خليل الرز في روايته (أين تقع صفد يا يوسف)

هنالك قحط وشحّ لجود السماء. هنالك عبث وانتظار لما سوف لن يأتي، وهنالك ما يدعو إلى التحليق في ما وراء الحدث، إلى اللغة واللون والأحلام.

ستنبت شجرة كينا في باحة الدار، في المكان الذي سقطت فيه المغسلة التي كان عبد الرحمن يحملها أثناء عزاء أخيه، عندما كان طالباً في كلية الزراعة. ومن بين شقوق البلاط كانت تكفي بذرة ضالّة وبعض التراب والرطوبة لكي تكون مشروع شجرة كينا تزاحم الفراغ وتجاور الغرف، لتكون عشّاً للطيور ومحطّة للغربان الشاردة، وظلاً يمتدّ إلى داخل الغرف نفسها. وعندما تمّ تسريح عبد الرحمن من الجيش كانت الشجرة غضّة، فقرّر قطعها بضربة من بوز حذائه، لكنه أجّل الأمر حتى أصبحت الشجرة كبيرة وقويّة وتحتاج إلى جهد وأدوات كي يقتلعها. ولمّا أصبحت الشجرة أمراً واقعاً قرّر عبد الرحمن إنشاء دفيئة فيها نباتات كثيرة في باحة البيت الكبيرة لكي تحيط بالشجرة المركزية. ولذلك يشتري شاحنة صغيرة لنقل المعدات والبيت البلاستيكي والنباتات اللازمة، مستغلاً كونه مهندساً زراعياً، دون أن يُغفل الجانب التجاري للمشروع الذي لن يكتمل كما تقول احداث الرواية.

عبد الرحمن يلتقي بإيناس، وبين الجدّ والهزل في حوار متواطئ عليه بين الذكر والأنثى، كما تقول أشياء تشبه ذلك في تفاصيل حياة مرسلة للتكرار في أيّ زمان ومكان، يذهبان في نزهة إلى قاسيون في شاحنته الصغيرة، وفي طريق العودة من النزهة يتعرضان لحادث، فيظلان يتدحرجان على سفح قاسيون حتى ينتهي بهما الأمر إلى الزواج. لكنّ إيناس تبقى عذراء حتى بعد سنوات من زواجهما، وبعد مرّات ومرّات ومرّات من ممارسة حياتهما كزوجين طبيعيين يحبّان بعضهما.

عبد الرحمن وإيناس متفاهمان، ولا يغاران على بعضهما، والزوج يتقبّل أن تتعرّض زوجته للغزل، وأن ينزل الغرباء من سماء شجرة الكينا التي اغتصبت باحة داره ليفتّشوا في صندوق أخيه المتوفّى. وعبد الرحمن لا يعرف أين تقع صفد، التي ذهبت إليها زوجته إيناس لتموت عند جدّها المتوفى في صفد. من هنا يأتي عنوان الرواية، الذي شكّل التباساً حتى بعد البحث وراء السطور عمّا أراده الرز من هذا الاختيار. لعلها المصادفات في الرواية التي جعلت من المكان شيئاً مختلطاً حتى اتّحدت حارات حلب ودمشق والرقة مرة واحدة، وبقصدية واضحة. لكنّ مصادفة كسر البلاط الذي نبتت فيه بذرة الكينا التي أراد عبد الرحمن إزالتها وهي لاتزال نبتة صغيرة، وهي المقولة الرئيسة للرواية، تقودنا إلى فكرة أن رعايتنا للإهمال في بيوتنا، نحن أنفسنا، جعلت من السؤال: أين تقع صفد يا يوسف سؤالاً منطقياً.

رواية (أين تقع صفد يايوسف) قائمة على هذه الفانتازيا المشعّة من المصادفات، فلكلّ صدفة شعاعها الذي يشتقّ من المصادفة الأولى الخطوة التالية لمتوالية الصدف التي تبدو طبيعية لشدة شبهها بما يجري في الواقع البسيط الذي يعيشه القارئ، وعلى الرغم ممّا تبديه شخصيات الرواية من دهشة تجاه ما تعيشه. ويوسف إبن خالة إيناس الذي عاش جزءاً من حياته في روسيا، واختبر كلّ أنواع الفساد التي يمكن أن يتمتّع بها إنسان، يعود ليطالب بإيناس التي يحبّها، ويعتبر أنّها الوحيدة التي يمكن أن تغسل أدران حياته؛ يوسف هذا يقتحم بيت عبد الرحمن بحجّة قرابته لإيناس، فيشرب الشاي، كما كان يفعل عدوّ محمود درويش، وتحت شجرة الكينا يأخذ الأركيلة ويطالب عبد الرحمن بتطليق إيناس كي يتزوّجها!

هنالك مكان لكثير من الأسئلة في الأسلوب الذي اختاره خليل الرز شكلاً ومضموناً لروايته التي لا تشبه ما يقدّمه أيّ روائيّ عربيّ، وهي في الوقت نفسه تشبه نتفاً من أساليب روائيين عالميين كثيرين، فتقترب من الأدب الروسي عند تشيخوف ودوستويفسكي في جانب الحسّ الإنساني الطاغي بشاعريته، ومن الأدب الأميركي اللاتيني في جانب الواقعية السحرية، ولأنها تحمل فيضاً من المضمون السياسي غير المباشر الذي يتسلل من بين ثقوب اللغة في أسلوب الكاتب، فإنه يبدو حانقاً دون صراخ، وكناقد يصب جام غضبه على الفساد الذي أصبح يغتصب الجمال من حياتنا وآمالنا قبل جيوبنا، وفي هذا نوع من التأكيد على وظيفة الأدب التي تجمع إلى الفنّ والمتعة الوظيفة الاجتماعية، كنوع من الالتزام بالبيئة والإنسان والحبّ والحرية والمستقبل. وقد لا نجد لعنوان الرواية سوى التفسير المباشر بالتذكير بصفد، بفلسطين، التي لم يشأ خليل الرز أن يُطلقها شعاراً في روايته. لكنْ هل يمكن أن تشكل شجرة الكينا التي اقتلعت جذورها بلاط أرض الدار، وامتدت أغصانها في الهواء، حتى بدأ الغرباء يهبطون إلى باحة البيت نزولاً من خلالها، ويغادون صعوداً على أغصانها، هل يمكن أن ترمز شجرة الكينا إلى الكيان “الإسرائيلي” الذي نبت بشكل شيطاني في وسط الساحة العربية، وأصبح حصان طروادة لكل صاحب مصلحة شريرة في العالم العربي، من العرب قبل غيرهم. لا نستطيع الوصول إلى فك مغاليق الرواية دون محاولة استبدال الرموز التي بثها الرز في روايته ببنية منطقية من الأسماء والأماكن والأفكار، ودون ذلك لا يمكن أن نفي خليل الرز جهده وفنه وفكره، خاصة أن الكاتب وضع في قبعة الساحر ما يكفي من المناديل والأرانب، فبدأ منذ الصفحة الأولى في إطلاق أحاجي من الرموز، ولكلّ أحجية وضع ما يدلّ على التفسير المحتمل، وفي الأسلوب نشر ظلالاً للتناص الأسلوبي مع الأدب الروسي الذي يعرفه الكاتب كخبير، وفي الموقف من الحياة والمجتمع ترك ملامح مبثوثة في ثنايا الرواية تشكل، أو لا تشكل، مشهداً مكتملاً، فاكتفى بالتأشير والإيماء دون تقديم مشهد محدد الملامح مما قد يصادفه أي منا عياناً.

لعلّ المديح يأتي متأخراً إلى خليل الرز مهما كان مبكراً، ويستطيع المتابع لتجربته في القصة والمسرح بداية، وصولاً إلى الرواية، إعادة مكونات فكر وأسلوب الرز، في كل كتاباته، إلى الفنون التشكيلية والموسيقا، فاللغات الإنسانية، ولا شك، جاءت متخلفة عن الصوت واللون في الظهور في حياة أجدادنا الأوائل، وبالتالي فإن شكل الحرف هو نوع من التموضع في الفراغ، هو غرافيك في إطار الصفحة، أو الكتاب، أو الفضاء المتخيل للوحة تسبح حروفها بين الأرض والسماء؛ وصوت الحرف هو الموسيقا الأولى للحنجرة البشرية التي أخذت تتطور ولاتزال، وأما الانسجام اللوني فيأخذه الرز من أسلوب تعبيري يترك للون أن يطلق إيحاءاته، بامتزاج ورسم حدود الأشكال، أو بالتضاد اللوني، أو بالتجاور، فلا ملامح محددة لشخصيات الرواية، ولا ملامح محددة للمكان أو الزمان، وأدعي أنني مصيب في هذه الفكرة ولا أتكهن، ومن هنا نرى أن الكاتب يلجأ عامداً إلى تقديم قائمة اقتراحات إلى القارئ في محاولة لاستدراجه إلى الجمع بين الفكرة والمتعة، وهو الأمر الذي يستحق المحاولة من القارئ والكاتب.

تنتهي الرواية بمطر وسيل ماء يجرف علق المدينة، نازلاً وعابراً للأمكنة التي تتجاوز حدودها الأسوار، في تقابل بين الشحّ الذي ما زالت تنطلق به الحكايات، وبين النهاية التي تفيض بالماء. الطبيعة تتدبر أمرها وتحتفظ بأسرارها التي تشكل نوعاً من الغموض بالنسبة للإنسان، فالعادي في الطبيعة فانتازي عند الإنسان، وماهو عادي في حياة الإنسان ستلقى الطبيعة نفسها في حرج إن لم تنظر ببؤس إلى هذا المخلوق الذي يدّعي العظمة والذكاء، لتبقى إيناس عذراء، وشجرة الكينا بلا نسب، وصفد في مكان ما لا يعرفه عبد الرحمن، أو يوسف.

{{الرواية صدرت عن الهيئة العامة السورية للكتاب ـ دمشق 2008.}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق