خطاب الفتوى على الإنترنت: الذمّي والمرأة في مرآة الاستفتاء والإفتاء

فئة أخرى من السائلين هي فئة المسلم الجديد المفارق للتو لعالم “الجاهلية الجديدة” والسّاعي إلى إرساء “مجتمع الإنسان الخليفة” تحت شعار “لا حكم إلا لله” والذي بدأ يجادل وينقد الإفتاء التقليدي والرسمي.

يحتج أحد السائلين على المفتي الرسمي قائلا: “يرفع الإخوان المسلمون الشعار القرآني ’ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون’ في وجه الدولة يتهمونها بالكفر. ونراك تتفق معهم في هذا باعتبارك تؤمن بهذه الآية. فلماذا تختلف إذن مع الإخوان المسلمين، وهم الذين يقولون القرآن شعارنا؟”.

ويسأل آخرون بنبرة تبكيت: “ما هو حكم الاحتكام إلى القوانين الوضعية؟”، “هل تجوز الهدنة مع الأعداء مطلقة ومؤقتة إذا رأى ولي الأمر المصلحة في ذلك؟”، “ما هوواجب العلماء المسلمين تجاه النكبات التي حلت بالعالم الإسلامي؟”

وقد ذكرني سؤال أحدهم من هذه الفئة، والمتعلق بـ”حكم إزالة التماثيل»بالطريقة التي دشّن بها الإسلاميون في الجزائر سلطتهم على العاصمة، فور فوزهم السّاحق في الانتخابات البلدية سنة1991. فقد قاموا بستر التماثيل بالأسمال البالية. ألبسوها الـ”تي شيرت»والدشداشة وحتى الخمار، تمهيدا لدفن مناطقها الحساسة في وقت لاحق بالباطون. كان المشهد مضحكا ومحزنا في آن.

الفئة الثالثة يمثلها المسلم الباحث عن الأمل من خلال تنبؤات النصوص بطرح مثل هذا السؤال: “ما معنى قوله تعالى: ’ألم. غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون”؟

الفئة الرابعة هي فئة المسلم الجريء الذي يطرح أسئلة كانت تعتبر حكرا على النخبة، تتعلق بأخطاء لغوية في القرآن وأخطاء حسابية في قسمة الميراث. وهذا نموذج منها:

“كثيراً ما يرد كلام أن في القرآن أخطاء نحوية كثيرة، من مثل: ’إن هذان لساحران’، أو ’لا ينال عهدي الظالمين’، أو ’إن الذين آمنوا وهادوا والصابئون …’، فما رأيك؟»

“جاءتنا رسالة من قارئ يقول إن زوجته ماتت وتركت ورثة معه يشاركونه في الميراث وهم اثنان فقط، أخت شقيقة للزوجة وأم الزوجة، ومع ذلك فإن توزيع التركة على الزوج والأخت والأم يأتي بنتيجة غريبة لا يعرف كيف يتصرف معها لأن للزوج نصف التركة، وللأخت الشقيقة النصف الآخر من التركة، أي لا يبقى شيء للأم مع أنها تستحق السدس… فكيف يتم حل هذا الإشكال؟”

وأيضا الاستفسار عن: “الحق في معنى الساق في قوله تعالى: ’يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُون’
“هل مات أبو طالب كافرا؟ هل أسلم أبو طالب أم لم يسلم؟”
“ما قول أستاذنا في ما يعرف بالقراءات السبع للقرآن؟”

وأخيرا نجد فئة المسلم المحتج والرافض لمنطق حكمة الله. وأقوال هذه الفئة من المستفتين، وإن جاءت في الأغلب في شكل سؤال، فهي تنطق برأي أو موقف أكثر من تعبيرها عن رغبة في المعرفة، لأنّ السؤال يصاغ في شكل مغلق وموجّه وليس في شكل مفتوح. بحيث يمكن القول أننا، في هذه الحالة بالذات، إزاء جدل بين فاعلين متكافئين أكثر من مجرد طلب تحكيم “موقّع عن الله»في مسألة أغلقت على السائل. وتنسف مواقف هؤلاء، وهم قلّة، سلطة المفتي المعبّر عنها في العقد الاتّصالي الموجز في شعار “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»الذي تعلّقه جلّ مواقع الإفتاء كيافطة على أبواب دكاكينها الإلكترونية، والتي تذكرني بعهد الأميّة المطلقة حين كان بعض من تمكن من فك الحرف يشتغل رسميا كاتبا عموميا.

وقد أسس رفض السائل لهذا الشعار ولهذه الاحتكار المعرفي، تقاطبا في تصورات المتجادلين حول المرجعية التي ينطلقون منها وبالتالي اختلافا في فهمهم للحق وللباطل وللزمان النموذجي ولدور العقل والواقع والنص والإرادة الإنسانية وإشكالية مالك الحكم، وكذلك لأسبقية الفرد أم الجماعة.

وسؤال الاحتجاج، كما يدل على ذلك وصفه، لا يقتصر على جملة استفهامية، بل هو نص كامل يحمل حججا وبراهين وتبكيتا وتساؤلات فرعية تجعله يتساوى مع حجم نص الجواب. ويقول المحتج صراحة أو ضمنيا، أن زمن القول الفصل قد ولّى بانتهاء الظروف التي أنشأته وأن كل قول فصل مطلقا عن الزمان والمكان، هو قول غير واقعي.

ويطرح المسلم المتمرّد أسئلة، تتدرّج في أسلوبها الجريء، من النّفاق إلى الرفض الواضح وحتى الرغبة في الصدام. ونظرا لأهمية الدّلالات اللغوية الواردة في هذه النصوص الاستفهامية، ننسخ بعض الأسئلة حرفيا وإن كان فيها بعض الطول.

«لماذا لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج من كتابي إذا كان الله قد أحل لها ذلك فكيف يحرّمه البشر؟ فهل إرادة البشر أقوى من إرادة الله في موضوع زواج المسلمة من كتابي؟”

“إذا كان القصد من أية إدناء الجلابيب معرفة المرأة الشريفة فلا تأذى فكيف يتحقق هذا المقصد إذا فرض الحكم على جميع النساء؟في إيران تحايلت الوضيعات من النساء بارتداء الجلباب بطريقة معينة تسمح للزبون بمعرفتها. فهل العفة في إدناء الجلابيب؟”

“كيف نفسر زواج النبي محمد من أكثر من الأربعة المنصوص عليها في القرآن الكريم؟”

«هل تزوج الرسول السيدة عائشة وهى في التاسعة من العمر؟! وهل يجوز ذلك؟! وهل يصح أن نأخذ ديننا عنها وهى في هذا العمر؟”

«إذا كان الختان للذكور ليس من الإسلام وإنما هو عادة اجتماعية، فهل يدخل ضمن تغيير خلق الله

وبالتالي نعاقب عليه؟”

«لماذا يمنع المسلم من حريـة الخروج من الدين؟”

«في كل الدول الإسلامية أوا لعربية يقول القانون أو الدستور أو التشريع بأن على رئيس الجمهورية أو رئيس الدولة أن يكون مسلماً وهذا يعني مهما كان المسيحي عظيماً وفي أي مستوى كان لا يحق له المساواة مع المسلم الذي يركض خلف الجمال في الصحراء. لقد وضع هذا القانون العنصري وهذه التفرقة لأن القرآن يقول : “المائدة 5-آ51: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء لكم”. إذا كنتم لا تقبلون بحكم المسيحي فكيف سيقبل المسيحي بحكم المسلم. أين هي الديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة التي يتكلم عنها الإسلام؟ ولماذا وقّع رؤساء وقادة الدول الإسلامية مواثيق الأمم المتحدة التي تنص على المساواة والعدالة. لماذا لا يحترم المسلم توقيعه وتعهده؟”

«لقد تكونت لدي فكرة من قراءاتي للقرآن الكريم وهي أن الدين الإسلامي ينظر للأنثى نظرة دونية فيها شيء من الاستنكار لمقارنتها بالذكر وذلك لما يلي: “جاء في سورة الزخرف الآية 18 “وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا …”. جاء في سورة الطور الآية 39 “أم له البنات ولكم البنون”. وجاء في سورة النجم الآيتين 21 و22 “ألكم الذكر وله ألأنثى”، وفي الآية 27 “إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى”.

«يحق للأقارب الميراث في حالة وجود إناث للشخص المتوفى ولكنفي حالة وجود ذكر واحد يمنع ميراث الأقارب ما السبب؟ أليس هم نفس الأقارب فيالحالتين؟ أليس هذا ه والسبب الذي يجعل كل امرأة تصارع الله لتنجبالذكر؟ الحالة التي أتكلم عنها أسرة كلها ميسورة الحال بل ومن الأغنياء.

أيأن أولاد عمومة البنات أغنى منهم وليسوا في حاجة للأموال. أخيرا، نحن في زمن تشقى فيه المرأة مع الرجل بل ويتأثرالأبناء أيضا بهذا الشقاء. ولا يشقى أخوات الرجل معه في بناء ثروته.

إذا من أولىبالمال؟ حق من هذا؟ الذي تعب وساعد الرجل لبناء حياته أم أخوته الذين كانوا يبنونحياتهم مع زوجاتهم وأبنائهم. وإذا كان هذا الأخ له ولد ذكر فلن تدخل أسرة رجلنا فيالميراث ولكن سيدخل الأخ وأولاده في ميراث رجلنا لأنه للأسف لم ينجب الولد الذييقش؟ أهذا عدل؟”

وباستثناء هذه “النعاج الجرباء”، فإن بقية الأصناف تجمع بينها الحيرة في التعامل مع المرأة، بما فيها المرأة نفسها التي سلبت من ذاتها فأصبحت لا تعرف كيف تتصرف مع جسدها. وقد تجاوزت الأسئلة الخاصة بهذا الجنس “الآخر” عدد الاستفتاءات المتعلقة بالتعامل مع “الآخر” المختلف دينيا. فإذا كان الذمي مهمّشا، فإن المرأة مقصيّة تماما عن الفضاء العام وممنوعة حتى من بعض مجالات الحياة الاجتماعية النسائية. وهذا مثال لبعض الاستفتاءات في هذا الاتجاه:

“ما هو حكم تولي المرأة القضاء؟»

“ما حكم عمل المرأة في محل الحلاقة؟»

«ما هو حكم عمل النساء كمضيّفات؟»

«هل يجوز للمرأة أن تسوق السيارة؟”

«هل يجوز للمرأة المشاركة في النوادي الرياضية النسائية؟»

«بعض النساء يقتنين الهاتف الجوال فهل يجوز أن تتحدث من خلاله أثناء سيرها في الطريق؟”

«هل يجوز للرجل الأجنبي مخاطبة المرأة في التليفون أو بصورة مباشرة؟”

وتقصي هذه النوعيّة من الاستفتاءات، المرأة عن جسدها خاصة. وهو ما يفسّر الهوس بكامل جسدها الذي تضمنته أغلب الأسئلة المتعلقة بهذا الكائن. وتغطّي هذه التساؤلات الحائرة، المرأة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها.

أحكام الرأس وطلب توضيح العقوبة لمخالفة ذلك أحيانا:

«حكم قص بعض النساء لمقدم رؤوسهن باسم الزينة ”

«حكم وضع ربطة الشعر على جبهة الفتيات ”

«حكم لبس الباروكة من باب التزين للزوج ”

«حكم قص الشعر للمرأة وحدّه ”

«هل يجوز لعروس أن تذهب يوم عرسها إلى حلاقة النساء لتتزين؟”

{{أحكام الوجه:}}

«حكم نمص الحواجب ”

«حكم العدسات اللاصقة الملونة ”

“حكم إزالة المرأة لشعر اللحية والشارب”

“حكم عمل المكياج ”

{{أحكام الذراعين واليدين:}}

“حكم إزالة شعر اليدين”

«حكم استعمال طلاء الأظافر”

«حكم ظهور يدي المرأة في السوق”

{{حكم الساقين:}}

«حكم إزالة شعر الساقين”

«حكم ستر القدمين بالجوربين”

{{حكم البدن:}}

“حكم التهاون في موضوع التّعطّر”

«حكم لبس الحزام الذييصف جسم المرأة”

«لبس المرأة الثياب التي تنتهي بذيل”

«لبس المرأة للبنطلون أمام محارمها وغيرهم”

ونخرج من الجسم لنصل أخيرا إلى منعها من التعامل والتعايش مع بنات جنسها:

“حكم ظهور المرأة بملابس تظهر مفاتنها أمام بنات جنسها”

«حكم الذهاب إلى الكوافيرة الكافرة”

«حكم ذهاب المرأة إلى المشغل النسائي الذي به عاملات كافرات ”

وتوحي بعض الأسئلة بأن المرأة كائن غير أرضي لا يعرف مدى قدرته وأحقيته في استعمال حتى مجرد أدوات صنعتها المخلوقات الأرضيّة. وقد ورد سؤال يقول حرفيا: «بالنسبة لمجفف الشعر التي تستعمله النساء ما هو حكمه الشرعي؟ هل هو جائز ولا حرج في استعماله؟”

ومن أطرف الأسئلة وأغربها: «ما حكم خروج يدي المرأة في السوق خاصة؟ وهل يفضّل لبس قفّاز أسود لليدين أو أبيض؟

ويدل هذا الخطاب على أن حرارة الإيمان لا تظهر عند المسلم بهذا الوضوح والدقة والحماس، إلا فيما يتعلّق بالأحكام الخاصّة بالمرأة، مما يوحي باستحالة الاجتهاد في ما يسمى رسميا بقانون الأسرة، الذي ينفرد في المدونة القانونية العربية بأحكام التمييز الجنسي، والذي يلقّبه السّاخطون بقانون الأسرّة أو قانون العار، لما احتواه من أحكام مخجلة تسلب إنسانا اسمه امرأة حقوقا أساسية، إرضاء للرغبات والفنتزمات الجنسية لإنسان آخر اسمه رجل. يسأل أحدهم بوقاحة: “ما تفسيركم لقوله تعالى:

«فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ؟ فهل يحرّم على من بإمكانه نكاح أكثر من أربعة؟”

أليس من الغريب أن يواصل البعض في بداية القرن الحادي والعشرون، التنظير لمجتمع يفرق بين مواطنيه ويضطهد الناس على أساس الفوارق البيولوجية والدينية والمرتبة الاجتماعية والأصل القبلي، مما يظهرنا في شكل شعوب عنصرية؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق