثرب حين اعترض على مفهوم الحنيفية التي دعا إليها محمد بن عبد الله قائلا له: ” لقد أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها ” ( ابن هشام : 2 / 235 ).

سَيْر الأحناف في الأرض:

تنكمش الأخبار حين تقترب من سِيَر أحناف مكة، أو من سِيَر أحناف الجزيرة العربية كلّها، حتى تبدو الحنيفية كحلقة مفقودة ضمن السياق التاريخي لتطور الإنسان على حدّ تعبير الدكتور حسين مروة ( النزعات المادية: 1 / 371 )، بل إنّ أغلب الأخبار ترد بطريقة مشوّهة أو مضبّبة أو معمّاة، بل إنّها تأتي على شكل فردي لا يوحي بوجود ظاهرة اجتماعية، أو تيار اجتماعي بدأ ينمو على صعيد الحياة اليومية سواء أكان في مكة أم الجزيرة العربية، كما لو أنّ الأخباريين تقصّدوا ذلك حتى لا تثير بعض الأخبار أيّة حساسية تجاه التاريخ الحقيقي لسيرة الإسلام كدين جديد بشكل عام، أو تجاه سيرة النبي ونموّها الثقافي / الاجتماعي بشكل خاص، غير أنّ محاولة جمع الأخبار المتفرقة يساعد كثيرا في رسم الظاهرة الاجتماعية وتحديد ملامحها، وسيكون في الأخبار المتفرقة المتباعدة في كتب الأخبار والسيرة ثمة حبال سرية تشير إلى اللقاءات المستمرة خارج نطاق الصدفة، لا الباحثة فقط بل الدافعة في مجرى التغيير الاجتماعي داخل النسيج العام.

ومحاولة في تغييب فاعلية الأحناف كتيار اجتماعي نجد أنّ المؤرخين صرّحوا بحنيفية بعضهم كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وأمية بن أبي الصلت، وسكتوا عن بعض آخر كقيس بن نشبة الذي كان محمد يسميه ” خير بني سليم ” ( المنمق : 145 )، بينما جعلوا آخرين منهم إمّا نصارى كورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش، أو كفرة كشيبة بن ربيعة، يعود ذلك للعلاقة الاجتماعية أو لاقتراب كلّ حنيفي من دائرة السيرة الذاتية للنبي، فعلى سبيل المثال نجد أنّ أبا أُحيحة سعيد بن العاص يُذكر في عداد الكفرة لما له من مواقف شخصية حادة ضدّ محمد بن عبد الله، فهو الذي قال له في مكة قبل الهجرة: ” إن قمت من مرضي لأخرجنك من مكة “، فتمت قراءة هذه الجملة على أنّها كفر، لم يتطرّق أحد إلى حنيفيته، أو انحرافه عن وثنية قريش يومذاك سوى أبيات من الشعر قالها ( أبو قيس بن الأسلت ) حنيفي من يثرب يرثيه فيها بعد موته. من هنا جاء حذر الدكتور جواد علي في التحدّث عن بعض الأحناف كعبيد بن الأبرص وزهير بن أبي سلمى، حين قال لا نستطيع أن نذكر شيئا عن دينهم ( المفصل : 6 / 362 )، ولم يكن الدكتور مصيبا في حذره، خصوصا مع زهير بن أبي سلمى.

يهمني في هذا المبحث أن أتقصّى ( رحلات البحث المجردة ) التي قام بها بعض الأحناف كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل في مكة، وأبي قيس بن الأسلت في يثرب، وأمية بن أبي الصلت في الطائف، وسأمر مرورا سريعاً عند( الرحلات ذات القصد ) في ممارسة ما توصّلوا إليه اجتماعيا عبر امتلاك السلطة كرحلة عثمان بن الحويرث وأبي أُحيحة سعيد بن العاص لأنّني سأخصص لها مبحثاً خاصا.

ملاحظة حول جملة ( قرأ الكتب ):

أريد هنا التركيز على جملة يصادفها القارئ في كتب السيرة والأخبار، وأقصد تحديدا جملة ( قرأ الكتب )، هذه الجملة تُذكر عادة مع الذين كان لهم انشغال ذهني بموضوع العبادة خارج نطاق الوثنية، تُذكر مع الذين خرجوا على عبادة الأصنام والأوثان، فالجملة ذاتها يذكرها المسعودي مع كلٍّ من أمية بن أبي الصلت وورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش ( مروج الذهب : 1 / 72 ، 74 ، 76 ) بينما يذكرها ابن حبيب البغدادي عند حديثه عن قيس بن نشبة ( المنمق : 144 )، وفي أحيان يرد الخبر دون ذكرها لكنه يشير إليها ضمنا كما هو الحال مع أبي أُحيحة سعيد بن العاصي، فلم أعثر على خبر يشير إلى أنه كان ممن يقرؤون ( مجلة لقمان ) في مكة، ومع هذا ذكر الجاحظ في قصيدة أبي قيس بن الأسلت في رثاء أبي أُحيحة ما فيه دلالة واضحة على العلم والقراءة:

وكان البختريّ غداة جمع يدافعهم بلقمان الحكيم

( البيان والتبيين : 3 / 463 )

وجملة ( قرأ الكتب ) تشير إلى قراءة كتب الأديان السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور، وعادة ما يتوقّف المؤرخون عن الإفصاح عن زمان القراءة ومكانها، ثمّة روايات تؤكّد أن بعض الأحناف كان يحمل كتبا معه في السفر كأمية بن أبي الصلت، دون أن يتمّ تحديد هوية الكتب، وبعضهم كان يحمل كتبا محدّدة كسويد بن الصامت الذي كان يحمل مجلة لقمان معه في مكة ( النزعات المادية : 1 / 372 )، أريد أن أقول أنّ جملة ( قرأ الكتب ) نافذة مهمّة تشير بشكل ضمني إلى الرحلات التي قام بها الأحناف في مكة والجزيرة العربية قبل الإسلام.

خروج أحناف الحجاز بحثا عن الدين:

1 – خروج زيد بن عمرو بن نفيل

لعل أبرز من بقيت أخبار رحلاتهم من الأحناف هو زيد بن عمرو بن نفيل، وقد كان أحد الحاضرين في المؤتمر التأسيسي، بل إن المصادر الإسلامية تعاملت مع سيرته بحذر شديد في كتب الحديث ( إصحاح البخاري نموذجا )، وبلين في كتب السيرة ( ابن اسحاق تحديدا )، وباعتدال في كتب التفسير ( الجامع لأحكام القرآن مثالا ). واعتقد أن سيرة زيد بن عمرو بن نفيل ما كان لها أن تبقى بهذا الحضور لولا حديث محمد بحقّه: ” يبعث أمة وحده يوم القيامة “، إضافة إلى أنّ سعيدا ابنه كان أحد العشرة المبشّرين بالجنة.

لا يمكن رسم خارطة لرحلة زيد بن عمرو بن نفيل إلى الشام، فالظاهر من الأخبار أنها لم تكن رحلة واحدة، وأنه رحل وحده مرة، وأخرى بصحبة ورقة بن نوفل، لكنني أحاول هنا أن أرتب المدن التي زارها زيد واحدة بعد أخرى، ولعل بعضها تم قبل الأخرى.

رحلة البحث في الشام تبدأ الرحلة بالذهاب إلى يثرب ومنها إلى أحبار خيبر، ثم إلى أحبار فدك، ثم إلى أيلة، ثم إلى البلقاء، ثم إلى راهب في الموصل، ثم إلى شيخ في الجزيرة، ثم إلى شيخ في الحيرة، ثم عودته لمكة. هذا ما تمكنت من جمعه في كتب السيرة والأخبار والحديث ( للتوسع ينظر في :- السيرة النبوية لابن كثير : 1 /391 ، الروض الأنف : 1 / 382 ، صحيح البخاري : 5 / 50 ، سيرة ابن اسحاق: 98 -99 ، المنتظم : 2 / 540، الرياض النضرة: 4 / 337 – 338 ، مجمع الزوائد: 5 / 418، هامش جمهرة النسب: 1 / 149، المستدرك: 3 / 216 – 217 ).
أما رحلته إلى الجنوب فلم يبق من ذكرها سوى أنه زار النجاشي بعد رجوع أبرهة من مكة ( أول سيرة في الإسلام : 72 ) .

وقد ورد في ( السيرة النبوية لابن كثير ) أن زيدا بن عمرو بن نفيل قال: ” طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكان من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك ” ( 1 / 215 )، وهذا الخبر يشير إلى محاورته للمجوس أيضا.

ولأنّ خروجه لم يكن متفقا مع خروج قوافل قريش التجارية شمالا وجنوبا، ولأن التجارة لم تكن غايته بل التماس الدين، لذا أصبح خروجه اختلافا – وخروجا بحد ذاته – عن المنظومة المعرفية التي تغلّف الوعي الاجتماعي المكي آنذاك، أو كسرا للعادة المكية في رحلتي الشتاء والصيف، لذا وُضِع تحت رقابة صارمة، بل جعلوا زوجته صفية بنت عبد الله الحضرمي مكلّفة بإبلاغ عمّه الخطّاب حال استعداده لخروج آخر ( ابن هشام: 1: 244 ).

لكنه لم يعد بشيء من كلّ رحلاته، وقد جاءه ( أمية بن أبي الصلت ) من الطائف يسأله:

يا باغي الخير هل وصلت؟

قال: لا ( طبقات الشعراء : 66 ).

لم يكن أمية بن أبي الصلت الحنيفي الوحيد الذي مرّ بزيد بن عمرو بن نفيل، فقد ورد أيضا أن أبا قيس بن الأسلت جاءه من يثرب وكلمه في الحنيفية، وأنه كان يقول : ” ليس أحد على دين ابراهيم إلا أنا وزيد بن عمرو بن نفيل ” ( هامش أسماء المغتالين : 25 ).

وفي خبر آخر عن أسماء بنت أبي بكر أنّ زيدا كان يسند ظهره بجدار الكعبة ويقول:

” اللهم لو أني أعلم أيّ الوجوه أحبّ إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على راحته ” ( ابن هشام: 1 / 240 ).

2 – خروج ورقة بن نوفل

في موضوع رحلات ورقة بن نوفل بحثا عن الإله أو طلبا للدين كما يسمّيها المؤرّخون فإنّه عادة ما يذكر بصحبة زيد بن عمرو بن نفيل، ولم يرد خبر يشير إلى ذهابه تاجرا بل طالبا للدين أو هاربا من انتقام بعد مقتل رفيقه وابن عمه الحنيفي عثمان بن الحويرث:

ورد عن سعيد بن زيد أنّ ورقة بن نوفل خرج مع أبيه زيد بن عمرو بن نفيل يطلبان الدين حتى مرا بالشام ( الرياض النضرة : 4 / 337 – 338 ).
ورد عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ” كان زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل يذكران أنهما أتيا النجاشي بعد رجوع أبرهة من مكة ” ( أول سيرة في الإسلام: 72 ) .
يذكر ابن حبيب البغدادي أنّ ورقة بن نوفل لحق بأرض طيء فمكث زمانا ثم لحق بالبحرين بعد مقتل عثمان بن الحويرث ( المنمق : 158 ).

اختلف المؤرخون في أمر ورقة بن نوفل فبعضهم قال بتنصّره، بينما ورد عن النبي انه قال: ” رأيت ورقة على نهر من أنهار الجنة لأنّه كان يقول: ديني دين زيد وإلهي إله زيد ” ( السيرة النبوية لابن كثير : 1 / 422 )، بل إنّ ورقة بن نوفل رثى زيدا بقصيدة قال في بعضها:

رشدت وأنعمت بن عمرو وإنما

تجنّبت تنورا من النار حاميا

بدينك ربا ليس رب كمثله

وتركك أوثان الطواغي كما هيا

وإدراكك الدين الذي قد طلبته

ولم تك عن توحيد ربك ساهيا

( ابن هشام : 1 / 247 )

هذا ما يجعلني أميل إلى أن ورقة بقي حنيفيا أسوة بزيد بن عمرو بن نفيل، أما قضية تنصّره فكانت قراءة أُريد منها إزاحة تأثيره على النبي، تبنّاها النصارى فيما بعد باعتباره صاحب كنيسة في مكة، وهذا لغط من الكلام ليس إلا، لقد كان حنيفيا ومات وهو على دين زيد.

3 – خروج عثمان بن الحويرث

لا يتحدّث المؤرخون وأصحاب السير عن رحلات عثمان بن الحويرث كطالب للدين أو كباحث عن اله بل كطالب ملك، ويجعلون له أكثر من رحلة باتجاه الشام حيث يلتقي بقيصر وبملك الغساسنة، فيتوّج ملكا من قبل قيصر ويقتل مسموما من قبل الملك الغساني عمرو بن أبي شمّر بتحريض من قريش ( المنمق: 154 – 160 )، وهو مَفْصَلٌ مهمّ جدّا في تأريخ الحنيفية في مكة، سأتناوله بالبحث عند التحدّث عن ( مملكة الأحناف ).

4 – خروج أبي أُحيحة سعيد بن العاصي وأبي ذئب بن ربيعة

لم يذكر أبو أُحيحة في أي كتاب من كتب السيرة أو التاريخ على أنّه كان حنيفيا، وذلك للعداء الشديد الذي كان قد اتّخذه موقفا ضدّ محمد في مكة قبل الهجرة، لكنني أحبّ هنا أن أشير إلى رحلته إلى الشام في اللحظة التي كان فيها عثمان بن الحويرث ضيفا على عمرو بن أبي شمّر أحد ملوك آل جفنة، وقد ورد في الخبر أنّ أبا أُحيحة قصد الشام للتجارة مع أبي ذئب بن ربيعة ليس إلا، أي أنّهما لا علاقة لهما بأمر تتويج عثمان بن الحويرث ( المنمق: 156)، لا أريد هنا أن أثير قضية تتويج عثمان، ولكنني أقف عند رثاء أبي قيس بن الأسلت لأبي أُحيحة:

وكان أبو أُحيحة قد علتم بمكّة غير مهتضم ذميم

إذا شدّ العصابة ذات يوم وقام إلى المجالس والخصوم

فقد حرمت على من كان يمشي بمكّة غير مدّخل سقيم

وكان البختريّ غداة جمع يدافعهم بلقمان الحكيم

بأزهر من سراة بني لؤيّ كبدر اللّيل راق على النّجوم

بنو البيت الذي بنيت عليه قريش السّرّ في الزمن القديم

وسطت ذوائب الفرعين منهم فأنت لباب سرّهم الصمّيم

( البيان والتبيين: 3 / 463 )

أما أبو قيس بن الأسلت فهو حنيفي من يثرب، قام برحلات طلبا للدين سأتحدّث عنه بعد قليل، فهذه إذن شهادة حنيفي بحقّ رجل يرد في كتب الأخبار بأنّه كافر. وقضية دفاعه بلقمان أي بمجلة لقمان الحكيم فإنّها إشارة إلى معرفته بها، وحكمة لقمان كانت إحدى أهم الأفكار التي حاول الأحناف نشرها وإحياءها بين العرب قبل الإسلام.

وإذا ما تمّ ذكر أبي أُحيحة باعتباره كافرا، فقد سقط ذكر أبي ذئب بن ربيعة من الذاكرة، فلم أعثر عليه في ( جمهرة أنساب العرب) لابن حزم، أو (الاشتقاق) لابن دريد، ويذكره الزبيري عرضا أثناء الحديث عن أبي العاصي بن أمية الأكبر (نسب قريش: 33).

خروج أحناف يثرب والطائف:

عند ذكر رحلات أحناف مكة طلبا للدين، لا يمكن إغفال جانب آخر من تأريخ الحنيفية في القرى المجاورة لمكة في الحجاز كيثرب والطائف. ذكر ابن اسحاق أنّ أبا عامر الراهب من الأوس حاجج محمدا بن عبد الله في الحنيفية واعتبره مغيّرا فيها، وقبل ذلك كان محمد قد التقى بسويد بن الصامت في مكة، وكان يحمل معه مجلة لقمان، إضافة إلى أبي قيس صرمة بن أنس وقد التقى بعضهم بزيد بن عمرو بن نفيل، أي كان ثمّة تأثير مكّي هنا وهناك على أحناف الحجاز.

1 – أبو قيس بن الأسلت

ذكرت في الحديث عن رحلات زيد بن عمرو بن نفيل أنّه مرّ بيثرب، إلا أنّ الأخبار لم تذكر لنا لقاءاته الخاصة هناك، مع من تحدّث؟ أين أقام؟ علما أنّه كبير (بني عدي)، لكنهم يشيرون في رواية إلى انه التقى بأحبار خيبر. وقد وجدت في ما تبقى من ذكر أبي قيس بن الأسلت انه التقى بزيد، وكان أبو قيس صهرا لورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث فقد تزوج أرنب بنت أسد بن عبد العزى، وكان يحب قريشا، ويقيم عندهم السنين بامرأته ( ابن هشام: 1 / 302) إضافة إلى أنه ” لم يكن أحد من الأوس والخزرج أوصف لدين الحنيفية ولا أكثر مسألة عنه من أبي قيس بن الأسلت، وكان يسأل من اليهود عن دينهم، فكان يقاربهم. ثم خرج إلى الشام فنزل على آل جفنة ( ملوك الغساسنة ) فأكرموه وسأل الرهبان والأحبار فدعوه إلى دينهم، فامتنع فقال له راهب منهم: يا أبا قيس إن كنت تريد الحنيفية فهو من حيث خرجت، وهو دين ابراهيم، فقال أبو قيس: أنا على دين ابراهيم ثم خرج إلى مكة معتمرا، فبلغ زيد بن عمرو بن نفيل فكلمه، فكان يقول: ليس أحد على دين ابراهيم إلا أنا وزيد بن عمرو بن نفيل ” ( أنظر هامش أسماء المغتالين:24 – 25 )، هذا الخبر يمكن أن يكشف لنا ضمنا الأشخاص الذين التقى بهم زيد بن عمرو بن نفيل في يثرب، ويشير صراحة إلى خروج أحناف من خارج مكة يلتمسون الدين أيضا.

2 – خروج أمية بن أبي الصلت

قد يكون اسم أمية بن أبي الصلت الثقيفي من الطائف أكثر أسماء الأحناف تداولا في كتب الأخبار والسيرة، وللتنافس بين ثقيف وقريش صلة بالأمر، وهذا يجعل الكتابة عن أمية مشوبة بالشكّ هنا وهناك، لكن، القول نفسه يصحّ على الكتابات التي تقف ضدّه أيضا، ينبغي ألا تكون قراءتنا نصفية تعمل على الإلغاء كما فعل طه حسين مثلا في كتابه ( في الشعر الجاهلي : 115)، أي أنّ التعامل مع ما بقي من ذكره ينبغي أن يقرأ بحذر شديد لأنه لا يكشف عما حدث بعد هيمنة الإسلام، بل أخبار أمية بن أبي الصلت مهمّة جدا في تتبع صيرورة الحنيفية إلى الإسلام في ما بعد، بل أكاد أكون مقتنعا بأن الإسلام تيار انبثق من داخل الحنيفية كان انقلابا على أمية بن أبي الصلت في إحدى مستوياته ، سأناقش ذلك في دراسة لاحقة.

تذكر كتب الأخبار أنّ أمية بن أبي الصلت كان من الذين دارسوا النصارى ” وقرأ معهم ودارس اليهود، وكلّ الكتب قرأ ” ( الاشتقاق : 2 / 303 )، ” ورغب عن عبادة الأوثان ” ( الشعر والشعراء: 280)، بل إنّ الواحدي يقول في سبب نزول آية: ” واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ” نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد قرأ الكتب ( أسباب النزول : 126 ).

عادة ما يذكر المؤرخون أنه كان يسافر تاجرا إلى الشام ” فتلقاه أهل الكنائس من اليهود والنصارى”، وكان يمرّ بالمعابد والأديرة يلتقي بالأحبار والرهبان يسألهم ويسمع منهم، بل إنه تعلم ” باسمك اللهم ” من رجل أبيض الرأس واللحية يجلس في كنيسة، فأدخلها بادئة لكل كتاب، وكانت قريش أخذت عنه ذلك ( مروج الذهب : 1 / 73 – 74 )، وفي رواية أخرى إنه علّم أهل مكة ذلك فجعلوها في أوّل كتبهم فكانت قريش تكتب باسمك اللهم، وكان محمد يفعل مثل ذلك ( مصادر الشعر الجاهلي : 73 ).

كان يقدم إلى مكة غالبا لصلة نسب أولا فأمه رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف ( جمهرة: 74)، وكان ينادم عبد الله بن جدعان (القيان والغناء: 84 – 85)، إلا أنّ خبرا يورد بثلاث روايات تّتفق على أنه التقى بزيد بن عمرو بن نفيل، إحداها تؤكّد أنّ أمية مرّ بزيد دون تحديد للمكان (طبقات الشعراء: 66) وأخرى تقول أن زيدا سمع أمية ينشد (الملل والنحل: 229)، أما الثالثة وتأتي برواية أبي بكر الصديق: ” كنت جالسا بفناء الكعبة وزيد بن عمرو بن نفيل قاعد، فمرّ به أمية بن أبي الصلت ” (الخصائص الكبرى: 1 / 42).

خروج أحناف نجد:

1 – مسلمة الحنفي

كان مسلمة بن حبيب الحنفي حنيفيا من أهل اليمامة، يسمّيه المسلمون بمسيلمة الكذاب، وقد ذكر الجاحظ عنه أنه طاف في الأسواق قبل أن يعلن نبوّته، فذكر أنّه ذهب إلى الأسواق التي كانت بين دور العجم والعرب، منها سوق الأبلة، وسوق لقه ( سوق حكمة برواية ياقوت )، وسوق الأنبار، وسوق الحيرة (الحيوان: 4 / 369)، وهذا يعني أنّ مسلمة الحنفي أسوة بغيره من أحناف مكة ويثرب والطائف، تجوّل طلبا للدين في الجزء الشماليّ من جزيرة العرب، وقد تزامن طوافه في المدن مع رحلات الجيل الأول من الأحناف، رغم أن المؤرخين لا يشيرون إلى أنه التقى بأحدهم أو سمع من أحدهم، وهي قضية تناولتها بالبحث في كتابي ( مسلمة الحنفي : قراءة في تأريخٍ محرّم).

الخلاصة:

أنّ الأحناف بعد انتهاء مؤتمرهم التأسيسيّ الأوّل في مكّة، شرعوا في التجوال في المدن التي كانوا يعرفونها يومذاك، من الحبشة جنوبا إلى الموصل شمالا، ومن فلسطين غربا إلى ما وراء الحيرة شرقا، باحثين عن جدوى لوجودهم في العالم، بعد أن ثبت لديهم بالممارسة العملية أن عبادة الأصنام والأوثان التي تغلّف حياتهم لا تثبت أمام أيّ جدل عقلاني، وأن الأصنام التي تبول عليها الثعالب لا تمنح الفرد طمأنينة الإيمان بها، أو الخضوع لها، فهي تعجز أن تحمي نفسها – وقد رأينا كيف بدأ الأحناف بتنكيس الأصنام في مؤتمرهم التأسيسي – كما أنّها تعجز في الوقت نفسه عن توفير الأمن للأفراد على صعيد المسكن والمأكل والتفكير، لذا أضربوا عن الانقياد لطقوسها، وكان ذلك إعلانا بالخروج على الجماعة بالمفهوم القبلي، لقد كان صنم القبيلة سياج طمأنينتها، من هنا كان تحطيم الأصنام خروجا إلى دائرة أوسع مساحة وأكثر إنسانية، ليس بالمفهوم القومي بل الإنساني، لقد كان ثمة إحساس بالضعف، أحسّ به بعض الأفراد، ويمكن أن يتجسّد ذلك بقول لبيد بن ربيعة، وكان تألّه قبل الإسلام أيضا:

فإن تسألينا فيم نحن فإننا

عصافير من هذا الأنام المسحر

وهو إحساس يتقاطع مع قساوة البداوة، فالحنيفية في أدق وصف لها هي محاولة في الخروج على البداوة بدءاً، بدأ الإحساس بالضعف فرديا سريّا، لكنه مع انتشار الأحناف وتجوالهم في الأرض، واتصالهم بعضهم ببعض، ونقل ما توصل بعضهم إلى بعض، كل ذلك ساهم في اتساع دائرة الإحساس بالضعف وخروجه من مستواه الفردي إلى الاجتماعي، وبدأت الأسئلة الحنيفية في البحث عن إله أو عن دين آخر تصعد إلى مستوى الحوار اليومي في مكة والقرى الأخرى في الجزيرة العربية قبل الإسلام، لقد كان الحوار الحنيفي في الجزيرة قبل الإسلام يوازي – في الانتشار – الحوار الفلسفي في أثينا أيام السفسطائيين.

المراجع :

1- القرآن الكريم.
2- النزعات المادية في الفلسفة العربية – الإسلامية، حسين مروة، ط2 – 2002، دار الفارابي – بيروت – لبنان.
3- مروج الذهب ومعادن الجوهر، علي بن الحسين المسعودي ( ت 346 هج )، تحقيق وتعليق الشيخ قاسم الشماعي الرفاعي، ط1 – 1989 ، دار القلم – بيروت – لبنان.
4- المنمق في أخبار قريش، محمد بن حبيب البغدادي ( ت 245 هج )، صححه وعلق عليه خورشيد أحمد فارق، ط1 – 1985، عالم الكتب – بيروت.
5- السيرة النبوية لابن هشام، حققها وضبطها وشرحها ووضع فهارسها مصطفى السقا وابراهيم الابياري وعبد الحفيظ شلبي، دار إحياء التراث العربي – بيروت – لبنان.
6- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الدكتور جواد علي، ط1 – 2006، آوند دانش للطباعة والنشر.
7- طبقات الشعراء، محمد بن سلام الجمحي ( ت 231 هج )، دار النهضة العربية – بيروت.
8- أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام، ويليه كنى الشعراء ومن غلبت كنيته على اسمه، تأليف أبي جعفر محمد بن حبيب البغدادي ( ت 245 هج )، تحقيق سيد كسروي حسن ، ط1 – 2001، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان.
9- نسب قريش، مصعب الزبيري ( ت 236 هج ). موقع الوراق الالكتروني / المكتبة التراثية / الأنساب.
10- الشعر والشعراء، ابن قتيبة الدينوري ( 276 هج )، حققه وضبط نصه ووضع حواشيه الدكتور مفيد قميحة والأستاذ محمد أمين الضناوي، ط1 – 2000 ، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان.
11- الاشتقاق، ابن دريد ( ت 321 هج )، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، ط2 – 1979، مكتبة المثنى – بغداد – العراق.
12- أسباب النزول، الواحدي النيسابوري ( ت 468 هج )، تحقيق عبد الله المنشاوي، ط1 – 2001 ، دار المنار – القاهرة.
13- مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، الدكتور ناصر الدين الأسد، ط5، دار المعارف بمصر.
14- الملل والنحل، محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ( ت 548 هج )، تحقيق أبي محمد محمد بن فريد، المكتبة التوفيقية – القاهرة – مصر.
15- في الشعر الجاهلي، طه حسين، تقديم د. عبد المنعم تليمة، ط3 – 1996، دار النهر للنشر والتوزيع.
16- الخصائص الكبرى، الشيخ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي الشافعي ( ت 911 هج ).
17- القيان والغناء في العصر الجاهلي، الدكتور ناصر الدين الأسد، ط3 – 1988، دار الجيل – بيروت – لبنان.
18- الحيوان، عمرو بن بحر الجاحظ ( ت 255 هج )، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، ط3 – 1969، دار إحياء التراث العربي – بيروت – لبنان.
19- بخصوص مسلمة الحنفي فقد وضعت كتابا عنه تحت عنوان ( مسلمة الحنفي : قراءة في تأريخٍ محرّم ) هو تحت الطبع الآن عن دار الجمل بألمانيا، أثبتّ فيه حنيفية الرجل، ونقاط اقترابه من أحناف الجيل الأوّل، آليات اشتغاله، ومنهجه في الانتشار، وتحدّثت عن تحالفه مع محمد بن عبد الله حين كان في مكة قبل الهجرة، وكيف ساهمت المؤسّسة الإسلامية بفكيها السني والشيعي في تشويه سيرته بعد قتله في الحروب التي خاضها المسلمون ضد العرب داخل الجزيرة العربية بعد موت محمد بن عبد الله.
20- ديوان لبيد بن ربيعة، اعتنى به حمدو طماس، ط1 – 2004، دار المعرفة – بيروت – لبنان.

لقراءة المقال السابق من هذا البحث
أنقر هنا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق