خواطر صوفية: أنس المدّل

 يقول الحلاج:
“يا بديع الدَّلِّ والغُنْج
لَكَ سلطانٌ على المُهِجِ”

الأنس، مصطلح صوفى أثير، لا يخلو نسيجه المعقد، لغويا ومفهوميا، من رهافة ناعمة تكسبه طابعا تأويليا برحا، ونكهة قرائية استثنائية، ومذاقا معرفيا وجماليا، حالما ومغويا، تنطوى دلالاته على قدر من الالتباس، إذ تطل علينا مخايلة أشواقنا، ومترعة بزخم إنسانى/إلهى ثري ودافئ، من خلال نصوص البدايات الباكرة للتجربة الصوفية الإسلامية.

تتنوع تجليات هذه الإطلالة ما بين الإيماءات المتوارية، والإرهاصات الظلالية، والتعبيرات الخلابة المباشرة الواضحة التى قد يكون وضوحها أشد غموضا، وأكثر إرباكا، وإثارة لظنون وهواجس القراءة غير المشروعة، المؤرقة والمحيرة، ناهيك عن هوس التأويل الجامح، وخيانة القارئ المتعسف.

لا نكاد نلمح الإرهاصات الأولى لمعانى الأنس الصوفى فى نصوص البدايات إلا من خلال مأزق الذات التى تعانى مفارقات الوعى المؤسي الموحش بذاتها المتورطة فى فضاءات وعلائق هذه الدنيا الوبية الفانية، أو ما يمكن أن نطلق عليه نصوص ذم الدنيا، وشهواتها وأهوائها، المادية والمعنوية، وأهلها وعلاقاتها، والزهد فى مباهجها ومكاسبها حتى حدود الورع، أى محاسبة النفس عند كل طرفة، والتورع من كل ما سوى الله. ولا يبتعد هذا عن البكائيات الصوفية الشهيرة التى غلب عليها الوعى بالموت المتربص والمباغت، والحس التراجيدى التشاؤمى، وبلورت مدى الخوف والفزع الكامن فى النفوس، والشعور الهائل بالذنب والخطيئة، وهواجس الرعب من العقاب الإلهى الأخروى.. الخ، وهى ملامح عامة نجدها متواترة الحضور عند الرعيل الأول، كالحسن البصرى، وجماعات البكائين فى البصرة والكوفة، وفرقد السبخى، وعبد الواحد بن زيد ومحمد بن واسع، ومالك ابن دينار، وغيرهم.

ولا أظننا فى حاجة إلى الحديث المعاد والمكرر حول الأحداث التاريخية الكامنة فى عمق هذه الرؤى، وملابساتها الدموية العنيفة منذ أن بدأت الفتنة الكبرى، وحتى بلغت ذروتها الدرامية فى مذبحة كربلاء، ناهيك عن التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى طالت المجتمع الإسلامى تحت الحكم الأموى الاستبدادى. وليس هذا ببعيد عن التحولات الدينية والثقافية، فمن ناحية، تمأسست العقيدة، إذا اجاز التعبير، وغدا رجال الدين فقهاء للسلطان، يخدمونه بفتاوى باطلة، ويستخدمونه لتحقيق مصالحهم الدنيوية، ناهيك عن تفجر الخلافات العقيدية بين الفرق .. الخ، ومن ناحية ثانية، تلاقحت الثقافات، وبدأ التفاعل الجدلى والتبادل الحوارى مع العقائد الأخرى، وخاصة التجارب الصوفية، وصياغات التنسك الوافدة من سياقات حضارية ودينية متنوعة، سابقة ومعاصرة، لعلها قد وجدت تربة خصبة ومهيئة لتلقيها واستيعابها، والتناص معها سواء على مستوى الواقع، أو النص الدينى نفسه.

تلوح لنا معانى الأنس الصوفى متوارية بين ثنايا هذه النصوص والبكائيات المؤسية التى تومئ من طرف خفى بحلم الأنس المأمول، نقيضها المثالى المشتهى المضمر فى العمق الموحش، والذى قد يبدو عبر هذه السياقات أقرب إلى المتبغى المحال.

يقول الحلاج :”مدله حيران مستوحش… يهرب من قفر إلى آخر … مالى بغيرك أنس، إذ كنت خوفى وأمنى”.

تذكى الاستحالة وهج الرغبة الصوفية لنيل ما لا يُنال، فتبدأ ملامح الأنس، وما ينطوى عليه من معانى مثيرة ودلالات متنوعة فى الظهور تدريجيا، على استحياء عبر مرايا المفاهيم النقيضة، أو هذا ما يتبدى لنا للوهلة الأولى. ذلك أن تلك المفاهيم، ملتبسة بدلالات الأنس، وملتحمة بخيوطها التأويلية، تكاد تشكل لحمة سداها التى يصعب فصلها عنها أو بلورة حضورها بمعزل عن نسيج التفاعل الجدلى بين كليهما. إنها النقيض القار دوما فى عمق نقيضه، لا يمازجه أو يذوب فيه تماما، ولا يكاد ينفصل عنه أو يفارقه، ولا يتفاعلان لإنتاج مركب ثالث. غير أن هذا النقيض المفهومى لا يكف عن ممارسة دينامية الحضور الحيوى الخلاق داخل صميم الأنس الصوفى، كأنها ثنائية بينلوبى الشهيرة، التى ما تكاد تكمل نسيجها حتى تنقضه. ولعل أهم هذه المفاهيم، هى الهيية والوحشة، حينئذ يغدو نقض النسيج، كنسجه، يشكل كلاهما طبيعة حضوره المتجدد، وعرامة طزاجته الآسرة، ناهيك عن صياغة مساحات التخيل المترعة بالممكنات التى هى شرط استحالة اكتماله النهائى.

ينتقل الوعى الصوفى حثيثا، وعلى مهل شديد من مشاعر الخوف والحزن والوحشة والتشاؤم التراجيدى، إلى رؤى الحب والجمال وبهجة الأنس، ورغم الانتقال أو التحول البطئ، إلا أنه لن يكون أبدا نهائيا وفاصلا. ولعل الوعى الصوفى يتمثل مفارقات الواقع الملتبس حضاريا، ويمور بتناقضاته الخالدة مبلورا رؤيا مائزة هى مزيج فريد، شديد الرهافة والعمق، من التراجيدى والجمالى.

يقول ابن عربى: “العذاب من العذوبة، وهى التلذذ بالأمر، يقول أبو يزيد البسطامى فى بعض أحواله، وكل مآربى قد نلت منها سوى ملذوذ وجدى بالعذاب.. وهى اللذة باللذة، لا بالأشياء”

شجن صوفى جميل، يذكرنا بأنغام الناى الحالمة الحزينة العذب، وأنينه العذب من ألم الفراق، والانفصال عن الأصل الإلهى، والحنين للعودة ثانية إلى فضاء الأنس والوحدة الآمنة الدافئة فى عمق الألوهية المعشوقة، عند جلال الدين الرومى.

لكننا نقفز لذروة النضج، متناسين سذاجة البدايات المبكرة، والتى عبرت عنها حيونة الزاهدة، فقالت: ” من أحب الله أنس، ومن أنس طرب، ومن طرب اشتاق، ومن اشتاق وله (تحير)، ومن وله خَرُمَ (كان ذا مجون وخلاعة واجتراء)، ومن خرم وصل، ومن وصل اتصل، ومن اتصل عرف، ومن عرف قرب، ومن قرب لم يرقد، وتسورت عليه بوارق الأحزان”.

أنس تداخله وحشة الهيبة، وهيبة موحشة تمكر بك، فتبسط لك بساط الأنس، وتمنحك ملمسه المخملى الجميل، فتستوحش من ذاتك، ومن العالم، ومن الآخرين، أى من كل ما سواه، لكنك تباغت فجأة بإشارة القبض، ولا يبق لك إلا الرجاء وانتظار المنة الإلهية، تقول رابعة :
“إن أمت وجدا، وما ثم رضا/ واعنائى فى الورى، وشقوتى

قد هجرت الخلق جمعا أرتجى /منك وصلا، فهو أقصى منيتى”

فى نصوص الحب الأولى، يحدثنا إبراهيم بن أدهم عن استيحاشه من الوحدة، وائتناسه بالخضر الذى ظهر فجأة فى لحظة المغرب الظلالية التأويلية، وعلمه اسم الله الأعظم، سر الربوبية، وقال له: ألا يدعو به على أحد !!

ائتنس ابن ادهم بقدرة السر الربوبى ائتناس الجلال والهيبة، خائفا متوجسا من وطأة السلطة القاهرة للاسم الأعظم وخطورتها التى حذره منها الخضر !! كان ابن أدهم موسوى الهوى لم يزل يسعى مؤولا فى فضاءات علم الخضر اللدنى، دونه فى المقام المعرفى، محجوبا بثنائيات الظاهر /الباطن، العبد / الرب !! ولعله كان يلوذ بإمكانية الأنس المعرفى، من وحشته الذاتية، وحدود إنسانيته المضجرة العاجزة، حلما طموحا بمخايلات القداسة مالكة القلوب والأرواح الذى كان دائم الفرار منها، وربما كان ممسوسا بها ؟! أترى ابن أدهم، ابن الملوك كما تروى الأسطورة الخارقة فارق ملك الدنيا القمعى المادى الزائل مستبدلا إياه بملك القداسة وسطوتها الإعجازية الخالدة، لا على أرواح وقلوب الناس، فحسب، بل على الكون كله، إذ امتلك الاسم الأعظم، ونال بركة أخيه الخضر؟!

تأتى رابعة العدوية لتقفز بنا إلى فضاء أكثر رحابة وجمالا، وقدرا من الجموح والجرأة المحببة، حين تحدثنا قائلة:
“وجعلت منك فى الفؤاد محدثى وأبحت جسمى من أراد جلوسى

فالجسم منى للجليس مؤانس وحبيب قلبى فى الفؤاد أنيسى

ائتناس جلى بالحبيب الذى ما وسعه أرضه ولا سماؤه، لكن وسعه قلب عبدته العاشقة المتولهة، فآنسها محدث إياها، حديث الأنس الباطنى الحميم، المتجدد دوما بتجدد المتحدث الإلهى الذى هو كل يوم شان، وطزاجة الشوق العارم المتأجج فى روح العاشقة زادا يمنحها وهج الحياة، ونشوة التوق لحميمية البوح الدافئة !! لكنها بينونة الحديث، واصلة / فاصلة لم تزل بين الحبيبين، تنسرب فى ثنايها رغبة طموح بزوال البين، إذ تقول رابعة: “ليس للمحب وحبيبه بين”. تجاوز مجترئ خارج حدود الأنس الناعمة، وسعى محموم لولوج متاهة العشق، ومدارات الدلال الإلهى الذى لا يطاق، ومنه استغاث الحلاج. سارت رابعة طريقا وعراً شاقا طويلا حتى تحققت بإئتناس الحديث الباطنى، ومساحات البوح والمشاركة الحميمة رغم المغايرة الإنسانية/الإلهية.

بدأت رابعة طريقها بالخوض فى فضاءات الخوف والوحشة القاسية، بداية من يتمها وفقرها وغربتها وعبوديتها، وكونها أنثى ضعيفة مجردة من الحماية الأبوية، وعارية من الغطاء الاجتماعى، ترصدتها نظرة الشر الذكورية المضمرة، وتربصت بها، وأسرتها فى مدار العبودية البغيضة لسيدها المخلوق القاسى كما وصفته.

وبعيدا عن مراوغات الحكى، ومخايلات القداسة الأسطورية المنسوجة حول رابعة، فإن ما يعنينا هو مسار الوعى الذى يتحرر سرديا من أسر علاقات الدنيا الموحشة، والتى لا يحكمها فى هذا السياق المركب (طبقيا وجندريا) إلا ممارسات الاستخدام والتشييئ والاستباحة القسرية القامعة !!

كانت رابعة كيانا مستلبا استباحته، وشكلته نظرة الآخر الاجتماعي والذكوري صاحب السيادة والهيمنة، وأحكمت صياغته بوصفه جسدا أنثويا وظيفيا يتم استخدامه فى سياقات العبودية المهنية بمستوياتها المتنوعة على غير إرادة صاحبته، تقول رابعة مستغيثة بالإله :

” إلهى أنا غريبة، يتيمة، أرسف فى قيود الرق… إلهى، أنت تعلم أن قلبى يتمنى طاعتك، ونور عيني فى خدمة عتبتك، لكنك تركتني تحت رحمة هذا المخلوق القاسى من عبدتك”

عبر نظرة الآخر المستِّلبة، انتبهت رابعة من غفلتها الدنيوية، ووعت مدى اغترابها لا عن الآخر، وداخل الفضاء الدنيوي، وعلاقاته الزائفة المشوهة، فحسب، بل عن ذاتها المقتَنصة فى فخ الآخر السلطوي القمعي. حين نظرت رابعة إلى صورتها المنعكسة عبر مرآة عين الآخر، ونظرته الشرهة، أدركت مدى وحشتها إزاء هذه الصورة الإغوائية التى هى صناعة الآخر، الذى مارس على رابعة عنفا متخيلا وفعليا، وأسرها فى هذه الصورة الراسفة فى أغلال الرق وقيوده !!

رحلت رابعة، مرتدة إلى عمق ذاتها، باحثة عن وجودها الأصيل، تسعى حثيثا لتحرير حضورها، روحا وجسدا، من قبضة الآخر، ونظرة الاستلاب والاستباحة. كان ائتناسها بذاتها التي اكتشفتها وصاغت حضورها بإرادتها الحرة الخلاقة، وبمعزل عن حضور الآخر الموحش، هو البداية لتشكيل مدارات الأنس المشتهي الحلم بالآخر المطلق، والنسبي، لكن في إطار البوح الإرادي الحر، الحميم الدافئ، المتجدد الخلاق، لا في إطار الاستباحة الاجتماعية والذكورية القمعية التي استلبتها طويلا فى فضاءات الوحشة والخوف. لقد اقتنصت رابعة مبالاة الإله، وأثبتت جدارتها بوصفها المغاير الحميم مجلي صورة الأصل فاستحقت الحديث الإلهي المؤنس في الفؤاد، وأذكت حرارته ووهجه، ولعله كان أنسا متبادلا، كخل وخليله. ومن المثير للانتباه حقا، أن يحدثنا التوحيدي في إمتاعه ومؤانسته في الليلة الأولى، عن متعة الحديث التي لا تمل، لأنه كاسمه دوما حديث، ويلح على حاجة النفوس له، وشوق أصحاب السلطان ، الساقطين في فخ الوحشة، لحديث المتعة والأنس الحميم الصافي، والذي غدا في الزمان الرديء الموحش كالكبريت الأحمر النادر الثمين. ولعله الجدل الميتافيزيقي السياسي الأثير في هذه الخصالة الإسلامية.

ولا أظن أن أنس الروح المنعتقة بحديث الحبيب الإلهى فى الفؤاد كان يتعارض أو يتناقض مع أنس الجسد الحر الذي يشكل صميم الحضور، والذي يبوح بدوره بوحا إنسانيا جماليا راقيا لجليسه الرفيق المؤنس، المنصت برهافة للبوح الناعم، والذي لا يفرض منظوره أو إرادته في سياق الاستلاب والاستباحة.

يروى أن الحسن البصري قال: بقيت يوما وليلة عند رابعة نتحدث عن الطريق وأسرار الحق بحرارة بلغت حدا نسينا معه أنني رجل وأنها امرأة”.

يا لها من مخايلات أسطورية تقفز فوق حدود الزمان والمكان، لكنها تكشف عن أشواق تلك الذوات التي حلمت بفضاءات برحة حرة حوارية، تأتنس داخلها الأرواح والأجساد دون عوائق أو ممارسات سلطوية قمعية شائهة، أو مساحات خوف وقلق ووحشة، أو خيالات مريضة، وأوهام زائفة حول ذوات نرجسية لا تتحقق بلذتها إلا عبر جعل الآخر محض مرآة عاكسة لاحتياجاتها، ومن ثم إقصاءه وتدميره، وهى فى حقيقة الأمر لا تدمر إلا حضورها الإنساني الخلاق، وحيوية وجودها التي لا تنتعش إلا بالمغايرة الحميمة المؤنسة.

تصيح رابعة قائلة: ” يا إلهى ، إن قلبى ليضطرب فى هذه الوحشة… الكعبة حجر، وما أريده هو أن أشاهد وجهك الكريم “

وليس كأنس العين بالعين، ومصافحة الوجه للوجه، لكنه المبتغى المحال، إذ ناداها صوت من عند الله تعالى، يقول: يا رابعة! أتطلبين وحدك ما يقتضى دم الدنيا بأسرها ؟ إن موسى حين رام أن يشاهد وجهنا، لم نلق إلا ذرة من نورنا على جبل، فخر صعقا”

ويا له من جموح عذب جميل، حين يصرخ حلاج الأسرار، قائلا: ” يا أهل الإسلام أغيثوني ! فليس (أى الله) يتركني، ونفسي، فآنس بها، وليس يأخذني من نفسي فأستريح منها، وهذا دلال لا أطيقه “

توتر جارف بين الذات وذاتها، وبينها وبين طموحها المستحيل، وروح مدلهة، وإله متأبّ لا حد لدلاله يناوش العاشق ما بين قمة الوصل، وعنف الهجر والتخلي واللامبالاة، لكن أنسا خفيا طاغيا يجلى مساحات الخيال الجموح، وينفى إمكانات الوحشة والقبض والهيبة بالمعنى المألوف صوفيا.

لائح مضمر يشي برغبة خفية لأن يظل التناقض المعذِب قائم، ذات تشتهى التماهي فى معشوقها، لكنها تصر على بقاء بينونة ما بينها وبينه. أترانا نحتاج إلى طرف ثالث شبحي طيفي لتحقق حال الأنس بين الطرفين، العاشق والمعشوق، فيما يرى بعض الباحثين. لكن هذا الطرف الثالث، لن يكون سوى ذات العارف الصوفي، وقد نحلت وذابت وانفرطت شوقا، فصارت طيفا شاردا بين الأنا الصوفية، والأنا الإلهية.
يقول الحلاج :
اتصل الوصل بافتراق / فصار في غيبتي حضوري

ربما لا توجد صيغة للتلاقي أو الإئتناس بالإله داخل هذا العالم، أو كما يقول الحلاج: ها أنا في حبس الحياة ممنع / من الأنس فاقبضني إليك من الحبس. ولعلها رغبة محمومة في استمرار ذلك التوتر، عله يحافظ على وهج التجربة وطزاجتها عارمة دوما، لا تنطفئ نار الرغبة المتأججة، ولا يحبط التوقع الجمالي، وتظل اللذة، حلما مستحيلا لا يُطال، وشهوة واعدة مرجأة دائما وأبدا.

يقول الحلاج: “النفس بالشيء الممنع مولعة… ما وجدت لقلبي راحة أبدا… واعجبا ممن يريد النجا في المسلك الخطر… كأنني بين أمواج تقلبني… الحزن في مهجتي، والنار في كبدي، والدمع يشهد لي… طلبت المستقر… فلم أر لي بأرض مستقرا “.

ولكن لا ينبغي أن ننسى أن الإلهي لا يُنظر، فهو الجمال المرعب الساحر، ولا سبيل إلا مطالعته من وراء حجاب أو كمرآة ليكوسورا التى تعكس ظلال الآلهة. وربما كان الطيف الحاضر، الفاصل الواصل بين العاشق طالب الأنس، والمعشوق الذي منه وحشتك كما يقول الشبلى، هو تلك المرآة الكاشفة للظل الإلهي، فما ائتنس العارف سوى بالظل، ولعلها ذاته الشبحية المجلية لصورة الأصل الذي لا أنس به، ولا وحشة منه ، فما ائتنس سوى بصورته كما تمثلت الأصل وشكلت ملامحه عبر فضائها الذاتي.
يقول الحلاج :
“بينى وبينك إنىِّ ينازعنى/فارفع بانيِّك إنِّى من البين”

لعل الحلاج ما كان يبتغى أنسا، ولا وحشة، لكنه كان يروم امتصاص الحضور الإلهى داخله، وكما يقول التوحيدي حلاجي الهوى :

“هناك أنت أنت … مصاص التوحيد، وعين العين، وكنه الكنه”

ولا ينفى هذا أو يتعارض مع هوس الرغبة الجامحة بالتماهى فيه، والانضواء فى عمقه الأزلي الصامت، لكن هذا المشتهى المحال لا ينال، إلا بقربان الروح، وإسالة دماء العاشق، لكى يسفر المعشوق عن جماله الوحشي المخيف الرائع، فتنتفي الثنائيات، ويطوح بوعي الائتلاف والاختلاف ولا يتبقى إلا دوار مخيف، هو دوار حرية العدم التي هي صميم حرية الوجود المحض.
يقول الحلاج :
” اقتلونى يا ثقاتى/ إن فى قتلى حياتى
اقتلونى واحرقونى/بعظامى الفانيات
تجدوا سر حبيبى/فى طوايا الباقيات
…..
تُهدى الأضاحي ، وأهدي مهجتي ودمي”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق