خمس سنوات على دخول القوات الأميركية إلى بغداد: قسوة الذكرى ورفاهية النسيان!

في الذكرى الخامسة لدخول أميركا الأراضي العراقية، لن يكون باستطاعتنا إلا أن نتذكر. الذكرى التي لن تمر دون التلوث بالدماء المهدورة عبثاً في حرب لا ناظم لها، لا منطق يحكمها، ولا أمل بالخروج منها، سوى بالنوايا والدعاء، نوايا يتحكم بها كل الفرقاء، نوايا مغرضة، مشتراة، أو مغرر بها.. نوايا لا تعترف بأحقية البشر بالعيش بسلام. لا تعترف بإنسانية الخوف وأحقية الرغبة بالأمن والآمان. نوايا الفرقاء التي تتحكم، وتحكم أهلها، مطالبة بأقصى حالات العطاء. يطالب حاكمونا، يطالبون الناس، وقاطنو الأوطان أو من بقي منهم، بكل ما لا يطيقون.. يطالبون بالولاء، بالانتماء، بالوقت، بالحاضر والمستقبل، بالروح والدم..! يُطالب الجميع بحياتهم التي يظن الحكام أنهم يملكونها، كما يُملك العبيد في أسواق النخاسة.

في هذه الذكرى ليس بإمكاننا النسيان لأننا محاصرون بالذكرى، مقتولون بها وبوعينا بالحقيقة..
خاصة عندما ترن بالبال ذكريات أخرى.. فلسطين!

فلسطين التي ما فتئت تقذف أبنائها أشلاء في بث حي، طازج بحرارة الجثامين المشيعة. ولبنان المحاصر بذاته، بهواجسه، وذكرى قتلاه في الحرب الماضية، لو ذكرى حربها الاهلية ما زالت حاضرة، حارة. الخليج المتوتر بتهديد فارسي، وبتهديد إسلامي داخلي. مصر المسكونة بقضايا قمحها المهدور، وتلوث سمائها بأرز محروق، وأحلامها النووية، مصر المترددة، الغارقة برغباتها بالانسحاب من العمق العروبي ، أو المتراجعة بسرعة انسحابها، واندغام منظّريها بفلسفات الثقل القومي، وكثافة الحضور المركزي في قضايا العرب. ولن ننسى السودان، والصومال، وإفريقيا الليبية، أو ليبيا الإفريقية وفضاءاتها.. ولا الجزائر وإسلامييها.. ولا المغرب وفقراءه، ومهاجريه. هكذا هي حالنا في الذكرى.. في ذكرى الخيبة.. في ذكرى الحروب.

هكذا هي الحروب التي ندخلها دون هدف، أو بهدف ،حرب مع أعداء، أو بلا أعداء سوى أهلنا أنفسهم!! هدف يضيع منا في الطرق، ولا يبقى منه سوى بشاعة الأداء.

بشاعة الحرب، عندما نعتنقها مثل فكرة، نتبناها كما نتبنى الإيمان والمعتقد والأيدولوجيا.. نخضع ونسلم، ونؤمن بالحرب، كما نؤمن بالحرية وأفعال التحرر، التي نظن أنها ستأسس لقادم أجمل، تحمل وعدا بحاضر أحلى.. نؤمن بقدرة الحرب، عندما تسائل تلك الحرب، كثيراً من المفاهيم من الناحية القيمية، كالوطن، والشهادة، والانتماء، والعدالة.. ونظن أنها الحل خاصة عند البداية، بداية حمى جنونها الأول، وديناميكية إنجازاتها، وهبوب رياح تغيرها.

لكن ثوراتنا ، حروبنا سرعان ما تتعفن فينا، وعلينا، خاصة عندما يتحول التخريب إلى غاية في حد ذاته.. تخريب، وفوضى.. تخريب لمفاهيم الأخلاق، تخريب لكل المفاهيم.. ثم بقصور، ورغبات مشوهة ونوايا مغرضة يُتبنى الحرب، ويصبح قيمة في حد ذاته، وغاية تضع نفسها فوف كل الأولويات، فوق البشر الذين من أجلهم صنعت الحرب، وانطلقت بالمقام الأول.

ويبدأ الجنون.. ففي الحروب، عندما نضيع من أنفسنا، ونجبر أن لا نكونها “أنفسنا”! تندغم كل المفاهيم، تصهر في محارق حديدية، لا تصلح سوى للكي.. يطلب من الأخلاق أن تغير تفاسيرها، ومن القيم أن ترتدي مسوحاً أخرى، أو أن تتمشى عارية، مفضوحة، رخيصة برخص عبثية حاضرها. يطلب من الدين أن يغير دوره، ومن الأيمان أن يخدم أسياداً آخرين.. ومن الوطن أن يتقزّم ليتسع في رصاصة قناص، أو يصغر، ويتحول إلى أيقونة تعلق على صدر هارب في منفى. يطلب من النساء أن لا يكنَّ سوى ناجيات، يدفعن ثمن الحياة.. حياتهن. ومن الأطفال أن لا يظلوا كذلك، بل أن يقسروا الزمن على المضي بهم نحو الكبر. يطلب من الرجال أن يكونوا بلا قلب، بلا حنين، بلا رغبة بالاستسلام..

يطلب منا أن نتوه من أنفسنا.. أن ننبذها.. أن نقصيها.. يطلب منا أن لا نكونها “أنفسنا”!

في الحروب.. تنتج الصور بشكل مختلف، مشوه، معاق، والأزمنة تضيع في فوضى مبررة، التاريخ ينسى رصانته، ينسى انتقائيته وذوقه الرفيع، يتقوقع على نفسه، ويحتجزها بين طيات الأوراق العتيقة، ونوستالجيا الحنين الغادرة.

في الحروب يفرض الحاضر ذاته العشوائية، الاعتباطية، المنفلتة، يسكن الآني من الزمن، كل الحكايا، يسكن كل العطفات، والأزقة المثقبة برصاص الانتقام، يترك زمننا المتاحف قليلاً، والمخطوطات المحبرة بالذهب، وانتصارات وصلت دون دمائها، دون روائح جثثها العفنة، وأوصال مجذوميها المقطعة، وأحلامهم المبتورة، وعويل محزونيها المقتولين بالقهر.. يُتَرك التاريخ المشذب المذهب، المعالج بجلد مصبوغ لوهلة، ويغرق الآني من الزمن بنفسه، ينغمس بها حتى النسيان. ينكش مزابل الشوارع الجانبية في الأحياء القديمة، يبحث عن الهامش المرمي في كل الحكايا، ويبقى في الآن، ينقطع عن ماضيه، وذاكرته مثل مجنون لا يعي آبائه.. ينسى من كان، ويتحول الزمن إلى لقيط مرمي، بلا ذاكرة! سوى تلك اللحظة المثبتة في بيوغرافيا الصورة، اللحظة التي رأى فيها حاضرنا الشاب، دماغاً بشرياً ينسف وينثر على جدار.. يظل الحاضر، طازجاً بطزاجة دماغ مخبوص بيد شقيقة!

يظل الحاضر، حاضراً، متشظياً، مهتزاً ، متقلقلاً، متألماً، مترنحاً بالوجع، يسير برشاقة أعمى فوق حبل السيرك، يعيش على الحواف مرتعباً من الهاوية التي لا تسحبه ، بل تبقيه على الحافة صريعاً بالخوف من السقوط، يخاف الحاضر من بشاعته ذاتها، ينتمي لجنون اللحظة، آنية اللحظة، همجية اللحظة.. لا يرضيه إلا مخدر قوي بقوة الحاضر.. مخدر لكل الأوجاع.. مخدر يدعى الانتقام!! ننتشي به جميعا ، نكتفي ونتشفى، نكرع دمائنا ونسكر ، بفجور، وصخب، وصهيل الحيوانات الهائجة نزعق، ونزعق، ونصيح صيحات القرود عند النشوة ونقفز، نقفز إلى الهاوية.. نصيح صيحات الانتقام من إخوتنا، آبائنا، أطفالنا، نسائنا.. من أنفسنا وكل الأمكنة التي نسكن، أو سنسكن قبل الجنون، أو بعد تفجر الأوضاع في المخيلة العاجزة عن مجارات الواقع، بفظاظته، ووحشيته.

في الحروب، نضيع تماماً,, نتوه من أنفسنا، لا نكون سوى نسخ مقلدة عنا..! نسخ راقبتنا ونسخت برداءة ما رأت! عندها يمد لنا الماضي لسانه، يرفع حذائه في وجهنا، ويرفسنا على جباهنا المعفرة بتراب الموتى وبراز المجانين، يبصق علينا، وينكرنا نحن اللقطاء، ينقطع عنا والأبشع أنه ينسانا.

هو الحاضر ما نملك، وفيه تتمزق بنى، وكيانات، وتراتبيات، وأخلاقيات كنا قد ورثناها. لكنها لا تنفع.

ففي زحمة الملاجئ، وضوء الشموع الشحيح، نتبول أمام جيراننا، ونصدر أصواتنا المخزية، وروائح أجسادنا نطلقها، نصفع بها وجه الخجل الأعتى، ننسى الحياء المستعار من وصفات الأمهات عن التهذيب.. نصرخ عند خروج الأطفال من أرحام زوجاتنا، وتتكشف الحرمات، فلا محظورات عندما يحضر الموت، والقتل والدمار والتهجير، ففجور الحياة أقوى.. لأننا بقطيعية المجاميع نعطش، ونجوع، ونصلي، ونكفر، ونزني، أو نعاشر زوجاتنا، حبيباتنا، عشيقاتنا ونستمر! ونؤمن بمن نؤمن به، في مساحات البؤس التي تتسع، لتحوش الكون.. لتحوش روحا رافضة.. روحاً تنتصر للحياة، حتى لو كانت حياة قميئة، حياة كافرة بلا قيم موروثة، من أمهات الكتب المسكونة في بطن التاريخ!

في الحروب نجن، ونفقد المعنى، ويحتلنا العبث، والكفر بكل القيم.. في الحروب، أو في ذكراها التي ترافقنا كظل تعس. نرثي وجه الأمة التي نحن منها.. نكرهها، نكره أنفسنا قبل أن نموت مرة ومرات.. ونلعن التاريخ، والذكريات التي لم تمت، الذكريات التي لا تسمح لنا بالنسيان.. لا تسمح لنا برفاهية النسيان!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق