خلفيات الانتفاضات العربية ودروسها الكبرى / كرم الحلو

منذ أن أضرم محمد بو عزيزي النار في جسده في كانون الأول – ديسمبر 2010 كان واضحاً أننا أمام ديناميات جديدة في المنطقة العربية، وإن حادثة البو عزيزي لم تكن إلا بمثابة الزناد، الذي أطلق مارد الشعب من عقاله، ليبدأ عصر مختلف، يعيد الاعتبار إلى الناس مع زخم الطموح إلى صياغة عقد اجتماعي جديد. وشجع رحيل الرئيس التونسي بن علي سلسلة من الإحتجاجات والإنتفاضات والثورات والتظاهرات الحاشدة، التي كان من شأنها الاطاحة بحسني مبارك في مصر، وعلي عبدالله صالح في اليمن، ومقتل معمر القذافي واسقاط حكمه التسلطي في ليبيا. وفي موازاة ذلك انطلقت محاولات الاصلاح الدستوري في المغرب والاردن، والاصلاح الاقتصادي في السعودية، تجنباً للمآلات نفسها، وقُمعت تظاهرات الجزائر والبحرين، بينما لا تزال سوريا تعيش صراعاً دموياً يودي بحياة آلاف الأشخاص.

جراء هذه التحولات الدرامية، أُجريت انتخابات في مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، ففازت الأحزاب الإسلامية بالأكثرية البرلمانية في تونس ومصر والمغرب، بينما فازت أحزاب غير إسلامية في ليبيا والجزائر. وإذا كان من البيّن في كل الحالات، ان ثورات الربيع العربي قد أحدثت تحولاً في المشهد السلطوي في العالم العربي، واننا امام انظمة جديدة منتخبة ديموقراطياً بغض النظر عن القوى المهيمنة، الا ان ثمة حاجة إلى توضيح ما حدث في المنطقة. هل هو ثورة أو تمرد أو انتفاضة؟ هل أعيد تشكيل علاقات السلطة في المجتمع والاقتصاد والسياسة ام ان ما حدث بقي على هامش هذه العلاقات، من دون ان يذهب إلى جذورها؟ لماذا الثورات في هذا الظرف التاريخي بالذات؟ ما هي قواها الفاعلة؟ وما دور تكنولوجيا الاتصال في قيامها؟ هل هي بلا قيادة وما هو مستقبلها والنتائج المترتبة عليها؟

تصدى لهذه الاسئلة وسواها مجموعة من الباحثين في كتاب “الربيع العربي، الانتفاضة والاصلاح والثورة” (منتدى المعارف 2013)، فرأى يوسف الصواني وريكاردو لاريمونت ان ما حدث عربياً هو ثورات سياسية وليس ثورات اجتماعية، ذلك ان علاقات القوة داخل الدول العربية ومجتمعاتها لم يطلها تغيير حاسم، أو لم تتغير أساساً. ومن هنا، يمكن اعتبار الانتفاضات العربية حركات مقاومة اجتماعية تبقى اقل مضموناً من الثورات الاجتماعية. فانتفاضات الربيع العربي تميزت بالسرعة والعفوية وبعدم وجود قيادة محددة وبالافتقار إلى الايديولوجيا، الامر الذي قد يؤدي إلى اوضاع ثورية من دون أن يؤدي بالضرورة إلى ثورات. وبالفعل ادى الافتقار إلى الاهداف الأيديولوجية في الحركات الاحتجاجية العربية عام 2011 إلى ارباك هذه الحركات وتبديدها. واذا لم تتطور أيديولوجيا أكثر وضوحاً أو مجموعة من الاهداف السياسية المحددة، من المرجح ان تواصل حركات المقاومة فقدانها القوة لصالح قوى الثورة المضادة التي سيكون لها فرص افضل للتنظيم والتعبئة. والنتيجة المؤسفة حقاً ستكون خليطاً من الجماعات والطبقات والصراعات والانشقاقات، التي قد تعمل ضد بعضها البعض، وليس ضد النظام القديم. فبالمقارنة بين ثورة 1848 الأوروبية وبين انتفاضات عام 2011 العربية، تبين أن الأولى طرحت مطالب سياسية أكثر وضوحاً مثل الملكية الدستورية، وتوسيع حق الاقتراع والتعليم العمومي وغيرها، بينما تركزت انتفاضات 2011 على تغييرالنظام، من دون التوحد على أهداف سياسية لما بعد سقوط النظام.
يقدم لاريمونت تحليلاً ديموغرافياً لكل بلد من بلدان الانتفاضات ثم يربطه ببيانات الاقتصاد الكلي وبطالة الشباب والاستخدام الواسع للهواتف الخلوية وشبكات التواصل الاجتماعي، ليخلص إلى ان توزيعات السكان في هذه البلدان تميل، مع مطلع القرن الحالي، للتمركز حول الفئة العمرية دون 30 سنة، في حين ان النمو الاقتصادي المطرد، في خلال العقد الاول من هذا القرن، لم يحقق تقاسماً منصفاً للثروة، يطال الشباب الساخطين والمحرومين والبورجوازية الصغيرة، الأمر الذي رفع حالة التعبئة السياسية وجعل المجتمعات العربية بيئة خصبة للثورات.

ويتناول عميرة علية الصغير، الذي شارك في الثورة التونسية، التمايزات في توزيع الثروة بين الداخل والمناطق الساحلية، وحالات الارهاق التي سببها نظام بن علي التسلطي، والآفاق المظلمة لتشغيل الشباب، مركّزاً على دور المحامين والقضاة ونشطاء النقابات العمالية في تنظيم المراحل اللاحقة للثورة.

ويقدم عماد الدين شاهين تحليلاً للثورة المصرية ذاهباً إلى أن ثورة 25 كانون الثاني (يناير) نتجت عن عملية تراكم عبر سنوات عديدة من القمع السياسي، وغياب العدالة الاجتماعية اضافة إلى الجهد النضالي المتواصل للنشطاء الذين وظفوا وسائل التعبئة التقليدية والحديثة، في آن واحد، مع استخدام الوسائل اللا عنفية. أما عزالدين العياشي فيشرح الأسباب التي حالت دون امتداد الانتفاضة إلى الجزائر، مع انها بدت جاهزة لاستقبالها. من هذه الاسباب معاناة الجزائر من الحرب الاهلية وعدم الاستقرار، وتمتع البلاد بموارد كبيرة من النفط والغاز، وسعي النظام الجزائري إلى دمج العناصر الإسلامية، التي لا تتبنى العنف، في العملية السياسية.

في خاتمة تحليلية للكتاب سعى المؤلفون إلى استخلاص الدروس، التي تساهم في فهم أعمق لظاهرة الانتفاضات العربية، والتحديات التي تنتظرها، والمستقبل الذي يمكن أن تتجه إليه الأوضاع على المدى القصير. فنبّهوا إلى خطورة المنحى الإقصائي الذي اتبعته القوى والأحزاب الإسلامية في مصر وتونس وليبيا، ولجوئها إلى فكرة العزل السياسي، وتوسيع نطاقه، ما يضع أسئلة خطيرة تطال ليس فقط نيات التيارات الإسلامية، بل مصير الانتقال الديموقراطي برمته. كما حذّروا من انقسام المعارضة والصراع بين فصائلها، ومن سعي قادة الميليشيات في ليبيا إلى السيطرة على مصادر الثروة المالية ومقدرات الدولة.

ختاماً، يمكن القول ان الكتاب قد أضاء إضاءة فعلية على خلفيات الانتفاضات العربية، وأسهم في تعرية كثير من الثغرات التي تهددها، الا انه في المقابل يعاني من قصور الضبط المنهجي فضلاً عن التكرار ومحدودية النتائج والخلاصات التي توصل اليها، والتي لا تشكل، في رأينا، إضافة كبيرة إلى الدراسات والابحاث المتداولة في الحراك الثوري الراهن.

عن ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق