خطابُ أوباما في القاهرة

{{هذا البيان حول خطاب أوباما الأخير في مصر أصدرته جمعيّة بيان الحريّات بالفرنسيّة، ونحن ننشر ترجمته العربيّة نظرا إلى أهمّيّته. (الأوان)}}

يكشف خطابُ باراك أوباما الأخير في القاهرة عن إرادة لتغيير السياسة الأمريكيّة في منطقة الشرق الأوسط فاتحا باب الأمل في التوصّل إلى تهدئة ممكنة. وتعلن الولايات المتّحدة، على لسان رئيسها، عزمَها، منذ الآن، على النظر إلى الشعبيْن الإسرائيليّ والفلسطينيّ على أنّهما سواسيةٌ في الحقوق والكرامة، وذلك بوضع إطار صارم بين الفريقيْن المتحاربيْن من أجل التفاوض على استقلال الفلسطينيين.

إنّ المفاوضات كضرورة وحاجة ملحّة هي، فيما يبدو لنا، مفتاح ذلك الخطاب المتساوق مع نداء ” [إسرائيل – فلسطين: الحاجة الملحّة إلى اتّفاق جديد->http://207.45.177.54/%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84.html]” الذي أطلقه أصدقاء ( جمعيّة بيان الحرّيات Association du manifeste des libertés ). على أنّنا نعلم أنّ النزاعاتِ في الشرق الأوسط هي تربةٌ مخصبةٌ لكلّ الأصوليّات، وهي التي تغذّي شتّى ضروب التعصّب. وسيكون التوصّل إلى حصول الفلسطينيّين على استقلالهم خطوة كبيرة باتّجاه حلّ عددٍ من المشاكل السياسيّة والاجتماعيّة في بلدان المنطقة.

لنأخذ خطاب أوباما من زاوية القطيعة التي يمثّلها مع خطاب ” صراع الحضارات ” الذي تبنّته إدارة بوش. يلحّ هذا الخطابُ على ما يجمع الشعوبَ أو على “ما هو قاسمٌ مشترك بيننا “: هو، بذلك، خطابٌ يرفض بكلّ وضوح التركيز على الاختلافات بين تلك الشعوب وعلى نزعة الازدراء والتهجين فيما بينها. وهو يضع نفسه في مقابل شتّى أنواع العقائد التي تريد أن تؤلّبَ، وفق معايير عنصريّة تعصّبيّة، جزءًا من العالم ضدّ جزء آخر. لِنضعْ حدّا للنزعات التعصّبيّة والشوفينيّة التي تشقّ الفريقيْن، وهي سواءٌ في الشراسة، وإن حاول هذا الشقّ أو ذاك أنْ يفهمنا عكس ذلك.

والحقّ أنّ التعبير عن هذا ” المشترك ” قد وقع بمفردات دينيّة ( ” كلّنا أبناء إبراهيم ” )، ولكنّه “مشترك” يتوجّه إلى المسلمين في العالم، ورغم أنّ هذه الصّيغة المخصوصة من الكونيّة لا تلزمنا، فإنّ الكونيّة الرّحبة تظهر على نحو ما في تلك الرّسالة الضّمنيّة التي تتعلّق بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة والتي بعث بها أوباما إلى حكّام المنطقة الذين ينتهكون، كما نعلم، تلك المبادئ الأساسيّة.

يقول لنا خطاب أوباما، ويقول لهؤلاء الحكّام : ” يلازمني اعتقاد راسخ أنّ جميع البشر يتطلّعون لامتلاك قدرة التعبير عن أفكارهم وآرائهم في أسلوب الحكم المتّبع في بلدانهم، ويتطلّعون للشعور بالثقة في حكم القانون وفي الالتزام بالعدالة والمساواة في تطبيقه، ويتطلّعون، كذلك، لشفافية الحكومة وامتناعها عن نهب أموال الشعب، ويتطلّعون لحرّية اختيار نوعيّة الحياة. إنّ هذه الأفكار ليست أفكارا أمريكيّة فحسب، بل هي حقوق إنسانية، ولأنّ تطلّعات البشر كذلك، فسوف ندعمها في كلّ مكان..”

وكما واجه أوباما سائر المواضيع المطروحة، فإنّه لم يتحاش الخوض في ما يتعلّق بمنزلة النساء. فلقد دافع الخطاب عن حرّية النساء في لبس الحجاب، وهو عندنا علامة على عدم المساواة، وبعيدا عن كونه علامة على دين مخصوص، فإنّ الحجاب ينتمي إلى سلوك يُخضع النساء إلى اعتبارات جنسيّة غير مقبولة، ولا يمكن للرئيس الأمريكيّ أنْ يتجاهل نضال النساء في البلدان ذات الأغلبيّة الإسلاميّة ولا الإكراه الذي يلزمهنّ بالحجاب بشكل أو بآخر. على أنّ الخطابَ نزّل هذه الحرّية التي دافع عنها في إطار الحرّية الدينيّة، وأدان، في الوقت ذاته، غيابها في البلدان الإسلاميّة ( على سبيل المثال، وضعيّة الأقباط في مصر والبهائيّين في إيران، والمسيحيّين في المشرق والمغرب ) إمّا بالتصريح ” ثمّة لدى بعض المسلمين نزوعٌ مقلق لتعظيم إيمانهم عبر رفض إيمان الآخرين..”، وإمّا بالتلميح من خلال الالتزام باحترام تلك الحرّية. غير أنّ الحرّية الدينيّة تقتضي الفصل بين الهويّة والانتماء الثقافيّ إلى الإسلام identité et musulmanité، كما تبقى مرحلةً شبه ضروريّة للوصول إلى علمنة المجتمع، لكيْ تقود، في النهاية، إلى التقليل من ظاهرة حمل الحجاب. وتلك هي علّة رفض الأصوليّين للحرّية الدينيّة.

وبالمثل، فإنّ التعميم الذي صيغ به البيان عن عدم المساواة الذي تشكو منه النّساء في أنحاء العالم، وليس في ( أرض الإسلام ) فحسب، يسمح بالتنبّه إلى أهمّية المساواة بيْن الجنسيْن وبإدانة غيابها ضمنيّا عبر الالتزام، صراحة، بتعليم الفتيات والسماح لهنّ بالعمل.

هذه الرسائل الضمنيّة تكشف، بجلاء، عن حذر مّا وعن إقرار باستحالة فرض أنموذج تسلّطيّ كان القناع الذي تقنّعت به سياسة الهيمنة المفروضة من المحافظين الجدد. هاهنا، رغبةٌ في تجاوز إرث ثقيل من الحروب والإذلال، رغبةٌ في أنْ ” لا نكون سجناء الماضي..”.

إنّ خطوات أوباما تتجنّب مزلقيْن هما مزلق الكونيّة التّسلّطيّة الإمبرياليّة، ومزلق التعدّديّة الثّقافويّة الاحتقاريّة المفعمة بشعور بالذّنب لا تستتبعه التزامات حقيقيّة. ولكنّ هذه الخطوات تبقى رهانًا، وتبقى عمليّة إسنادها رهانا أيضا لأنّ المَنْفَذ المناسب لها ليس مضمونًا مسبقًا: فالولايات المتّحدة تبقى دائما قوّة عظمى، وهي لن تتخلّى عن زعامتها. إلاّ أنّنا لم نر انفتاحا بمثل هذه الأهمّيّة منذ مدّة طويلة، وعلينا، تبعا لذلك، أن نساند هذه الفرصة التاريخيّة الحاسمة وأن نعمل على تحطيم الحلقات المفرغة التي أغلقنا على أنفسنا داخلها.

ينبغي أن نرافق خطوة التهدئة التي اختارتها إدارة أوباما، فهي يمكن أن تقود إلى انتعاش مسار ديمقراطيّ يبقى في النّهاية مسؤوليّة مواطني كلّ بلدٍ من بلدان المنطقة. فعليهم، وعلينا أن نبتدع الحقوق والدولة التي تضمن تلك الحقوق. حقوق متساوية لجميع المواطنين مهما كان جنسهم أو دينهم أو ثقافتهم أو لغتهم.. علينا نحن تنشيط الحركات السياسيّة والجمعياتيّة والفنّية والثقافيّة الحاملة لمطالبنا والتي ليس بمقدور أيّ رئيس دولة أن يمليها علينا.

{{بيان الحرّيات

باريس 11 . 06. 2009 }}

للاطلاع على النسخة الفرنسية من البيان اضغط هنا->http://tewfikallal.blogs.nouvelobs.com/archive/2009/06/12/le-discours-d-obama-au-caire-une-avancee-qui-en-appelle-d-au.html]

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق