خلف الفضيلة لا أمامها… تكمن الفروسية الجديدة


دعونا نحتمي بالفضيلة لا أن نختبئ خلفها.
هذا هو تصريح أحد السياسيين العراقيين في تعليقه على خبر قيام امرأة منقبة انتحارية بتفجير نفسها في موقع تجمع عمال البناء الذين يتصيدون أرزاقهم في الصباح الباكر. ذلك الرزق الصعب الذي لا يأتي إلا بالركض وراء الزبائن الذين ينتقون عامل أو اثنين من هذه الجموع الكثيرة وأخيرا ينصرف الفائضون الذين لم يجدوا ما يحملون عليه إلى الديار خوالي الوفاض.


قتلت هذه الانتحارية ثلاثة عشر رجلا منهم ولم تتركهم لتقتلهم الحياة كل يوم حينما يقفلوا راجعين إلى البيوت ينتظرهم عتاب الزوجة وتذمّرها وشكواها الدائم من الحياة.
في الوقت الذي يحرص العالم على الوضوح والشفافية وجعل كلّ شيء في الحياة أمام الرؤية وبوضوح، يتّخذ إخواننا المزيد من الجدران والمتاريس ليقفوا وراءها(وهي جدران طبيعية أوجدتها فطرة الناس وسعيهم نحو التحضر والانضباط) لكي لا يراهم إلا الله، وفي مفهومهم فإنّ الله حقيقة يمكن أن يتعاملوا معها لاحقا، ثم إنها حقيقة غير مرئية يمكن أن يتولّوا الإنابة عنه في التشريع والتبرير وإضفاء القدسية وقلب المفاهيم.
كان آخر ما تفتقت عنه ذهنية الإرهاب هو الاختباء خلف الفضيلة والمروءة والشرف والعفّة، والاختباء خلف معاناة الناس وخلف الأحلام وخلف براءة الطفولة وخلف الفقر وحاجات الناس، واختبئوا خلف كل شيء تمنع المروءة أن نشكك فيه أو أن نفتشه أو أن نضع قيودا عليه.


أخيرا وجدوا ما يختبئون خلفه. وأخيرا وجدوا حصونهم المنيعة والتي طالما تغنوا بان غيرهم يتحصن وهم لا يتحصنون وان غيرهم(لا يقاتلونكم إلا في بروج مشيدة أو من وراء جدر، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى).
ولا أدري هل كان هذا الاكتشاف الجديد نتيجة إفلاس أو إلقاء أخر الأوراق في المحرقة أم انه تكتيك جديد أوحى به كبار المتحصنون الذين يتحصنون بالصغار منهم. أم إنها رجولة وفروسية جديدة لم يعلن عنها على السنة الفقهاء.
امرأة انتحارية تفجر نفسها في سوق شعبي (ثم يبعثون على نياتهم).
وطفل متخلّف عقليا أفلت من يد أمه يفجّر عن بعد أن حشاه الإرهابيون بكيلو من المتفجرات.
ورجل معمّم يدخل مجلس عزاء ويفجّر نفسه ليقتل عشرات ممن خفّوا لاستقباله احتراما لعمامته، وامرأة حامل ساعدها الشرطيّ وجلب لها كرسيّا لتجلس فأبت إلا أن تكافئه بأن يكون أوّل من يذوق طعم الشهادة.
وقائد ديني يشتبك مع قوات الأمن خارج المسجد الأحمر بباكستان ثم يفرّ بعد أن حمي الوطيس بزيّ امرأة منقّبة تاركا وراءه أصحابه الذين ورّطهم يصلون إلى الجنّة وحدهم.
وزعيم دولة مسلمة أعلنها إمارة، وقد بحّ صوته من كثرة ما ردّد اللاءات لأمريكا، وإذا به يهرب أخيرا من النيران الأمريكية ( والتي انطلقت من إمارته لا من واشنطن ). هرب بدرّاجة بخارية تاركا وراءه كلّ حملة شعارات الدولة وكل المخدرين بطروحاتها، تركهم وحدهم في الميدان، بعد أن ورّطهم، ثم أعلن من مخبئه وعبر شريط مصوّر انّه قد انتصر كونه قد صمد(لم يمت) أيّ فروسية وأيّ خلق هذا. وهل نفذت أسلحة (الفرسان) وطرائقهم القتالية ليلجئوا إلى أسلحة ما لجأت إليها الأمم والشعوب في أوج عهود الانحطاط والبطش.


وهل إنّ راعي البقر ( القذر) كما يسمّونه في أفلام الكاوبوي والذي لا يحمل في ذهنه أيّ فكرة للحدود الحمراء، كان يعلّمنا على الرغم من قذارته المفترضة إلا يواجه شخصا في مبارزة (بالمسدّسات)إلا وجها لوجه، وان راعي البقر (القذر) هذا كان حريصا على أن لا يطعن أحدا من الخلف خشية أن يسام بذلك ويفتضح أمره.
وهل إنّ الأدبيات العربية القديمة(مكرّ مفرّ مقبل غير مدبر)كانت حقّا تراثا يقتدى به.
إنّ نغمة الشعارات المطروحة على الساحة والتي طرحت بغزارة مؤيّدة بالدلائل والأسانيد وأغرت الكثير من المخدوعين، قد أخذ بريقها يتضاءل بعد أن اكتشف المجتمع أن الحصون التي كان يتحصّن بها المقاتل (في سبيل الله) قد انهارت جميعا وانّ (المقاتل في سبيل الله) قد لجأ إلى أيسر الحصون وأكثرها عصمة في الوجدان الإنساني ليلوذ بها، ثم لا تكون هناك مشكلة في اختيار التخريج الشرعي المناسب طالما كان هناك من يعتبر الشريعة سوبر ماركت فيها كلّ البضائع والسلع.


لقد أوجدوا حصون أخرى يلوذون بها، وهي الفضيلة والخلق والمروءة والحرية. وتحصنوا بحلم الأطفال وبراءة الشباب ورغباتهم وأمنياتهم البريئة، كما تحصنوا بالفقر والحاجة والاضطرار كثيرة هي الحصون التي يلجأ إليها الضعفاء على مر التاريخ كالتي ذكرناها وسنأتي على الإيضاح بشيء من التنوير. ولكن هذه الحصون مما يجب أن يبين للناس البسطاء لأنهم موضع النبيه والإرشاد، أما الأساس الفكري الذي يستند إليه هؤلاء ويتخذونه حصنا ابعد من ذلك بكثير وهو ما يجب أن تلتفت إليه الصفوة من أبناء الشعب ويجب أن يكون تحت أعين العلماء والقيادات الاجتماعية.


وهو ما شكل بالتالي حيرة كبيره ووهم كبير حتى لدى النخبة.
تاريخيا كانت هناك حصون وقلاع كثيرة اختبأ خلفها الدجالون والمشعوذون تخدم مصالحهم وتؤمن لهم السطوة والحكم. فمنذ فجر الدعوات اتخذ الإله أداة للمزايدة والبيع الشراء، كما اتخذ حصنا يتحصن به من عدم الوسيلة إلى قلوب الناس ووجدانها. وهكذا كانت الفرق والمذاهب والأديان المتفرقة مع أن الله واحد في الجميع.. وما كان أسهل الاحتماء بالله الحاضر الغائب. وما أسهل اتخاذه كدرع لما يعلن ويلقى.. حتى بدا لنا أن كل الصراعات في العالم هي صراع في الله وكل المحبة هي محبة في الله أيضا. وأننا جميعا أبناء الله لكننا نتصارع على الميراث.
لم تكن مشكلة كل المؤمنين في العالم ولن تكون في الله. وإنما كانت المشكلة في من يتكلم نيابة عن الله.
فقد جعل أسامة بن لادن الله مجرما، حينما يقول في معرض أحاديثه الكثيرة( قتلنا منهم بفضل الله ومنه، وفجرنا هم بفضل الله ومنه وذبحنا بفضل الله ومنه)جاعلا الله مشاركا في الجرم آمرا به..


وحينما يطل علينا من يقول(إن آلاف القتلى قد سقطوا على طريق تحقيق النصر الإلهي)، كأن الله اله دمويّ لا يرتوي إلا بالدم، وكأنه من الغفلة(حاشاه) حيث لا يستطيع أن ينتصر إلا بخسائر مادية كبيرة، وببراعة شديدة يخدمها جهل الشعوب يتكلمون باسم الله ويتخذونه موكلا لا وكيلا. وإذا تمت هذه الصفقة فلا جناح على احد بان يملك الدم ويتصرف فيه ثم ليس لعالم أن يعقب على ذلك أو ينتقده او يقول رأيا فيه.
بعد حرب غزة طلع علينا احد هؤلاء من إحدى الفضائيات المسخرة لسدنة الدين وقال يتحدث نيابة عن الله والفلسطينيين(نحن نمتلك الفائض البشري في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية).


ويكون الإله عندهم في قائمة الغرماء المفقودين والذين يشكلون ابعد جهة ممكن أن تحاسب أو تستقصي، .يعني الدكتاتور الحاكم مرهب ومرعب ومخوف أكثر من الإله ومن هنا كانت المأساة في اللعب بالدين والعقول. لذلك فأن الله مأمون الجانب ورحيم ثم لا يسأل غالبا عن حقه. أما في النظم الشمولية والتي يحصي فيها رجال السلطة على الناس أنفاسهم. لا يستطيع إن يجد هؤلاء ما يحتمون به. حيث الحرية غائبة وهي ملك للسلطة أيضا، فلا مجال للاحتماء بالحرية لأنها ستقتل مع من يحتمي بها ولا مجال للاختباء حتى وراء النقاب حيث هو من السلطة أيضا ولا يتعلق بالحرية ولا يتعلق بالتدين كذلك.


وكان الاحتماء وراء الدين وطقوسه ومقدساته مظهر أخر من مظاهر الاختباء خلف المتاريس القوية المنيعة مورس منذ القدم. وكلما قامت الدعوات التي تفضح تلك الممارسات من المصلحين والمفكرين عاد الجهل وتفعيله واستغلاله ليقضم هؤلاء المصلحين تحت لائحة الزندقة والمروق. وليعود التمترس خلف الدين مرة أخرى. وهناك حصون وهمية بناها الفقهاء في ذاكرة الناس وقناعاتهم واستظلّ تحتها الحكام أمدا بعيدا وصارت مما عرف من الدين بالضرورة التي عزفت عليها كل ألحان التشدد. مثل الحاكم ظل الله في الأرض ونظرية الحق الإلهي والبيعة.
إن الاختباء وراء الدين كذبة كبرى مارسها الكثيرون وفجع بها الشعب المنكوب الذي ضرب في معتقده واتي عليه من المواضع الأمينة. وان الدين بهذا الوضع وهذا الاستلاب والاغتيال سيأخذ من الحاضر والمستقبل وسيأخذ الأرواح والأموال التي لم يستطع العدو أخذها بالقوة.
إن الحركات الإسلامية التي تفوز بالأغلبية في الانتخابات إنما تفوز باسم الإله وباسم الدين، وان الجموع المنتخبة(بكسر الخاء) إنما تنتخب الله والدين. ولو جرد هؤلاء الأوصياء من هذه الصفة وهذا الشرف المدعى لم يبق لديهم ما يفخرون به حتى الإنسانية فإنها منسلخة عنهم بشكل أو بأخر. وهذا ما كانت العلمانية قد نبهت عليه وأدرجته في أدبياتها الأولى منذ قيام الثورة الفرنسية.


فشعار الإسلام هو الحل الذي رفعه ويرفعه الإخوان المسلمون في الانتخابات إنما هو طرح الإسلام كدين وكمرشح في آن واحد. وفي وقت يعتز الشعب المسلم بإسلامه يساعده على ذلك عدم وجود بدائل أو تيارات أخرى فاعلة وتضرب على نفس الوتر الذي يضرب عليه الرساليون، يضاف إلى ذلك ثقافة الشعب وقدرته على التمييز الذي ضيعها الفقر والتخلف والجهل كصناعة وليس طبعا.


عدا ذلك فالإخوان المسلمون ليس لديهم برنامج سياسي ولا اجتماعي ولا اقتصادي ناجح أو محدد كما ليس لديهم ما يعرضونه ويقدمونه ويستروا به عورة الفقر والتخلف في المجتمعات التي ينشطون فيها.
وحماس الأخرى ليس لديها ما يخافه العالم ويجبره على التفاوض معها لا حول ولا قوة ولا قرار سياسي ولا ألمعية، لكن لديها الدم الفلسطيني المرتهن باسم الدين، فهي تفاوض وتفرض أحيانا شروط التفاوض بالدم الفلسطيني الذي تحتمي به، وهو يخيف حقا حينما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان لدى مجتمعات ترتعب من فكرة إراقة الدماء.
لذا فإنّ حماس تتمسك بهذه الدماء ليس تمسكا أخلاقيا، إنما كالغريق الذي يتمسك بقشة وسط البحر. فهو رخيص جدّا بالمقاييس الأخلاقية لكنه غال في مجتمعات قطعت شوطا في الحرية والحقوق. وحينما نسمع كلام أحد قادتهم يقول لا لا لا ولو أبيدت كلّ غزة. بهذا نتصوّر حيرة العالم إزاء جماعات تحتمي بالبشر. وفي كل الشرائع كان السلاح لحماية النساء والأطفال إلا في شرائع الفروسية الجديدة، فإنّ الأطفال وأجسادهم العارية هي التي تحمي السلاح، كما قال سياسيّ غربيّ.


فالأجساد العارية تحمي السلاح، وتحمي الموقف السياسيّ، وتحمي التبجّح الكاذب الذي ينبغي أن يظل متوهجا كي لا تنطفئ الشعلة. وهنا تحضر قصص موجات الانتحاريين من الأطفال الذين يدفعون ثمن حلم طفوليّ ساذج جرى استثماره بلؤم وقذارة، وليس فيه أيّ نوع من البطولة ولا الإيمان، كما يدّعي من يدّعي، أو كما يظهر للملأ.( ولا أقصد هنا الأطفال الذين أرجو أن ينعموا بجوار كريم) فالطفل المراهق له طموح الأطفال في الشجاعة والفروسية ويريد أن يبز أقرانه بشيء يفتخر به، وهو تواق إلى تقليد الكبار والزهو والانتفاخ. وهو يحلم بالرجولة والدفاع عن القيم ويصبح كذلك موضع إعجاب، فينفذ المسمومون من هذه الرغبة فيقتلوه. يضاف إليها الفقر كعامل مساعد قد يسهّل المهمّة ويدفعها على عجل، وقد أثارت قضية الطفل ابن 16 عام الذي فجّر نفسه بالقدس بعد أن دفعته منظمة الجهاد الإسلامي. وتصريحات أمّه المتسرّبة إلى الصحافة استياء شديدا في العالم.
هنا تكمن أخطر المتاريس المقامة لحماية الفكر الضالّ. وهنا يجد الإرهابيون حصنهم المنيع الذي يقفون خلفه لإدامة زخم المعركة. على أنّ المتاريس والحصون كثيرة منها ما توالد تاريخيا ومنها ما هو من صميم الفكر الأصولي لم ينقطع ولم يغب عن البال والمعالجة.


هناك الآن تثقيف يجري على قدم وساق بهذه الأساليب دون اكتراث بشيء من القيم بل دون سؤال أن قامت في احدهم دواعي السؤال وهو ما سيعجل بالعالم المتحضر إلى الدعوة إلى الديمقراطية والحرية والشفافية وإزالة كل الحجب والبراقع التي يتستر عليها الإرهابيون بدعوى الحفاظ على الهوية والخصوصية وما إلى ذلك.
كما أن ما نلاحظه من الظواهر التي ترتبط بهذه الممارسات، له جذوره التاريخية أيضا ولم يولد من فراغ. وان نشأت تفسيرات مختلفة للدين حملت في بعضها الدين مسؤولية ما يحدث اليوم من سلوك على اعتبار أن النصوص الدينية المبهمة والمشجعة على الدخول الشكلي فقط في التجربة دون امتحان جدي للإيمان، ومن ذلك قولهم إن النطق بالشهادة كدليل يقيني على الدخول الفعلي والناجز في الإسلام. قد اوجد الكثير من المسلمين ظاهرا لا باطنا وان هذا ما دفع أن يحوي الدين بطانة منافقة أو حتى كافرة اتخذت من الدين ستارا ونفذت برامجها من خلال الدين وعبره، الأمر الذي أصبح سلوكا أغرى فيما بعد الكثيرين أن يتخذوا ذرائع مشابهه. ويعتبر بعض الباحثين أن نشأة التصوف والمدارس الصوفية كانت نوعا من أنواع الهروب من جمود النصوص ومحدوديتها إلى عالم أكثر حرية وانفتاحا مع إسدال مفهوم التقوى والحب الإلهي والحلول والتوحد كمفاهيم يختبئ خلفها عام أكثر نرجسية واحمرارا. وهؤلاء فتحوا الباب واسعا أمام كثير من الترخصات وسوغوا الهروب من الدين باسم الدين. وكانوا معاونا للحاكم والفاسق والماجن. كما تولوا مسألة إعطاء الرخص الشرعية لمن لا يجد الوقت للعبادة وإعطاء الألقاب والنياشين(باسم الدين أيضا). ففي الأدبيات الصوفية يفسرون الآية القرآنية( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) إن العبد إذا ما وصل مرحلة اليقين (الإيمان الكامل) تسقط عنه التكاليف من صلاة وصوم وعبادات أخرى، وشهادة اليقين هذه يمنحها أي قطب أو ولي للحاضرين وتوزع أحيانا في المناسبات. يعني هذا ضمنا سقوط التبعة القانونية عن هؤلاء. وهي الساقطة من قبل عن السيد العلوي والإمام. والساقطة تاريخيا بالعصمة الممنوحة لبعض الأفراد. والتي عنت في جميعها أن يكون جزء من البشر (أصحاب الامتيازات السياسية حصرا)خارج المحاسبة والسؤال وفوق النقد والإصلاح مما روج مبكرا لفكرة الدكتاتورية الغاشمة.


وان فريضة الصلاة نفسها بأفعالها المخصوصة والمجردة من أي أثر شكلت شكلا من أشكال الاختباء خلف الفضيلة،طالما ضللت شعوبا كثيرة وفوتت عليهم الفرصة في الاستقرار والوضوح. وان الامتداد الطبيعي لهذا كان في ممارسات أخرى نجد تأثيراتها السيئة اليوم. فمن ذلك اللحية والعمامة التي أصبحت كفيلة بإعطاء صفة العلم والتقوى على كل من ارتداهما دون النظر إلى ضوابط وقياسات علمية أخرى ومن ثم إطلاق اليد لكل ملتح ومعمم في أن يتحكم في الحياة. ومن ثم التعويل الشديد على الشرف والعفة بمظاهر أخرى خارجة عنه كالحجاب والنقاب.
لقد شكلت هذه الأمور في البداية متكآت للإيمان وأصبحت مع مرور الزمن عقائد راسخة لتصبح بعد المعالجة السياسية كواليس يختبئ خلفها كما قلنا المعرضون وربما تطور الأمر وأصبح أكثر شذوذا حينما يكون الجهل والتخلف متراسا يقف خلفه البعض للحفاظ على سلطة لا تدوم إلا بالجهل وعلى فكر سيتلاشى ان تعرض لشمس النقد والحوار ومناقشة الجدوى والإنتاجية. وأكثر شذوذا حينما نقف خلف الفقر لنستمطر غيثه وننعم بمزاياه التي اقلها أن يواظب الفقراء على المكوث في المساجد وان يتذكروا الصبر ومع الصبر يتذكروا سيد الصابرين أيوب ويتذكروا أن أيوب كان أيضا من أنبيائنا المخلصين، إن أسوأ ما يمكن أن يستثمر به الفقر لخدمة الأيدلوجية هو أن يكون صناعة لا حالة طبيعية اقتصادية، وقد انتقل الفقر إلى هذه المرحلة وأصبح طقسا من طقوس الأيدلوجية (كما يقول مفكر عراقي معاصر) وأكثر شذوذا حينما نختبئ خلف جسد المرأة لنبدأ من هناك مرحلة السيطرة على كل العوالم طالما كانت العوالم تدور في فلك المرأة أختا وبنتا وزوجة. وبالسيطرة على جسد المرأة تكون كل التوجيهات من الجامع أو من فروعه. فطالما أن كل ما يصدر عن المرأة من حركة وفعل، صادر عن الجسد دون اعتبار لشيء آخر فان الوصفة الدينية لذلك الفعل مقتصرة على المفتي وهو من يتحكم بأي إنسان يشتهي المرأة.وما محاولة أسلمة جسد المرأة إلا للسيطرة على الآخرين وأخيرا فان لم يتبقى لنا شيء نتكئ عليه ونختبئ خلفه، فلا اقل من الكلمة والمصطلح الذي أخذناها هي الأخرى مأخذا بعيدا بحيث باتت غريبة في مكانها، وأصبح المفهوم الشريف لا شريفا ولا يعني مدلوله. لهذا استهلكنا مصطلحاتنا على هذا النحو، فلم يعد الانتصار كما هو دحر العدو والقضاء عليه ولم تعد الكرامة والحرية والمروءة والخلق. وأصبحنا نسمع عبارات النصر أكثر مما نسمع أزيز الرصاص. ونسمع عبارات الكرامة أكثر مما نسمع أنين الأطفال المعذبين والمشردين الحفاة العراة.


قد يعزو البعض هذا التشدد في استخدام كل الأسلحة المتاحة إلى حالة الانكماش الكلي للفكر أمام سطوة النظام العالمي وسيطرته عبر النظم والآليات الجديدة، وان هذا التشدد هو مقاومة لاشعورية لحالة التلاشي والتهميش الذي تعاني منه الحركات الدينية وأمام وطأة الضربات الماحقة التي تتلقاها.لكن هناك شعوب في العالم تتعرض لنفس الموقف وترفض لحد الآن التفريط في قيمها، وارتضت ان تقف مع العالم على خط وسط وهي عمليا أقوى وأكثر عددا وعدة.


كما أن الوقوف خلف الحريم والفضيلة والخلق للحماية لا يختلف عن استخدام الحريم للكسب وان كان اخف ضررا، وان الحقيقة التي يجب إن ندركها هو أن العهر ليس مقصورا على بيع الجنس والتكسب به، فنحن نبيع الفضيلة كذلك وبثمن أعلى.
وللحقيقة فان العرب الذين تواطؤا على الخلق والنبل والشهامة لم يضطروا يوما إلى استخدامها هذا الاستخدام السيئ وكانوا يعتدون بها ويفخرون. والعربي وأد البنت كي لا يختبئ خلفها ولا يرتهن بها ولا تمتحن كرامته بضعفها.


وهو في صحرائه حيث الخيمة فقط ولا شيء يختبئ خلفه لذلك ظل واضحا يكره الاختباء.
الآن لإزالة كل هذه المتكئات والحجب والكواليس لا بد من أن نحتكم إلى القانون والدستور وبهما فإننا نحقن الدماء ونفصلها عن الأوصياء ونمنع أي شخص أن يتكلم نيابة عن الله أو يتولى عنه المصائر. ولأمانة البحث العلمي ولابد من القول بأن العالم قد عرف وشهد ألوانا من هذه الممارسات وأن الامر لم يكن حكرا علينا. ولكن التداعيات الخطيرة لمثل هذا التلون جعل العالم يستفيق ويدرك خطورة الاختباء خلف المثل والقيم والمقدسات، ومدى تعويقه لحركة المجتمعات وللحياة، فأزالوا كل هذه الحصون والقلاع ودعوا إلى كشف كامل لكل مناحي الحياة ووضعوا كل المفاهيم على طاولة البحث والنقد وادخلوا الجميع في قيد المسؤولية والحساب. وكان المفتاح لذلك في مبدأ فصل ما هو حياتي وما هو ديني وفصل الدين كنظام روحي عن الدولة التي هي نظام سياسي واجتماعي واقتصادي. لقد كانت الكنيسة تتولى بيع أراضي الجنة بتفويض من الله (صكوك الغفران) وتتولى القتل باسم الإله(محاكم التفتيش) و(مذابح الساحرات).فكان إزالة الكنيسة كمؤسسة حاكمة وكحصن يتحن وراءه المغرضون.
وأظن أن هذا جوهر ما قامت به العلمانية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق