خطوة فخطوة يتراجع الغرب عما أنجزه! / مسعود ضاهر

يبدو أمين معلوف في كتابه الجديد “اختلال العالم” الصادر بالفرنسية وبترجمة عربية في مطلع العام 2009 ،شديد الاهتمام بالسياسة التي تمارسها الدول الأوروبية تجاه باقي شعوب العالم. هي سياسة تتسم بكثير من العدائية تجاه المهاجرين الجدد إلى أوروبا، وتثير ردود فعل متشنجة من جانب أبناء المهاجرين وأحفادهم.

وتشكل تلك السياسة ظاهرة خطيرة جدا لأن عدم اندماج الجيل الجديد من المهاجرين في مجتمعاتهم الأوروبية، أفضى إلى إقامة نوع من الغيتوات العازلة التي بدأت تتكاثر في معظم الدول الأوروبية وتهدد الأمن والاستقرار فيها.

تضمن الكتاب موضوعات قليلة لكنها سجالية وثقافية بامتياز:الانتصارات الكاذبة، والشرعيات الضالة، والتيقنات الخيالية، وعهد سابق للتاريخ مفرط في الطول. وهي تلتقي عند نقطة مركزية تؤكد على غياب التخطيط للمستقبل .

بدأ الكتاب بعبارة ذات دلالة:” دخلنا القرن الجديد بلا بوصلة”.وجاءت النهاية لتعبر بوضوح قاطع عن رؤية معلوف للحلول المقترحة لهذا الضياع:”إن من واجبنا جميعا،نحن الذين نعيش بداية هذا القرن الغريبة ونحوز، أكثر من جميع الأجيال السابقة، الوسائل اللازمة لذلك، أن نساهم في مشروع الإنقاذ هذا، بحكمة، وصفاء ذهن، لكن بحمية، وبغضب بعض الأحيان أيضا. اجل، بالغضب المتوهج، غضب الأبرار”.

فما هي طبيعة المشكلات التي تحدث عنها معلوف؟ وهل أن حل أزمات القرن الحادي والعشرين يتطلب الراعي الصالح الذي يجمع الأبرار المشبعين بالحكمة وصفاء الذهن والغضب؟ ومن هم قادة الغرب الأبرار الذين سيغيرون وجه عالمهم الذي يزداد عنصرية، ويملأون دنيا الغرب عدالة وتسامحا بعد أن ملئت عنصرية وحقدا ومجازر ضد الإنسانية؟

ليس من شك في أن أمين معلوف محق في توصيف الأزمة العالمية في المرحلة الراهنة. فالعالم يعاني جميع أشكال الإختلالات الفكرية والمالية والمناخية والسياسية والأخلاقية التي تشير إلى تقهقر الغرب بسبب غياب السياسات العقلانية التي اتسم بها تاريخ الإنسانية منذ بداية “عصر الأنوار” في أوروبا. وهذه الفكرة ليست بجديدة لأن هناك الكثير من مفكري الغرب الذين تحدثوا عن انهيار نظام القيم فيه، وان حضارته المادية ستكون مصدر دماره من الداخل كما حذر شبينغلر .

نشرت مدارس الغرب في جميع أنحاء العالم أفكارالحرية، والمساواة، والعدالة، والإخاء، والديموقراطية، وحقوق الإنسان. لكن الغرب نفسه يشهد اليوم تراجعاً مريعاً في تطبيق تلك النظم التي نادى بها خلال قرون عدة، وتنتاب مجتمعاته روح من التعصب، والعنف، ونبذ الآخر، واليأس من القدرة على التغيير .

بالمقابل، كان طعم الحداثة الغربية مرا للغاية في المجتمعات الأخرى بعد أن استخدمت ذريعة لتدمير روح المقاومة لدى الشعوب الأخرى . فقد تبنى الغرب، بجناحيه الأوروبي أولا ثم الأميركي، مقولات بالغة السوء أبرزها: “رسالة فرنسا لتمدين العالم”، و”عبء الرجل الإنكليزي الأبيض في تمدين الشعوب الأخرى”، و”نشر الديموقراطية الأميركية بالقوة بصفتها زعيمة العالم الحرّ ونهاية التاريخ”، والترويج لصدام أو “صراع الحضارات”، وغيرها. وكانت النتيجة تدمير مجتمعات بكاملها، وقتل وتهجير الملايين من أبنائها كما جرى في فلسطين، ولبنان، والعراق، ودول البلقان، وأفغانستان، وكثير غيرها.

وهذا ما دفع ملايين إضافية من دول الأطراف إلى المركز الأوروبي الذي جرى تحديثه بعناية فائقة منذ عقود طويلة. وكان هؤلاء يتوخون الأمن والاستقرار في البلدان الجديدة التي هاجروا إليها، طوعا أحيانا وقسرا في غالب الأحيان.

كان أمين معلوف واحدا من هؤلاء المهاجرين إلى أوروبا وشاهدا حيا على التحولات السلبية التي تجري في داخلها في المرحلة الراهنة. وقد نشر فيها كتابات أعطته مكانة متميزة بين بني قومه العرب، وفي فرنسا التي استقر فيها ونال الكثير من جوائزها التقديرية.

غالبا ما يقدم المعلوف شهادته على تلك التحولات بصفته وريث ثقافتين عالميتين: الأولى موروثة من عالمه العربي ـ الإسلامي، والثانية مكتسبة من خلال ثقافته الغربية ومعايشته اليومية للغرب خلال عقود. وهو حريص على التفاعل الثقافي بين الجانبين، والحفاظ على نظام القيم لدى الشعوب العربية والإسلامية والأوروبية.

وهو يبدي قلقاً مصيرياً على أوضاع المهاجرين الجدد في أوروبا. لذا جاء كتابه هذا خارج سياق الرواية الإبداعية التي أشتهر بها. فهو كتاب سياسي بنكهة ثقافية واضحة، كرسه لكي يقنع “رفاق سفره” “بأن المركب الذي هم على متنه بات هائما على وجهه، بلا طريق، ولا مقصد، ولا رؤية، ولا بوصلة، وفي بحر هائج .وأنه لا بد من صحوة، ومن حالة طوارىء تفاديا للغرق. “فالزمن ليس حليفنا، وإنما هو القاضي الذي يحاكمنا. ونحن منذ الآن محكومون مع وقف التنفيذ”.

وينبه على أن الإنسانية تواجه اليوم أخطارا جديدة، لا مثيل لها في التاريخ، وتتطلب حلولاً مبتكرة. وإذا لم تتوافر تلك الحلول في مستقبل قريب، فلن يكون بالإمكان أن نحافظ عل شيء من كل ما صنع عظمة حضارتنا وجمالها. “إن اختلال العالم وصل إلى طور متقدم،والحؤول دون التقهقر سيكون أمرا عسيراً”. فما هو مصدر القلق لدى أمين معلوف؟

يبدو واضحاً من خلال الأمثلة التي قدمها أن المقصود باختلال العالم في المرحلة الراهنة هو العالم الغربي تحديداً لأن العوالم الأخرى مختلة منذ زمن بعيد. وبالتالي، فمصدر الخوف لديه هو قلقه المشروع على انهيار “حضارتنا الجميلة”، والمقصود بها الحضارة الغربية تحديدا .فالثقافات أو الحضارات الأخرى صنفت على الدوام في مرتبة أدنى من ثقافة الغرب وحضارته، أو ملحقة بها. والغرب مركز العالم، وثقافة العولمة هي ثقافة الغرب تحديدا في زمن “القرية الكونية”. وعندما وصل الانهيار الأخلاقي إلى المجتمعات الغربية، وتحول التسامح إلى حقد وعنصرية، بات العالم كله على حافة الانهيار.

“إن جميع شعوب الأرض في مهب العاصفة .وسواء كنا أغنياء أم فقراء، مستكبرين أم خاضعين، محتلين أو تحت الاحتلال، فنحن جميعا على متن زورق هزيل، سائرين إلى الغرق معا. لكننا، مع ذلك، لا نكف عن تبادل الشتائم والمشاحنة، غير آبهين لتعاظم أمواج البحر. ولعلنا حتى قادرون على الترحيب بالموجة القاتلة إذا ما ابتلعت أعداءنا أولاً إبان صعودها نحونا”.

من خلال هذه الرؤية الإنسانية الشمولية، يقدم أمين معلوف نماذج بالغة الدلالة حول التغيير السلبي الذي تعيشه المجتمعات الغربية في علاقتها بالجماعات المحلية فيها من جهة، وبالجماعات الأخرى في خارجها من جهة أخرى.

والغرب لدى أمين معلوف كائن ثقافي ـ حضاري غير محدد بمكان جغرافي ولا بزمان تاريخي. وهو يستمد قوته من مقولات عصر الأنوار في فرنسا، ثم لحقتها باقي الدول أوروبا الغربية وصولا إلى الولايات المتحد الأميركية. لكن أوروبا الغربية أضاعت، حسب تلك الرؤية، نقاوتها بعد أن انتصرت على أوروبا الشرقية وهرولت دولها للالتحاق بما توهموه “جنة الله على الأرض”. فضاعت معالم حدودها، وضاعت هويتها القديمة، وباتت غير واثقة من مسارها المستقبلي. فهل هي دولة فدرالية، أو كونفدرالية؟ وهل تحافظ على هوياتها السابقة أم تتعداها إلى الهوية الأوروبية الموحدة؟ وما هي معالم تلك الهوية؟ وهل أن أوروبا الموحدة قادرة على حمل أعباء الهويات القديمة، وملاين الفقراء الذين انضموا إليها أو وفدوا من بلدان الجوار العربي والإسلامي؟ وهل تستطيع أوروبا عصر التنوير الحفاظ على ديموقراطيتها، وعلمانيتها، وتعدد مدارسها الثقافية في وقت تتكاثر فيه الهويات الدينية، والمذهبية، والعرقية، والعنصرية، واللغوية في أحشائها؟

لقد بات البحث عن التماسك الاجتماعي والوطني والثقافي هاجس أوروبا الموحدة. فالوحدة الداخلية هي الركيزة الصلبة التي يبنى عليها مستقبل الشعوب الأوروبية في إطار إتحاد مركزي. لكن التضامن الداخلي اليوم يتأكل من الداخل، ويقف حاجزا أمام قيام دولة أوروبية كبرى موحدة سياسيا وعسكريا واقتصاديا.

وإذا ما غرقت أوروبا في لجة الصدامات العرقية والدينية المتوقعة فإن العالم كله سيصاب بالطوفان. وموجة التعصب التي ابتلعت دولاً أخرى كان يصنفها الغرب في خانة الدول المارقة تستعد اليوم لتوليد موجة جديدة تبتلع الغرب نفسه. ويتحمل قادة الغرب، بشقيه الأوروبي والأميركي، المسؤولية المباشرة، عن ذلك الاختلال. فوقفت قلة منهم موقف المتفرج من صعود التيارات العنصرية والدينية، لكن غالبيتهم اندفعوا بحماس كبير لمساعدتها، وقدموا لها كل أشكال الدعم القاتل. وهم، في الغالب، لم يكونوا من أصحاب البصيرة النيرة التي تدرك أن الوباء القاتل ينتقل إليها بسرعة قياسية لأنه لا يميز بين دول غنية وأخرى فقيرة، وبين دول عسكرية قوية وأخرى مكشوفة أمام التدخلات الخارجية. فما يميز التاريخ العالمي في المرحلة الراهنة هو زوال الحدود بين الدول، والقوميات، والشعوب، والثقافات.

لقد بات الغرب مقيماً في جميع دول العالم عبر لغاته، وثقافاته، وسلعه، ونظمه السياسية والتربوية والإدارية والمالية وغيرها. كما أن لغالبية دول العالم حضوراً فاعلاً، عبر جاليات متفاوتة الحجم ويتزايد عددها في جميع دول الغرب. ويتسارع التقدم العلمي برغم كثرة الأزمات والنزاعات والحروب. وتستفيد منه، بدرجات متفاوتة، الشعوب الغنية والفقيرة، المستقرة والمضطربة. فالإنسانية اليوم في مرحلة الاندماج الكروي المقرون بالاختلال الكبير على مختلف الصعد. وليس أمامها سوى الإسراع في بناء ركائز التحول الإيجابي أو الانهيار الحتمي. وهي لم تكن يوما بحاجة إلى التضامن التام لمواجهة الأخطار المصيرية أكثر مما هي عليه الآن. ويلعب المهاجرون من حملة ثقافة البلدان التي وفدوا منها والبلدان التي استقروا فيها ،الدور الأساسي في بناء تحول واقعي، عقلاني.

ختاماً، يستعيد أمين معلوف مقولة ماركس الشهيرة: “إن التاريخ الذي ينتهي أمام عيوننا كان مفرطاً في الطول، لكنه ما قبل التاريخ الإنساني”. وهو كتاب متميز في نقده الموضوعي لسجل الغرب الذي تراجع قادته عن نظم القيم التي نادى بها مفكروهم منذ قرون عدة. فأطلقوا العنان لجشع رأسماليين متفلتين من جميع قيود المراقبة الإدارية والضوابط الخلقية. فقادوا العالم إلى الاختلال، والانهيارات الكبيرة التي بدأت في أيلول 2008 وما زالت مستمرة. فهل تنجح مقولاته الإنسانية الطابع وتوجهاته الطوباوية في إصلاح “اختلال العالم”؟

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق