خواطر صوفية: معتدلون ولكن…

 إقرارات صوفية عقيدية متواترة بكثافة فى مقدمات المدوناتوالنصوص الصوفية منذ القرن الرابع الهجرى حول مدى صحة عقائد المتصوفة، وخلوها منالبدع والضلالات، وعدم تناقضها من قريب أو بعيد مع عقائد السنة الصحيحة، وأهلالاعتدال، وخاصة فيما يتعلق باحترام المتصوفة الكامل والمطلق لظاهر الشرع بقدرالتعمق فى مستوياته الباطنية الخفية، مصداقا لقوله تعالى فى سورة الكهف ﴿”فوجدا عبدامن عبادنا آتيناه رحمة من عندنا، وعلمناه من لدنا علما”﴾. صخب لافت، ولغة مترعة بالمبالغة والمغالاة، رغم الصياغة الشكليةالهادئة الرصينة، وادعاءات الاتزان، وزخم التوازن العقيدي والقيمي. ناهيك عن إلحاح مخايل، وإصرار لجوج عارم حول الاختيار والاصطفاء الإلهى لهذه الطائفة من خلقه،فجعلهم صفوة أوليائه وخيرة عباده، وفضلهم على الكافة بالعلم والفهم النافذ لكتابهالمقدس، وهبا ومنحة وجودا من كرمه، إذ يقول الله تعالى فى سورة آل عمران : “ومايعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم، يقولون آمنا به، كل من عند ربنا”.

يقول السراج الطوسى فى اللمع : [ت 378] “لا علم معلوم ولا شيء مفهوم إلا وذلك موجود في كتاب الله عز وجل، أو مأثور عن رسول الله، أو فيما فُتح على قلوب أولياء الله”.

ولا يتجاهل هذا الإقرار الذي يمكن أن نعتبره من قبيل مخايلات القداسة الدينية، كون هؤلاء الصفوة المعرفية والدينية والأخلاقية المختارة، يأتون في درجة الوساطة ما بين الخلق والله، بعد الأنبياء والرسل، وعلى رأسهم النبيالخاتم، محمد فيما ينص الطوسي. يقول القشيرى فى رسالته: [ت 465] ” لقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على كافة عباده بعد رسله وأنبيائه، صلوات الله وسلامه عليهم، وجعل قلوبهم معادن أسراره، واختصهم بين الأمة بطوالع أنواره، فهم الغياث للخلق، والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق، صفاهم من أكدار البشرية، ورقاهم إلى محال المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية، ووفقهم للقيام بآداب العبودية، وأشهدهم مجارى أحكام الربوبية، فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف، وتحققوا بما منه سبحانه عليهم من التقليب والتصريف، ثم رجعوا إلى الله سبحانه وتعالى بصدق الافتقار، ونعت الانكسار، ولم يتكلوا على ما صفا لهم من الأحوال، علما منهم بأنه جل وعلا يفعل ما يريد، ويختار من يشاء من العبيد أمره قضاء فصل”.

ولعلنا نلاحظ كيف يؤسس أهل التصوف السني المعتدل، حضورهم وأقرانهم كنخبة خاصة متميزة تقف بإزاء غيرها من النخب السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية، غير أن الأمر هنا يتجاوز الحدود الإنسانية المعتادة والمعايير المتعارف عليها في هذه السياقات. ذلك أن النخب سالفة الذكر بمستوياتها المتنوعة تستند في حضورها وتميزها إلى سمات وخصائص دنيوية سواء كانت فطرية أم موروثة أم مكتسبة، كالسلطة والسطوة والنفوذ وشرف العرق والنسب والمال، وشرف العلم والمعرفة سواء كانت دينية أم دنيوية، نقلية أو عقلية، في مباحث الدين والفقه والتشريع، أم مباحث اللغة والبلاغة، والإبداع الشعري أو النثري، أم مباحث الكلام والفلسفة…الخ. أما النخبة الصوفية المتميزة، معرفيا وعقيديا وقيميا، أو كما يطلقون علىأنفسهم “خاصة الخاصة”، فإنما تؤسس في إطار معايير المفارق المقدس، المضنون به علىغير أهله، بداية من الاصطفاء الإلهي كالأنبياء والرسل وأهل العلم اللدني الغيبي، كالخضر الأسطورة الخالدة الذي فاق النبي موسى في معرفته بالحكمة الإلهية الخفية، ثم التصفية من كدر البشرية، وهى من قبيل التربية والتأديب والتعليم الإلهي، إذ يغدوالعبد الصوفي المحقق متخلقا بالأخلاق والصفات الإلهية الراقية، مجليا لبهاء الحقوصورته عبر مرآته، كما سيبلور ابن عربي العلاقة فيما بعد. ناهيك عن المنح والهبات المعرفية، وفياضات الأنوار الإلهية، إذ ينجلي لهؤلاء حقائق الأحذية العزيزة المحتجبة، كما يطلعون على أسرار وخفايا الأحكام الربوبية في الكون… الخ.

ولعلنا نلاحظ الطبيعة الوجودية المركزية لهؤلاء، فهم غياث الخلق أو كما يقول الطوسى، أمناء الله، جل وعز في أرضه، وخزنة أسراره وعلمه، توجهم بتاج الولاية، وسبق لهم منه الحسنى بحسن الرعاية ودوام العناية والحفظ بدلا من عصمة الأنبياء. إنها إرهاصات مبكرة، وبدايات خجولة ساذجة، سينضجها ويجليها “محيى الدين ابن عربي” حين يتحدث عنالإنسان الكامل جلاء مرآة الوجود، الخليفة، حافظ خزائن الجود الإلهي، والعمد الماسك للوجود، إذ لا يزال العالم محفوظا مادام فيه الإنسان الكامل لأن القصد الثاني منالخلق، فقد خلق العالم من أجله. إن هؤلاء الكمّل المتحققين بالمعرفة والهداية منالصالحين البدلاء الصديقين الأبرار المقربين… فيما يقول الطوسى، هم خلفاء وأولياء دولة الباطن الدينية المستترة في مقابل خلفاء الظاهر الدنيويين في دولة الحس الزائفة الوهمية.

يقول الرومى فى مقدمته للكتاب الأول من المثنوي، وقد كتبها بالعربية، ما يلي: “أولو البصائر الربانيون الروحانيون السمائيون العرشيونالنوريون، السكوت النظار، الغيب الحضار، الملوك تحت الأطمار، أشراف القبايل، أصحاب الفضايل، أنوار الدلايل”.

إلى أي مدى ينطوي هذا الخطاب القداسي المفارق على نوع من المخايلة القمعية التي تمارس إزاء كافة النخب المجتمعية القائمة والمهيمنة؟ ولعل الهاجس السياسى هو الأكثر تواريا، وغيابا، لكن حضوره مؤرقا وملحا، إذ يضعنا هذا الخطاب إزاء أخطر أنواع السلطة، وأكثرها تأثيرا وفاعلية، خاصة على العامة والبسطاء، ومن ثم فهي سلطة مهددة ومستفزة لغيرها من السلطات، خاصة السياسية والدينية. إنهاسلطة القداسة الروحية ذات الطابع الخارق والإعجازي، والتي تملك على الناس أرواحهم وقلوبهم، وتخايل انفعالاتهم الدينية وأحلامهم الفردوسية المشتهاة. ولا تكمن خطورةهذه السلطة فحسب في تأثيرها، بل في كونها مستمدة مباشرة من الإله الواحد الذي اصطفى هؤلاء وهداهم وعلمهم حكمته الخفية، ناهيك عن امتداد سلسال الوراثة المعرفية بمستوييها الظاهري التشريعي (النبوي والرسالي)، والباطنى (الولاية والعلم اللدني الغيبي)، أو كما سيبين ابن عربي فيما بعد إذ يحدثنا عن دائرتيْ “النبوة والولاية”.

وليس هذا، فحسب، بل إنها سلطة تكتسب المزيد من المشروعية والمصداقية الروحية عبرجعل هؤلاء المحققين هم الورثة الفعليين للسلسال الفاضل من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين (السلف الصالح)، وهو ما سينص عليه ويكرسه ابن خلدون في مقدمته، فيما بعد. بل أن الهجويرى ت (465هـ)، فى كتابه كشف المحجوب، يدون ثلاثة أبواب في ذكر أئمة المتصوفة من [الصحابة والتابعين وتابعي التابعين] متتبعا بالتفصيل كل الآثار والأخبار والأقوال، بل الكرامات والخوارق المروية عنهم، وكأنه يعيد تقديم هؤلاءجميعا وقراءة تاريخهم من خلال مرايا المتصوفة المتخيلة، ويسقط عليهم كل ما يؤكد ويدعم ذلك النسب الوراثي الديني والمعرفي والروحي والسلوكي.

إنها الوراثة الحقة فى الأمة الإسلامية، فهؤلاء وحدهم هم العلماء ورثة النبوة والوحي والسلف الصالح، والعلم الإلهي الغيبي دون غيرهم، فيمقابل كافة الوراثات المدعاة المتنوعة، المادية والمعنوية، الزائفة والوهمية. فيأزمنة رديئة متقاربة في غضون القرن الرابع الهجري، تنويعات نصية تبدو متباينة، لكنها تتواتر متوالية على نفس التيمة. حضور صوفي مراوغ يتبلور تدريجيا شديد الوطأة والثقل في مقابل الحضور السلطوي متعدد التجليات والمستويات في عصر الانهيار السياسي، العصر العباسي الثاني، حيث الخلافة السياسية فقدت مركزيتها وسطوتها الموحدة، وتفتت إلى دويلات تحكمها عناصر عسكرية مستبدة متنوعة الأعراق والأجناس، وتناحرات وصراعات دموية، وأوضاع حضارية متردية على كافة المستويات . ترى ماذا يريد الخطاب الصوفي أن يطرح، هل هي دولة دينية قداسية بديلة لدويلات دنيوية تتلاعب بالعصبية في كافة أشكالها وتجلياتها؟ أم أنها محض نوستالجيا دينية وحنين مؤرق للعصرالذهبي، صدر الإسلام، وإعادة صياغة مثالية مخايلة له بوصفه النموذج الأعلى، والقدوة المحتذاة، والفردوس الأرضي المأمول؟ بعبارة أخرى، هل فارق المتصوفة حقا هذا العالم وزهدوا فيه، وتمردوا على مفاهيمه وصراعاته وسلطاته، ابتعادا وتبرما وتعاليا وطلبا للباقي الخالد الأزلي؟ وهل تنشأ الميتافزيقا إلا من تبرمنا بالواقع الرديء، فيما يقول برديائيف الروسى.

من الحقائق اللافتة في هذا السياق تلك العلاقة السمحة الطيبة بين القشيري، عبر الإمام الجويني، إمام الحرمين رئيس المدرسة النظامية، وبين الوزير نظام الملك حامى الإمام الغزالي (إمام التصوف السني) الذي تتلمذ بدوره على الإمام الجويني، وخلفه في رياسة المدرسة النظامية. ونحن لا يمكننا أن ننسى دور الغزالي الهام في هدم العقائد الإسماعيلية عبر كتابه فضائح الباطنية، وكونه المرشد الروحي لأم لخليفة فى ذلك الحين، والعضد القوى لنظام الملك وزير السلاجقة الشهير حتى قتل، وأزمة الغزالي بعد مقتله، وفراره إلى دمشق… إلى ماذا تشير هذه العلامات، وهل كان لدى أهل التصوف السني المعتدل، مشروع سياسي مضمر ممتد، ومتصاعد؟

يقول السراج الطوسى: “ينظر الناظر في كتابي هذا، عن تيقظ وتنبه… بحسن التوقف والتفكر والتأمل والتدبر، بخلوص النية وطهارة القلب وصحة القصد، متقربا إلى الله تعالى بذكره ﴿لا ندري ذكر الله أم ذكر الكتاب﴾، وشاكرا له ما منحه من تسديده وتوفيقه وهدايته إلى موالاة هذه العصابة (أهل التصوف)، ومناوأة من بسط لسانه فيها بالوقيعة فيهم والإنكار عليهم، وعلى سلفهم الماضين، رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، لأنهم العصابة القليل عددها، العظيم عند الله قدرها وخطرها”.

رغم ما يمكن أن نجده من صلات جلية بين التصوف والتشيع، خاصة تصوف أهل الشطح والمتأخرين كابن عربي والمتصوفة الفرس.. الخ، وقد دونت في هذا الصدد دراسات عديدة هامة، إلا أن السؤال الذي كان دائما يلح علي هو: “هل سعى المتصوفة عموما أيا كانت الصبغة الغالبة على رؤيتهم إلى نقض جذور الخطاب الشيعي من داخله، خاصة فيما يتعلق بمسألة الإمام المعصوم (المهدي المنتظر)؟ أو بعبارة أخرى، أرادوا الانقلاب على الاحتكار الشيعي للسلطة الروحية للأئمة من آل بيت النبى، وهو ما يؤسس وراثة النبوة تشريعيا ومعرفيا وروحيا على أساس الوراثة العرقية، وراثة الدم النبوي؟. ولعل المتصوفة أرادوا توسيع المشهد، ونفىالأساس الوراثي القائم على العرق والدم، خاصة أن دعوة بنى العباس بدأت بالدعوة للعلويين ثم احتكرت الأمر لنفسها بوصفهم بني العمومة، وأصبغوا على خلافتهم طابعا ثيوقراطيا جعل الخليفة العباسي ظل الله في الأرض. وربما كان المتصوفة يسعون لتطبيق معايير التقوى والصلاح ووراثة المعرفة والعلم، الميراث الحقيقي للأنبياء من وجهة النظر هذه، حينئذ يتساوى كافة المسلمين طبقيا وعرقيا ودينيا، ويغدو السبيل الوحيد للتحقق بالميراث النبوي، ميراث المسلمين جميعا، هو السعي الدؤوب في طريق الصلاح الصوفي، والتخلق بأخلاق هذه العصابة الراقية، والانتساب إليها. من المثير للانتباه في هذا الصدد ما يروى عن الإمام جعفر الصادق والإمام الرضا من أقوال شتى يهاجمان فيها الصوفية والتصوف هجوما دينيا وأخلاقيا عنيفا وجليا.

ولكن ماذا عن المعيار الخارق، معيار الاصطفاء الإلهي الذي لايخضع لمنطق العقل الإنساني أو قرانات السببية المتعارف عليها، ولعلنا نذكر ما ختم به القشيرى مقدمته حين أكد أن المتصوفة العارفين، لا يتكلون على ما حصل منهم منالأعمال، لأن الله جلا وعلا يفعل ما يشاء ويختار من يريد من العباد، لا يحكم عليه خلق، ولا يتوجب عليه لمخلوق حق، وأمره قضاء فصل.

يقول البسطامي: “طلبت الله ثلاثين سنة، فإذا أنا ظننت أني أردته فإذا هوأرادني”

أي معيار يمكن أن يواجه هذا المعيار القداسي، وأي سلطة يمكن أن تواجه سلطة من أراده الله وأختاره بلا سبب محدد أو ترتيب منطقي يقبله العقلالإنساني القاصر العاجز، عقل أهل الدنيا؟ حيث يستشرى العبث والفوضى واللامعقول في الواقع، واقع أزمنة الانهيار والتردي، وحين تنتفي سمات الجدارة والاستحقاق، ويغدو الأمر مشاعا، ومنابر السلطان مستباحة لكل مغامر جريء غفل من المواهب إلا قدرته على التلاعب والمخاطرة، والجسارة الوقحة المنفلتة خارج كافة القوانين والحدود والمعايير، ربما لا يغدو هناك سبيل سوى مواجهة هذا كله بالمباغتة الإلهية أوالفجأة الخارقة التي لا يتوقعها أحد، ولا يحكمها إلا ذلك القضاء الإلهي المطلق،الذي لا سبيل لمواجهته أو صده أو الاعتراض عليه أو حتى فهم كنهه.

أيا كان الأمر، فلا أعتقد أن طرح المتصوفة لحضورهم المركزي، معرفيا وعقيديا ووجوديا وقيميا كان محض حالة صوفية متعالية، ولعل نظريات ومفاهيم، من قبيل المطاع عند الغزالي، وختم الولاية العامة عند ابن عربي لم تكن مجرد نتائج للتأثير الشيعي، بل لعلها كانت استلابا له، وانقلابا عليه.

ويظل مفهوم الاستغناء المطلق عما سوى الله، والاستئناس به،والاستيحاش من الخلائق، والزهد التام في مباهج هذه الدنيا، وشهواتها وأهوائهاوملذاتها المادية والمعنوية، مفهوما مربكا ومحيرا، بل قامعا ومهددا لأهل الدنيابكافة مستوياتهم ومواقعهم. فمن ناحية، يعرّض أهل الاستغناء بهؤلاء الأذلاء الواقعينتحت ضغط الافتقار الدائم، والحاجة الهاتكة، لكل ما هو دنيوي عدمي زائل، رغم وهمالوفرة والغنى الذي يخايلهم بالأمان والاستقرار والتمكين، وما هي إلا حقيقة قاسية،تباغتهم بظهورها، وتجردهم من كل ما يرتكزون إليه من سطوة ونفوذ ومال وولد… الخوتكشف لهم عمق الوجود القبيح. أنها تلك الحقيقة البسيطة الموحشة، الكل باطل، وقبضالريح ما خلا الله. ومن ناحية ثانية، فليس هناك أخطر ولا أكثر تهديدا من هؤلاء الذينيعلنون الاستغناء الذاتي، ويلوذون بالمطلق المتعالي، وقد تساوت لديهم كل الأشياء،ولم يعودوا قيد معايير الربح والخسارة. وربما يكون خطاب الاستغناء والزهد والورع هوالخطاب الأكثر إغواء وتأثيرا في فضاءات العامة والبسطاء، خاصة في أزمنة القهروالفقر والاستغلال العبودي، والاستبداد القمعي. ولسنا في حاجة إلى الحديث عن أوضاعالعامة في تلك الأزمنة، هؤلاء الغوغاء الرعاع الدهماء من وجهة نظر النخب بكافةمستوياتها، كما هو معروف. بل إن المبالغة الصوفية في الحديث عن الهبات الإلهيةللعارفين، والتي تقاربهم من تخوم الربوبية نفسها، في نص القشيري السني المعتدل،لا تجعلهم لا يفارقون مدار العبودية المحضة، بل أنهم يتقربون لخالقهم القدير بصدقالافتقار ونعت الانكسار، ولا يستغلون هذه الميزات الإلهية أو يمارسون من خلالهاسطوتهم، أو يتعالون بها على غيرهم من البشر والكائنات. ترى ما هي المقارنة الممكنةفي هذا الإطار بين هؤلاء، وبين أهل الدنيا وأصحاب المشهد السلطوي الذين يسيرون فيالأرض اختيالا وفرحا، يبغون ويطغون بما لديهم من مميزات زائلة فانية ؟

ومن المثير للانتباه حقا في هذا السياق، هو ما يورده السراج الطوسي حول تفسير قول النبي “العلماء ورثة الأنبياء”، إذ يوسع الدائرة، فيقول: “عندى، والله اعلم، أن أولي العلم القائمين بالقسط الذين هم ورثة الأنبياء، المعتصمون بكتاب الله تعالى، المجتهدون في متابعة رسوله، المقتدون بالصحابة والتابعين، السالكون سبيل أوليائه المتقين وعباده الصالحين، هم ثلاثة أصناف : أصحاب الحديث، والفقهاء والصوفية…. هؤلاء هم ورثة الأنبياء”.

ترى ما هي الخلفية التي على أساسها تمت صياغة هذا التحالف بين من يُفترض أنهم فرقاء، متعادين بصورة ما، فأصحاب الحديث هم أهل النقل والرواية، والفقهاء أهل الظاهر والاجتهاد، والصوفية أهل الباطن والتأويل، أو هذا هو التصنيف السطحي للمشهد؟

بالطبع يشرح الطوسي هذا الطرح في إطار أركان الدين الصحيح وأصوله التي ينبغي على كل مسلم إذا أشكل عليه أمر ما من أمور العقيدة أن يعود لهؤلاء الثلاثة، مصداقا لحديث الإيمان حين سال جبريل الرسول عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال : الإسلام ظاهر، والإيمان ظاهر وباطن، والإحسان حقيقة الظاهر والباطن.

وفى مقابل هذا الطرح يؤكد الطوسي، ومن بعده القشيري، إنهما كتبا هذه المدونات الصوفية، وجمعا أخبار وسير وأقوال ومصطلحات الصوفية، لأن المحققين المخلصين من أهل هذه الطائفة، انقرض أكثرهم في هذا الزمان، وكادت الطريقة الصحيحة أن تندرس، وكثر الخائضون بالشبهة في العلم الصوفي من الدجالين والكذابين والمشعوذين .. الخ. يقول القشيرى :”حصل الضعف في هذه الطريقة، لا بل اندرست، وقد مضى الشيوخ الذين كان بهم الاهتداء… وزال الورع، وطوي بساطه، واشتد الطمع، وابتعدت عن القلوب حرمة الشريعة، فرفضوا التمييز بين الحلال والحرام، استخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركنوا إلى اتباع الشهوات، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات، والارتفاق (الاستعانة) بما يأخذونه من السوقة والنساء وذوى السلطان (ويا له من قران مثير للانتباه)… ثم أدعوا أنهم تحرروا من رق الأغلال، وتحققوا بحقائق الوصال، وكوشفوا بأسرار الأحدية، وزالت عنهم أحكام البشرية… ولما طال الابتلاء.. أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر (التصوف) على هذه الجملة بنى قواعده… فوجهت هذه الرسالة .”

هكذا يسعى الطوسى والقشيرى والهجويرى والكلاباذى… الخ إلىالدفاع عن التصوف الصحيح، وعلومه الحقة، وطرائقه الصافية والسليمة من الهوى والزندقة والمروق والمغالاة، وهو الدفاع الذي يرده لحظيرة الإسلام الحق. خاصة أن د. عبد الرحمن بدوى ينبهنا في كتابه عن تاريخ التصوف الإسلامي إلى الهجوم العنيف الذي شنه الملطي (ت 377هـ) فى كتابه “التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع” على التصوفوالمتصوفة بوصفهم مارقين ملاحدة منحلين فاسقين شواذ، ويطلق عليهم أعداء الله. حينئذ يغدو التصوف الصحيح السني المعتدل مكملا لدائرة العلم الدينية الأصلية (الحديث/ الفقه/ التصوف)، بل هو في الحقيقة الأصل الباطني لهذا الخطاب الديني التشريعي الدنيوي الظاهري، والعمق الغيبي الإلهي اللدني الذي لا يعلمه إلا الأنبياء والرسل والأولياء المختارين. إنها المعالجة التي لا تفتح المساحة للتحالف مع المتن الديني الرسمي المعترف به، فحسب، بل لعلها تنقض التراتب، وتعيد صياغته، بما يجعل للتصوف حق الهيمنة بوصفه تعبيرا عن المعرفة السرية المضنون بها على غير أهلها، معرفة خاصة الخاصة، وهو مفهوم للمعرفة يعيد إنتاج القمع على الآخر المحاصر بحدود معرفة الظاهرالمعلنة الواضحة التي لا تستطيع النفاذ لباطن العقيدة.

ترى هل يمكننا أن نتجاهل أن كل هذه المدونات وضعت بعد مأساة الحلاج ومقتله الدموي سنة 309هـ. يخبرنا ماسينيون في دراسته الهامة عن الحلاج  أن أكثر الفقهاء الذين تحمسوا ضد الحلاج، وحاكموه ووقعوا ضده من الشهود كانوا من أتباع المذهب المالكي، أما أعضاء المذهب الحنفي بزعامة القاضي ابن البهلول، فتحفظوا ولم يوقعوا، في حين امتنع الشافعية عن المشاركة وفقا لموقف قاضيهم ابن سريج. أما الموقف اللافت والمثير، فهو موقف الحنابلة الذين لم يمتنعوا عن الشهادة والتوقيع فحسب، بلأنهم أثاروا الشغب بقيادة زعيمهم ابن عطاء الله السكندري، المحدث والصوفي السني المعروف الذي لجأ إلى التظاهر بمواكب حنبلية، للدعاء على الظلمة في الطرقات والأسواق في محاولة لإنقاذ صديقه الحلاج، وبتواطؤ مضمر محتمل مع الحاجب نصر القشوري السني الحنبلي المتحيز للحلاج، ضد حامد الوزير العباسي سيء السمعة، الذي كان جابيا للضرائب يتمتع بالقسوة والطمع والاحتيال، حتى وصل للوزارة وهو طاعن في السن بوسائل غيرشريفة، والذي رأى ماسينيون أنه حقد على الحلاج وصحبه لأنهم كانوا يصرخون عاليا في الطرقات ضد سياسة الاستغلال الضريبي الفاحش الذي دفع بالناس للجوع والفاقة والثورة.

وأيا كانت تفسيرات ماسينيون، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معها، فإن مناصرة الحنابلة الحشوية، أهل الحديث المتعصبين، والذين وبخهم الخليفة الراضي علىعقائدهم التشبهية، وامتناع فقهاء الشافعية وتعاطفهم، وتحفظ الحنفية دون مغالاة فقهاء المالكية الظاهرية، ومتكلمي المعتزلة، بل تحريك الدعوى ضد الحلاج على يد ابن مجاهد، رئيس جماعة القراء لمدة عشرين عاما، والذي رسخ المصحف العثماني، وبلغ أوج شهرته فى عصر الحلاج… كل هذه أمور لافتة تثير التساؤلات أكثر مما تقدم من الإجابات، وتجلى لنا خريطة مليئة بالمفارقات والتناقضات والتعقيدات السياسية والدينية والاقتصادية.. الخ، وهى الخريطة التي ربما كانت كامنة ومتوارية في خلفية، بل في عمق هذه المدونات الصوفية السنية المعتدلة في القرن الرابع الهجري، أو كما قدمها كاتبوها. وربما يجدر بنا أن نشير في هذا المقام إلى أن القشيرى نفسه كان قد تعرض لمحنة سببها وشاية سعى بها فقهاء ومتكلمو المعتزلة بينه وبين السلطان السلجوقي السني طغرلبك، أدت إلى إصدار أوامر بالقبض عليه ونفيه، وانتهى الأمربفراره إلى بغداد.

وينبغى لنا هنا أن نلتفت إلى أمر هام هو أن القشيرى حيث تحدث عنهؤلاء المتشبهين بالمتصوفة، المدعين لمعارفهم، والذين يرتكبون المحظورات لأنهم زالت عنهم أحكام البشرية، ما هم إلا أفاقين بين طلاب دنيا، ربما كان يتبنى استراتيجيات الخطاب النقيض المناوئ المهاجم للصوفية وطرائقهم ومعارفهم، على خلفية مما حدث من أصحاب الشطح عامة، والحلاج خاصة، لا ليكرسها بل ليجهض إمكانات تصعيدها، وما يترتب على هذا التصعيد من مخاطر فعلية، بل ملاحقات واعتقالات، وتصفيات دموية، إن احتاج الأمر. ولا أظن أن القشيري كان يومئ من طرف خفي إلى الحلاج وأقرانه، كما قد يتصور البعض، خاصة أنه يورد العديد من أقوال البسطامي والشبلي والحلاج في معرض حديثه عن مصطلحات ومفاهيم الطريقة دون أي حساسية أو توتر، وإذا كان لا يدافع عنالحلاج بصورة مباشرة، فإنه في تعريفه لمصطلحات السكر والصحو والوجد والمحو والإثبات… الخ، يجلى عمق التجربة الصوفية التي لا يمكن اختزالها بمعايير الكفروالإيمان، لمن لم يذق، ولم يعرف من أهل الدنيا. بل أن السراج الطوسي يكتب نصا طويلا حول أغلاط من يسميهم المترسمين بالتصوف، ويكفر جماعة الحلولية، لكنه، وفيما يلاحظ بدوى وهى ملاحظة ذكية وهامة يورد الحديث عن جماعة الحلولية بصيغة الشك، وكأنه ينكر أن يقول أحد من المتصوفة هذا الكلام، بل يقرر أنه لم يصح عنده خبرهم. وليس هذا فحسب بل أنه حين يشير إلى الحلاج ويورد أقواله في مواضع أخرى، لا يعتبره من هذه الجماعة،بل يتحدث عنه كأحد الشيوخ الكبار الأجلاء.

على أية حال، أغلب ظني أن جل المتصوفة، حتى من رفعوا شعارات الاعتدال والسنية، كانوا يتعاطفون مع الحلاج، ويصوغون دفاعات تبريرية تعذر أهل الشطح، وتتذرع بوقوعهم تحت أحكام التقليب والتصريف الإلهي، بلغة القشيري، وعدم قدرتهم على مواجهة الفجأة الإلهية المباغتة، فينطقون بما لا يقال، ويخرجون عن أطوارهم، ويسقطون في المحظور، ويبوحون بالأسرار. وياله من منطق للدفاع، يقبل كلأنماط الانفلات والمروق والجموح والشطط دون أن يتبناها أو يدعو لها، أو هذا ما يبدو، ولعله يكرس لها بصورة مضمرة، يقول الطوسي في حديثه عن الوجد   :”وأما من فارق العلوم الظاهرة، فغير مأمون عليه الزلل، ومن سلكغير المحجة كان من السلامة على خطر”.

وتبقى هذه النصوص السنية المعتدلة محيرة وملغزة رغم سلاستها ووضوحها المثير ويبقى السؤال مولدا للسؤال: هل حقا كان الأمر برمته تعبيرا عن قناعة دينية حقيقية، ورغبة عقيدية محضة ومخلصة في تعديل مسار التجربة الصوفية، خاصة بعداندفاعات القرن الثالث الجامحة، وما نتج عنها من مواجهات دامية؟ أم لعلها ممارساتالتقية ومخايلة القمع، ومرواغة نصوصه ورجاله وطرائقه، رغبة في تهدئة الأحوال،وحماية للتصوف وأهله ومعارفه؟ أم أنها صراعات خفية ولا معقولة في لعبة الهيمنةوصياغة المشهد الأخير؟ ترى هل سعت هذه النصوص لتحييد العين الخارجية المتربصةالمراقبة سواء كانت عين السلطة السياسية أو الدينية أو المعرفية؟ أما تراها كانتتواجه رقيبها الداخلي العتيد، فتطمئن من جموح استفزته نماذج كالبسطامي والحلاج، وماكان هؤلاء يملكون جرأة الاقتحام وعنفه العارم، ولا يقدرون على دفع ثمنه الفادح،فسعوا لصياغة أكثر هدوءً واعتدالا، واكتفوا بملامسة التخوم، دون الغوص في العمقالمخيف، ومتاهة التجربة الدامية؟ تلاعب هؤلاء وراوغوا، ولعلهم راهنوا على مساحاتالالتباس وارتباكات الفهم، وأسسوا حضورا في الهامش، لكنه كان يمتلك مسارب خفيةوخطرة للهيمنة، فاستطاعوا، ربما، أن يقولوا ما لا يقال دون أن يتعرضوا للوم أوالمساءلة أو الاتهام والعقاب، أو هذا ما كانوا يطمحون إليه.

ومن المثير للانتباه حقا، أننا لو طالعنا أراء ابن تيمية الفقيه المتشدد حول المتصوفة، قد تفاجئنا حقيقة أنه قد استعان ببعض من آراء المتصوفة السنة المعتدلين ممن تحدثنا عنهم آنفا في صياغة مواقفه من التصوف وأهله والتي ترواحت بين الاعتدال والتطرف. أتراه نوعا من الوقوع في حبائل الخطاب النقيض، أم أن الفخ الصوفي السني المعتدل كان قد تم نسجه بإحكام واتقان؟

يظل النص الصوفي في كافة تجلياته هو النص الذي تصدى لهدم كل أشكال السلطة السافرة في كافة المجالات، حتى في مجال علاقة العبد بالرب، إلا أنه أسس لسلطة أخرى نقيضة وخطيرة ومراوغة، هي سلطة المقدس المجهول اللامُمتلك…

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق