خواطر صوفية: أهل الاعتدال والنص المقموع

 “الصوفية السنة” المعتدلون، أتراها تسمية مخلة، ووصف قاصر مختزل لظاهرة شديدة التركيب والتعقيد، تتميز بخصوصية لافتة، ومراوغة آسرة؟ أم لعله نوع من قصور الرؤية، وضحالة الفهم، بل الحصار الفكرى والعقائدى، الذى فرض على العديد من المتصوفة من أجل تحديدهم فى تصنيفات مريحة وجاهزة، وقولبة نصوصهم الشاطحة، وتجاربهم المنفلتة، من قبل العديد من الباحثين العرب والمسلمين المعاصرين فى مجال التصوف الإسلامى، والمهوِّسين بالدفاع المحموم دينيا وأخلاقيا عن المتصوفة؟
ولا أدري، لماذا هذا السعي الدؤوب غير المبرر من وجهة نظري لإفقاد التجربة الصوفية أجمل وأهم ما يميزها، ويمنحها مذاقها شديد العمق والخصوصية، ألا وهو ذلك الحضور المؤثر الخلاق فى ما يمكن أن نطلق عليه تجاوزا، الهامش الراديكالي؟ أتراه لائح من الطموح السلطوي الخفي لدى هؤلاء الباحثين، متوسطي القيمة، كلاسيكيي الهوى في الأغلب، أملا في تأسيس مشروعية وجودية ومعرفية وقيمية للنص الصوفى وربما لذواتهم، من خلال تدجينه، وإدماجه بل استيعابه كلية داخل حدود ما يطلق عليه المتن الديني والأخلاقي الإسلامي الرسمي، ناهيك عن إمكانات توظيفه سياسيا واجتماعيا وثقافيا؟ أم لعله يعبر عن نوع من الهوس الرقابي الذي يهجس به وعي هؤلاء الباحثين، ضيقى الأفق، أسرى مناخات القمع السلطوية السائدة، والذين لا يحتمل وعيهم، بل يؤرقهم بشدة مثل هذا الجموح الخيالي، والإنفلات الساحر شديد الجاذبية والجمال، خارج حدود المألوف والمعتاد، والتكرار الرتيب لتصورات وأقوال وتفسيرات وممارسات دينية وأخلاقية تستكن بالسأم المتواري، وتورث الضجر الممض، ولا يملك أحد أو يجرؤ على الإعتراض عليها، أو إثارة أي تساؤلات حولها، أو طرح اجتهادات إبداعية جديدة بصددها؟

إن الرقيب الداخلى المتربص، شديد الفزع والقلق والتوجس، لدى هؤلاء الباحثين ينصب للمتصوفة ونصوصهم، وربما على غير وعي من أصحابه، دعاة العلم والمعرفة الرصينة، وباسم حماية الدين والأخلاق، فخا قرائيا يحدد سقف الإنقراء تحديدا شرعيا، لا يمكن الخروج عليه أو اختراق حدوده المسبقة. وتحت عنوان القراءة الصحيحة المنصفة لهؤلاء المتصوفة الذين ظلموا لأن أقوالهم المتجاوزة لحظات السكر والوجد، أُخذت على غير ما ينبغى، وفهمت ظاهريا فهما ساذجا يوهم بالكفر والإلحاد والإنحراف عن سواء السبيل، دينيا وأخلاقيا، فإنما يُملى علينا حدود وإمكانات التأويل المتاح الذى يسعى لإثبات براءتهم، وسنيتهم العتيدة، واعتدالهم المفرط، ويا لها من مفارقة.

إنها قراءة مراقبة، تنتج كتابة مراقبة وفق لسمات محددة ومعلنة تكاد تضمر تهديدا لأي مناوئ لهذه الرؤية الإسلامية الصحيحة!! حينئذ تختزل هذه النصوص عميقة الغور، ويُنفى عنها بصفاقة جلية إمكانات تأويلية متنوعة، وافرة الثراء والخصوبة، تحتفى بالتناقض اللافت فى هذه النصوص، والمفارقات المثيرة واللاذعة. إن هذه القراءات البحثية المدافعة عن سنية الصوفية واعتدالهم الدينى والأخلاقى تكاد تعيد إنتاج القمع على هذه النصوص، وتلك التجارب الصوفية اللافحة التى أطاحت بأوهام الدعة والإستقرار والأمن واليقين الزائفة. ولعل مضمرا ما هاجعا داخل هؤلاء المنضبطين معرفيا ودينيا وأخلاقيا، قد غازله هذا الجموح الصوفى المستقر فى ما يسمى نصوص الاعتدال، وأذكى توهجه، فكشف عن ضعف القناعات المستقرة القائمة، وزلزل دعائمها الراسخة رسوخا شكليا، وهدد ذلك التناغم الذاتى الدعَّى. جهود مكثفة، ومؤلفات متخمة، وتفسيرات وأسانيد مبذولة، ومسقطة عنوة على النصوص، ولغة إنشائية لا تخلو من سمات التشنج والمغالاة الوجدانية الابتزازية شأن لغة الوعاظ والدعاة فى المساجد والزوايا، وأحكام قيمية مطلقة، وكأنما أوتى صاحبها العلم لدنيّا من مصدر اليقين المطلق، ناهيك عن سمات فى الأداء ينبغي أن تتوافر فى سحنة الباحث فى مجال التصوف، وإلا، فهو اغتراب عن مادة الدرس، وإحباط للتوقع والمخيلة الاجتماعية.

هوس ما ينطوى عليه هؤلاء كاشفتهم به النصوص الصوفية الصادمة، وعرته تجارب الوجد التى حين قرأوا عنها، جلت لهم ما كانوا يتجاهلونه ويتغافلون عنه من إمكانات مخيفة جامحة ربما كانت هاجعة فى العمق، تم وأدها لحساب مخايلات الصورة الاجتماعية المتسقة المتناغمة دينيا وأخلاقيا، ومكاسبها الهامة، ناهيك عن أوهام الحضور المعرفى والقيمى داخل المؤسسات البحثية المتنوعة، التى غدت فضاءات للتحقق الزائف عبر ألقاب وشهادات تمنح اعتباطا فى كثير من الأحيان، ووفقا لقواعد إجرائية ومنهجية عقيمة ومهترئة. وقد يكون هذا الهوس الهاجع متناغما بصورة ما مع طموحات هؤلاء الباحثين المتخصصين فى دراسة التصوف، ويا لها من يافطة براقة، من أجل الوصول إلى نمط من القداسة المعرفية التى لا تلبث أن تداعب مشاعرهم المشوشة، فيتوهمون تحققهم بحضور قداسي صوفي يخايلون به تلاميذهم، والعامة من الناس، وقد كان أحد الباحثين والمعاصرين فى مجال التصوف ممن عاصرتهم، شيخ مشايخ الطرق الصوفية!

قد تكون إدعاءات اليقين المعرفى، والهيمنة التفسيرية على النصوص، وقول الكلمة الفصل فيها، ناهيك عن التوظيف الدعائى، والاستخدام الذرائعي والغائي لهذه النصوص، كما في بعض البرامج الدينية، وعند بعض دعاة الفضائيات، نوعا من الممارسة الدفاعية ضد هذه النصوص والتجارب، وحماية للذات لحظة زوال الوهم وتعري الهوس والمخايلات عبر مرايا النصوص الصوفية النافرة، المتأبية على السيطرة والامتلاك المعرفي والتدجين والاستخدام النفعي المبتذل. حينئذ، تقام محاكم التفتيش لهؤلاء المتصوفة المهددين، وتجاربهم المنفلتة المزعجة، لكن ليس على غرار محاكم التفتيش الدينية السافرة التى ساهمت بعنفها الفعلي، وقمعها الجلي في نجاح وذيوع صيت المخالفين، وانتشار أفكارهم وعقائدهم، وتداول نصوصهم المحظورة سرا وعلانية، بل على العكس، ذلك أن القراءة المبتسرة لهذه النصوص، والتي تعلن بصخب أحاديتها التفسيرية ويقينها الكامل، قراءة مدمرة لإمكانات التأويل المفتوح، وحاصرة لمعاني النصوص في إطار التسمية القامعة، والوصف الذي يصادر على أي محاولة لإنتاج قراءة بديلة، مناقضة ومختلفة. وهو ما يعني الوأد الفعلى لهذه النصوص، حيث تغدو مجرد مجموعة من العظات الدينية الروحية، والأخلاقية المثالية الراقية التي تكرس لقيم الإسلام الرفيعة، قيم السلف الصالح، وتعيد إنتاج اللحظة الذهبية النموذجية للعقيدة النقية في صدر الإسلام، إذ يغدو التاريخ الإسلامى دائريا، يبدأ من العصر النموذجي، عصر القدوة الذي ينبغى أن يرتد إليه، وإلا فهو دمار الحضارة الإسلامية وانهيارها التاريخي.

من يجرؤ على مخالفة هذه الرؤية المثالية رفيعة المقام، ويدمر هذه النوستالجيا الوهمية، ويفض بوحشية بكارة الحلم المشتهى لدى الجماعة الإسلامية المحبطة التي ليس أمامها سوى اللوذ الساذج بهذه المخايلات الأسطورية الهاجسة بفراغ سياسي وديني وثقافي، ووحشة حضارية مؤسية لا يملأ خلاءها سوى هذه المفاهيم والممارسات القمعية التي تعيد الجماعة إنتاجها على ذاتها، وبعضها البعض، بل نصوصها وتراثها الجميل التي تسعى بإصرار دؤوب لتدميره، وإفقاره ونفيه وتقليص مشهده الواسع الثري المتنوع لحساب هواجس معاصرة تجلي وعي التخلف والانحطاط والتآكل الحضارى. بعبارة أخرى، نحن لا نسعى لإحياء عصورنا المزدهرة عبر فهم تراثنا والتحاور معه بندية خلاقة ومثمرة، بل نحن نسعى لفهم متبسر ينطوي على نوايا الاستلاب والتدمير والاستخدام المهين والرديء لهذه التراث، وهو ما يودي بحلم المستقبل الذي ينبغي أن يحتفي بالتنوع البشرى الخلاق.

ومن المثير للانتباه فى هذا السياق أن نلاحظ ما يلي:
أولاً : أن هذه القراءات المبتذلة القمعية قد ساهمت بدون قصد أو وعي فى تحفيز واستنفار طاقات أهل الإبداع (الشعرى والروائي والفني بكل مستوياته) من أجل استلهام هذا التراث الصوفي فى الأعمال الإبداعية، بما يثرى مشهدنا الثقافى. بعبارة أخرى، فإن الاختزال المخل والرؤى الضحلة والقراءات السطحية لهؤلاء الصوفية ونصوصهم وتجاربهم فى الدراسات الأكاديمية دفعت بالمبدعين لإزاحة هذه الدراسات القاصرة، ومحاولة تقديم قراءات جمالية خيالية إبداعية تستلهم نصوص هؤلاء وتجاربهم، وتفجر العمق المتواري الخصب لهذه الينابيع المختومة.

غير أن الغالب على هذه المحاولات الإبداعية هو، استلهام النصوص الشطحية، كنصوص النفري والحلاج والبسطامي… إلخ، ولعل هذا يعبر بصورة ما عن المردود السلبي للقراءات الضحلة، بل يكشف لنا أحد وجوه القمع المراوغ الذي مورس على هذه النصوص، ونتائجه السيئة. لقد دفعت هذه القراءات بالكثير من هؤلاء الصوفية المتميزين إلى هامش الهامش الصوفي، وأصبحوا أقرب لأرشيف المعلومات، يتم استدعاؤهم كمادة خام أو توظيفهم كخلفيات نصية، وفي أحسن الأحوال كمرايا نقيضة كاشفة تعاون في تقديم معلومات محايدة من أجل فهم وقراءة السرديات الصوفية الكبرى لشيوخ التصوف الأقطاب الذين يتصدرون الواجهة أو فترينة العرض الجاذبة، إن صح التعبير، وهم في الأغلب خارج تصنيف السنية والاعتدال.
وبينما يتبدى هؤلاء الكبار، بوصفهم من شكل الملامح الرئيسية والمميزة، والرؤى المتبلورة الناضجة للمشهد الصوفي الإسلامي، يتوارى أغلب الصوفية السنة المعتدلين فى خلفية المشهد، ويتم استدعاؤهم بين الحين والآخر على هامش الحضور المهيمن لأمثال الحلاج وابن عربي والرومي..الخ. فعلى سبيل المثال ، تُستدعى نصوصا، كـ”اللمع” للسراج الطوسي، و”الرسالة القشيرية” للقشيري، وغيرها من نصوص التدوين الأولى، بوصفها نصوصا تأريخية جامعة للعقائد والمصطلحات الصوفية وبعض التراجم والروايات عن المتصوفة الأول، وأكثرهم أهمية أصحاب الشطح الذين لا تألوا هذه النصوص جهدا فى الدفاع عنهم وتبرير ممارستهم وأقوالهم… الخ. حينئذ تغدو هذه النصوص هوامش شارحة على متن أمثال البسطامى والحلاج ورابعة وابن أدهم.. الخ. وهذا لا ينفى أنني أعي تماما، أن النص الخلفي المتواري، وكل ما يمكن أن نتصوره نصوصا هامشية وثانوية، قد تصبح هي العنصر الفعال في عملية القراءة الإبداعية للنص الذي يتصدر المشهد أو يبدو هكذا. لكننى أتحدث هنا عن نمط مختلف، وهو النمط الغالب، وحيث التعامل مع النصوص من زاوية وظيفية معلوماتية، لا من زاوية القراءة التي تحتفى بالمخبوء والثانوي والهامشي، وتسعى لفهم تشكل المعلن والرئيسي والمتن جدليا عبر مراياه وتحاوره معه، أو صراعه المضمر الخلاق معه.

ومن ثم لا يلتفت أحد لقراءة نص من هذه النصوص، سالفة الذكر، فى ذاته، إن جاز التعبير، مكتشفا إشكالياته وتناقضاته، ومساحات التباسه بغيره من النصوص المتنوعة سواء فى حقله المعرفى، أو خارجه، وطبيعة مخايلاته الأسلوبية، أو مراوغاته الفكرية والعقيدية.. إلخ، ناهية عن كيفية حضوره جدليا على هامش نصوص وتجارب من كتب عنهم وأرخ لهم وسجل أقوالهم، ودافع عن بعضهم، وهو ما يجلي طبيعة انحيازاته ما بين المعلن منها، والمتواري سواء كان قصديا أم لا، لعله يكشف عن وعي يميل للتخفى والتلاعب، تقية وحماية، وربما مغالاة فى الوضوح المحير إرباكا للقارئ المتلقي، وإحباطا لتوقعاته المسبقة عن غموض علوم أهل الحقيقة المضنون بها على غير أهلها. ومن المثير حقا فى هذا السياق، أن من اهتم بهذه النصوص، وحققها وقدم لها كانوا هم هؤلاء الباحثين الملتزمين، أهل الإعتدال عقيديا وأخلاقيا، ومن ثم كانت تحقيقاتهم ومقدماتهم وتعليقاتهم على هذه النصوص تكاد تشكل سياجات حصارية قمعية تحوط هذه النصوص، وتحدد مساحات التلقى لدى القارئ منذ اللحظة الأولى. لقد وقع هؤلاء فى فخاخ العلم المضنون به على غير أهله، فكانوا أول من استغقلت عليهم هذه النصوص، فما فكوا أختامها، ومارست عليهم قمعها المعرفى، واستلبتهم فى خدر الوضوح واليقين بامتلاك المعنى الصحيح والنهائي لها.

ورغم أن هذه النصوص، بلغة الدعاية والاستعراض، لا تشكل مدارا جاذبا أو تتمتع بسحر نصي آسر يشد إليها الباحثين والمبدعين، بقدر نصوص أهل الشطح والجموح والتفلسف الصوفي المغرقة فى التعقيد والرمزية والغموض، إلا أن ما تتسم به نصوص أهل الاعتدال من وضوح ظاهري، وسلاسة في الصياغة والأسلوب، يمكن أن يشكل من وجهة نظري مساحة إغواء جاذبة لقارئ متورط معرفيا يقلقه هذا الوضوح، وتثير تلك السلاسة هواجسه وظنونه وحيرته، فلا يقع فى هذا الفخ النصي المحكم. ومع ذلك، ستظل نصوص الجموح الصوفى المباشر رغم غموضه وعمقه هي الأكثر سحرا وإغواءً للقارئ المبدع المتمرد الذي يمارس من خلال استلهامه لهذه النصوص في إنتاجه الإبداعي، حضورا استعراضيا إغوائيا مركبا يستفز المتلقي، ويستدرجه في فضاء تفجر داخله كافة المحظورات والتابوهات المقدسة عبر إعادة تأويل وإنتاج النص الصوفي الجامح في سياق العمل الإبداعي. ومن اللافت في هذا الصدد، أن يستفز ويُستنفر المتلقي المحافظ عقيديا وقيميا، بقدر ما يحدث للمتلقى المتمرد، وربما أكثر، وهو ما يذكي مناخ العدوان العنيف ضد هذه النصوص، ويكرس لوهم النصوص الصوفية السنية المعتدلة، بل يجعلها مساحة آمنة يلوذ بها هؤلاء المحافظون ضد الهجمة الإلحادية اللأأخلاقية الشرسة للصوفية المارقين.

على أية حال، لا تخلو كلتا القراءتيْن من خيانة القارئ المعاصر للنص الصوفي الذي يغري بالخيانة، أيا كان ما يدعو إليه، لكن الفرق يكمن في أن قراءة حماة الدين والأخلاق بالمعنى التقليدي المحافظ، سالف الذكر، هي قراءة قامعة للنص وإمكاناته التأويلية الثرية، بل هي قراءة مجهضة لشهوة النص الكامنة المتطلعة لقارئ يفجرها، وينتشي بها، منتجاً قراءة اللذة والعذاب. أما القراءة الإبداعية المتمردة، فهى قراءة ممتعة لمنتجها ومتلقيها لكونها تكشف عن ثراء النص وعمقه وتنوعه الدلالي وسحره الأخاذ، وقد تلتفت، وتلفتنا إلى تناصاته البعيدة واللامعقولة، بل المهجورة المستبعدة، إن صح التعبير، كما تومئ من طرف خفي إلى مساحات الإلتباس والمرواغة والجدل المعقد مع النصوص الأخرى أيا كانت إنتماءاتها المعرفية، ناهيك عن كونها تجلي طاقات التمرد والتجاوز وطزاجة الطرح العارمة داخل النص. حينئذ قد تنتج هذه القراءة نصا جديدا موازيا يتبادل والنص المقروء إغواءً بإغواء، بل يمنحنا نحن المتلقين كثافة نصية آسرة ومركبة تسنفز داخلنا طاقات قرائية إبداعية خلاقة فننجز بدورنا نصوصنا الخاصة طارحين كل مسلماتنا وبديهياتنا للنقاش والمساءلة، وكأننا نخلق عالما خلقا مجددا ونثور غيا بذواتنا، وبكل ما عدانا مع كل قراءة ننجزها لقراءات لا تكف عن تجديد حضورها، ومنحنا نصوصا لا نهائية التنوع والثراء والزخم والعمق.

ولعل الفيصل بين القراءتين ليس فيما ذكرناه ، فحسب، بل في المنطق الذي تنطلق منه كل قراءة. فالقراءة الأولى تنطلق من ممارسة القارئ المعاصر سطلة دينية وأخلاقية على النص، ناهيك عن ميل انتقائي معياري وظيفي يحرك القارئ تجاه التوظيف النفعي والأيديولوجي للنص المقروء. أما القراءة الثانية، ورغم أنها قد لا تخلو من انتقائية معيارية ما، واسقاط لهموم المعاصرة بشكل أو بآخر، إلا إنها قراءة تحتفي بالمقروء، ولا تكف عن محاورة ذاتها، ناقضة دوما رغبتها المضمرة في السيطرة عليه، وهو ما يدفعها لإعادة النظر فى قراءتها وطرح السؤال تلو السؤال، ومحاولة بث روح الطزاجة والتجدد والابتكار فى هذه القراءة التي لا تتجاهل الحضور المستقبل المقروء فى تاريخه الخاص، وشروط إنتاجه المتفردة،. إن النص يعلن عن ذاته وحضوره الندي لقارئه، يحدثنا ويحاورنا كما نحاوره، فهو ليس متلقيل سلبيا لفاعليات قراءتنا المعاصرة، لهذا ينبغي أن نمعن النظر فيه وننصت جيدا لما يقول، بل أن نتكلمه ساعين لاستكناه مذاقه الخاص، واستنشاق عبقه الفريد، ولمس حوافه وسطوحه المخملية الناعمة المراوغة علنا ننفذ إلى خفاياه، أو يمنحنا قدرا من ثقته، ويصرح لنا بما تنطوي عليه رماله المتحركة الساكنة رغم موار الباطن وصخبه. أن هذه القراءة الذوقية قراءة العشق واللذة والخيانة، إذا صح التعبير، قراءة لا تحتمل سكون اليقين، وهدئة المعنى الصحيح أو النهائي، بل هي قراءة ربض داخلها الشك وأرسى، فمنحها طاقة حيوية خيالية خلاقة لا ينضب معينها أبدا.

ثانيا : يدعى الكثيرون من الباحثين المعاصرين، العرب والمسلمين المدافعين عن الصوفية الحقيقيين، أهل السنة والاعتدال، أنهم يردون على مزاعم المستشرقين الكاذبة، وقراءاتهم المغرضة المخلة للتصوف الإسلامي ونصوصه. ويركز هؤلاء الحماة في الرد على نظرية المصادر الشهيرة التى أسهب المستشرقون فى الحديث عنها، إذ حاولوا بكل الطرق والبراهين والأدلة رد التصوف الإسلامى لمصادر خارجية، وتأثيرات وافدة من ديانات وحضارات أخرى سابقة على الإسلام. ويرد هؤلاء الباحثون العرب، والمسلمون على هذه التصورات الاستشراقية، والتي تندرج بصورة ما داخل فضاء المنهج الاستشراقى العقيم حول التأثر والتأثير، بإرجاع التصوف الإسلامى لمصدر واحد أساسى هو المصدر الإسلامى (القرآن والسنة، وأخبار الرسول، وآثار السلف الصالح). وناهيك عن أن الفكرة ليست عبقرية، أو تجسد تمردا عارما على التصور الاستشراقي، خاصة أن نيكلسون تبناها، ودعمها بالعديد من البراهين والأدلة، فإن ما يلفت النظر حقا هو أن هؤلاء الحماة المحتشدين ضد الدعي الغربى، المستشرق المتآمر على تراثنا العظيم، لم يفعلوا شيئا سوى أنهم أعادوا إنتاج الخطاب الإستشراقى بكل آلياته المنهجية، واستندوا إلى نفس النظرية العقيمة، نظرية المصدر الأصلي لفكر ما أو رؤية معرفية فلسفية أو صوفية .. الخ. وبدت جهودهم الدؤوبة لإثبات المصدر الإسلامي للتصوف، ونفي وإقصاء المصادر الأخرى مجرد رد فعل انفعالى ديني لا يخلو من نزعة عرقية مركزية استعلائية، وكأننا فى ساحة الجهاد والدفاع عن المقدسات ضد هجمة المعتدى الغربى. وهى ممارسة المقموع تجاه القامع، حيث لا يخلو وجدان المقموع من إزدواجية شعورية تجاه القامع تتراوح ما بين الخوف ومشاعر الدونية والانسحاق، والكراهية والرفض والإنكار، ناهيك عن التوجس والتربص والحذر، ووعى التآمر والدس والوشاية، من ناحية، وبين الإنبهار والسعى لتبنى وسائل القامع ومنهجياته الأكثر تطورا، وإعادة إنتاجها فى شتى المجالات بصورة دفاعية انفعالية ومتعالية تخلو من محاولة الفهم أو هضم المعلومات واستيعابها، أو رسم استراتيجية ناجحة لكيفية المواجهة لحضور القامع نقضيا ونقديا بما يؤدي لتحقيق خصوصية حضور الذات وتحريرها من سطوة القامع ونموذجه المهيمن القامع وتصوراته المبهرة والمربكة فى آن، من ناحية ثانية.

ومن ثم لم يقدم لنا باحث من هؤلاء المعتدلين نقدا علميا ومنهجيا لنظرية المصادر تلك، ناهيك عن ضرورة إعادة النظر مبدئيا فى فكرة المصدر الأصلي لأي نتاج فكري أو إبداعي في ظل ما قدمته نظريات القراءة المعاصرة خاصة حول التناص، وإمكاناته اللانهائية، ونتائجه المدهشة، وتلاشي فكرة الأصل أو المصدر الأول باعتبارها فكرة هلامية ذات طابع ميتافيزيقي. ولعل هؤلاء الباحثين المعتدلين الملتزمين قد تناسوا الطابع المنفتح دينيا وثقافيا للحضارة الإسلامية الوسيطة، وربما كانوا يعبرون عن نوع من الحنين المرضي لأحلام مشتهاة، وهمية ومغالية، حول نموذج حضاري يبرز تفرده وتتجلى عظمته في انغلاقه الأصولي النرجسي المدمر على ذاته، وانعزاله العقيم عن غيره من الحضارات والثقافات ورفضه الصارم لإقامة علاقات حوارية وتلاقح ثقافي تبادلي مع الآخر المختلف.

ومما يثير الانتباه فى هذه السياقات البحثية هو ذلك التواطؤ الخفؤ والمضمر بين هؤلاء الباحثين والمعتدلين الملتزمين وبين بعض النوايا المغرضة والسيئة لمن يتهمونهم بالتآمر على الإسلام وتراثه من المستشرقين، ويكتبون أبحاثهم الجادة ردا عليهم، ودفاعا عن العقيدة والتراث الإسلامى لوجه الله والحق. ففؤ حين يتبعون آراء المستشرقين، وتقسيماتهم لتاريخ التصوف الإسلامى لمراحل محددة ذات ملامح خاصة تفصل بين الزهد والتصوف الشطحي والسني والفلسفي، ويكرسون لها، كأنها مسلمات نهائية غير قابلة للنقاش، فإنهم يقبلون المنطق الاستشراقي الذي يرجع أي نتاج فذ وعبقري في الحضارة الإسلامية لمصادر وأصول حضارية خارجية، ومن ثم، يناقش تصوف أهل الشطح (كالبسطامي والحلاج) ، والتصوف الفلسفى عند ابن عربي على سبيل المثال، لا الحصر، بوصفه نتاجا عبقريا متفردا لكنه يستند إلى مصادر وتأثيرات هندية ومسيحية ويونانية وفارسية، ولعل هذا هو سر عبقريته، وهذا بالضبط ما يوافق عليه هؤلاء الباحثون الملتزمين المعتدين، لأنه يوفر لهم المخرج المناسب لدعم قراءتهم المحافظة للنص الصوفي، حينئذ يستبعد هؤلاء المتصوفة المارقين، وقد جلى سر مروقهم عبر استنادهم لمصادر حضارية ودينية غير اسلامية وفقا لشهادة المتآمرين أنفسهم، بينما يغدو المتن الحقيقي الرسمي المعترف به، والمعبر عن التجربة الصوفية الخالصة النقية في الإسلام هم المتصوفة السنة المعتدلين الذين استقوا تصوفهم من المصدر الإسلامي مجردا من تشوهات العلاقة المشبوهة مع الآخر المختلف دينيا وحضاريا وثقافيا.

حكم نهائى، ونوع من تحديد الإقامة المعرفية الجبري، حرم هؤلاء المتصوفة المقيدين بالسنية والإعتدال لزمن طويل من حقوقهم القرائية المحتملة والمتنوعة والثرية، ونأى بهم عن مدارات الفكر الإبداعي الحر الخلاق. ناهيك عن استبعاد طاقات صوفية عبقرية فذة من مجالات الدرس العربي الإسلامي، إلا فيما ندر فيتبدى المشهد محتكرا من قبل المتسشرقين المغرضين، فنكاد لا تجد دراسة أنجزت حول الحلاج تطاول ما أنجزه ماسينيون “في عذاب الحلاج”، ولا دراسة تقارب دراسة كوربان حول الخيال الخلاق عند ابن عربي، ولا تفرغ علمى غزير الإنتاج كتفرغ آن ماري شيمل لجلال الدين الرومى، أو شروح كشروح نيكلسون على المثنوي… الخ.

وأخيرا ، يظل هنا صوت لم نصغ إليه، قابع هناك فى أعماق التاريخ الوسيط في نصوص المتصوفة أنفسهم هؤلاء الذين كتبوا على أنفسهم إقرارات ذاتية بتبعيتهم الصارمة لأهل السنة والسلف الصالح، وميلهم المتزن الهادئ للاعتدال الصوفى، وهو ما يبرر مواقف المعاصرين، وينفى عنهم الاتهامات السابقة… ترى هل نحن تعسفنا وبالغنا في ما ذكرنا؟ أم لعل هذه الإقرارات الصوفية تحتاج إلى إعادة القراءة التي قد تكشف لنا ما لا نتوقع؟

على أية حال، لنترك السؤال مفتوحا علنا نحتفي بطرحه ومناقشته فى مقام آخر

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق