خليل صويلح في آخر رواياته «زهور وساره وناريمان» / دلدار فلمز

يخترق “خليل صويلح” في روايته “زهور وسارة وناريمان” حدود جغرافية الرواية السورية وهو يشبه الفرجار في هذه الرواية أكثر من أي شيء آِِخر, يعيّن المركز بالضبط ويرسم خطاً إبداعياً جديداً, تتسارع الرواية رويداً رويداً, ثم يزداد النبض أكثر فأكثر كصهيل حصان.

تتقاسم الرواية ثلاثة نساء ينتمين لعوالم مختلفة ولكنهن متشابهات بشكل ما:

– سارة قطان, التي تعمل كراقصة والتي يراها خليل على خشبة المسرح حيث يعجب بها ويرتكب من أجلها حتى الحماقات ظناً منه أنها تشبه امرأة تزوره في الحلم.

– زهور, زوجة العسكري سالم نجم عبد الله الذي يدعي أنه أعطب دبابتين قبل أن يصاب بإعاقة سيحملها معه إلى الأبد, زهور التي تتسلل إلى غرفة خليل بين الفينة والأخرى ليمارسا اشتعالات حميمة تعويضا عن الحرمان الذي تعاني منه بسبب فشل زوجها في امتلاكها ولو لمرة واحدة. تمثل زهور بجسدها الريفي الحبيس الذي يمتلك معجمه الخاص جانبا من الفيلم الذي يريد خليل إنجازه, أو ربما كما يقول خليل تمثل الجانب المضاد لسارة قطان ذات الجسد المنطلق و الحر بكل طاقاته التعبيرية.

– ناريمان التي تدخل المسرح بشكل متأخر, والتي تعمل في أحد الملاهي, بجسدها الذي سيمثل الجسد المستباح والمبتذل. تفتح ناريمان الرواية على جملة من التفاصيل المؤلمة والحميمة بتذكرها لحوادث شخصية مؤثرة للغاية, عائشة هو الاسم الحقيقي لناريمان, تخرج ناريمان صورة من جيبها وتقول لخليل أنها الشيء الوحيد الذي يذكرها بعائشة. لعل ناريمان كانت مفتاحا ناجحا لسرد ما يحدث في عالم العهر والرذيلة.

لعل خليل الذي يظهر كخلفية تائهة ظاهريا تجري عليها معظم هذه الأحداث إلا أنها تمثل الخط الأساسي في الرواية حيث يبدو منسلخا عن منبته الأصلي باحثا عن منفذ ما لروحه, فهو هنا رجل عاكف على ذاته لا ينساها أبدا بل لعل معظم الأشياء تحدث وتتشكل لتخبرنا في النهاية عن نوع الجحيم الذي يعيشه خليل, خليل هو الصورة المبعثرة على مدى الرواية ولكن في كل مرة باسم جديد فهو “سالم” بأفلام فاشلة بدلا من مخططات عسكرية أو حتى ناريمان التي لا تعرف بالضبط ما أصبحت عليه.

يشكل المكان ثيمة أساسية أيضا في الرواية والذي يتمثل بالعشوائيات, هذا الشكل المشوه الذي يترافق مع المدن الحديثة والفاقد للحدود الدنيا من شروط العيش ولكن حتى هذه الأماكن لها أسرارها وعلاقاتها الخاصة.

يمثل تناول الرواية لهذا المكان بهذه الطريقة احتجاجاً على التشوه الحاصل والظروف القاسية التي يعيشها سكانها, ربما أن الأنفاق السرية لمجمل العلاقات التي تصل بين كائناتها تعتبر متنفسا وحيدا تتسرب منه أحماض القسوة. يدرك خليل تماما أن استمراره في مواصلة العيش في الحي الذي يسكنه سيودي به إلى حتفه كمخرج أيضا.

سارة التي كان خليل يتمنى التعرف إليها عن كثب تستسلم وتقرر أن تخوض التجربة ولكنها مع مرور الوقت تدرك أن سبب فشل خليل هو العطب الذي يعاني منه في داخله وليس كما يدعي هو أو يفضل أن يسميها “ظروف غاشمة” وبينما يتابع القطار ابتعاده في الصحراء يخوض خليل بدلا من سالم عبد الله المعارك.

هناك أيضا رحلة خليل إلى مسقط رأسه الذي يمثل الجانب الجريح في روحه, فهو لا يدري كيف سيلاقي أمه أو حتى كيف سيتبادل الحديث مع أبيه, والد خليل الذي له امرأة سرية تزوره وهي زوجة فلاح يعمل في أرضهم, وأولاده الذين يشبهون خليل وإخوته بشكل غريب, وجملة الصور التي يلتقطها للصحراء التي ربما تشكل إيمانا منه خطا دفاعيا وهميا أمام اندفاع الصحراء بكل تجلياتها وذكرياتها عن الطفولة والحرمان والخناجر, ولكنه يفشل ويقع فريسة انفصاله عن الرحم الأول, باحثا في مكان آخر, عن حلم أو فيلم يريد إنجازه.

تعود امرأة المنام ويتخلى خليل عن السيناريو حتى بعد بعض الأفكار التي تقترحها سارة, نفاجأ في النهاية عندما ينتهي الأمر بسالم الذي كان يطلب من خليل دوما إنجاز فيلم عن حياته بأن يطلق لحيته ويتخلى عن تجارة الممنوعات حتى أنه أصبح يذهب إلى الجامع بشكل منظم.

على الطرف الآخر نجد أن زهرة تتمرد على زوجها فتتأنق وتخرج مع جاراتها لتذهب إلى الأسواق لشراء الملابس الجديدة والتخلي عن عبء زوجها المعطوب.

سارة تقرر السفر بشكل مفاجئ وتخبر خليل بذلك إثر عرض يأتيها من الخارج. يبقى خليل الذي يبدأ بالبحث عن منطلق جديد. تغيب ناريمان في النهاية وكأن الكاتب يعلن انتهاءها بطريقة ما. المشهد برمته يعكس حالة من التشوه بدأً من الكائنات وانتهاءً بالمكان مع لمعة خافتة تجول في الخلف كسراب في يوم قائظ.

– ” زهور وسارة وناريمان” رواية
– الكاتب: خليل صويلح
– الناشر: دار الآداب 2008

السفير- 31/8/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق