خواطر صوفيّة: غفلة الطاغية

قد نستطيع الحديث عن نمط ما من الفردية برز وانجلى فى فضاءات المدن الوسيطة الإسلامية فى القرن الرابع الهجرى وتنوعت أشكاله ودرجاته تنوعا لافتا ومثيرا وقد أثمرت هذه الفردية فى بعدها الخلاق إنتاجا إبداعيا متميزا على كافة الأصعدة ، لكنها من ناحية ثانية أسفرت عن الوجه الأكثر خطورة وعتوا للفردية المتوحشة الذى بلغ ذروة تجليه فى الفردية السلطوية الطاغية بتنوعاتها المختلفة.  ومما يثير انتباهنا فى هذا السياق، هو ذلك القران اللافت بين السقوط فى الغفلة الدنيوية والوعى الزائف أو الظلمة معرفيا  ووجوديا وقيميا، من ناحية، وبين الظلم أو البغى، من ناحية أخرى . إن هذا القران يتضمن نقضا للفردية السلطوية الظالمة، وإعادة إنتاج للقمع عليها عبر نموذج مضمر لفردية راقية واعية مثالية تتجاوز ما هو كائن بالفعل فى صورته اللاإنسانية.

  يقول التوحيدى :

” أتعرف الفرق بين الظلام والشعاع؟ … يا من طالت غفلته، واستحكمت قسوته،   واستمرت على ما ساءه وناءه ذلته؟ يا من امتد به نومه، وضاع أمسه ويومه، وشمت به  عشيرته وقومه، يا من قل حياؤه، فلا يكترث بنظر الله إليه، ولا يهاب إطلاعه … يا من يدمر أحبته وأعزته وإخوانه… كل يوم فما يقلع عما هو عليه من البغى والزهو والغشم  والظلم”

ولعل القران بين الغفلة أو الظلمة، من ناحية، والظلم والبغى، من ناحية أخرى ينبع                      من أن من لا يعى حقيقة الأشياء، ولا يدرك الحدود والتمايزات، ولا ينتبه لسر التناغم            والانسجام والوحدة الكونية الكامنة وراء الكثرة الجزئية، يسقط فى عمق الكاوس أو الفوضى الظاهرية المخايلة، التى لا يمكن أن يلمس داخلها خيوط النسيج الرقيق شديد الرهافة التى تصل بين الموجودات وتفصل وتمايز بينها فى آن.  ناهيك عن أن مساحات الظلمة هى مساحات الخيال المفتوح، حيث تهيمن الذات معرفيا على فراغات الظلام مشكلة صورها، وأنماط حضور الآخر تشكيلا خياليا خاصا بها، بل قد يكون وهميا، إذ تنقض الخصائص الواقعية والفعلية  للآخر، ولا يبقى إلا ما تراه الذات وتشتهيه.  وهكذا، فإن هذا النمط من الوعى الزائف المتسم بالاضطراب والفوضى والالتباس والعمى، ينعكس على وعى المرء بذاته إذ يسقط فى عمق  نرجسيته الموحشة المنغلقة على ذاتها، أسيرا لأوهام الكبرياء الزائف. إنها ذات لا تكاد تفطن   أو تلتفت إلى عمق المغايرة بوصفها حضورا حقيقيا للآخر بحدوده وتمايزاته وقوانينه  المختلفة.  سواء كان هذا الآخر النسبى أم المطلق، الطبيعى أم الإنسانى أم الإلهى.

إن الوعى الذى ينتهك حضور الآخر ويسلبه قيمة المغايرة لا يستطيع مقاربة تخوم      التواصل والحميمية. وهكذا يؤدى تنامى الوعى الأصولى بالذات بوصفها حضورا ماديا مطلقا     وأصلا لوجود كل ما سواها إلى ممارسة نوعا من العنف التخيلى على الآخر بكافة مستوياته.  ذلك أن الوعى المتمحور حول ذاته سيتوهم إمكانات إقصاء الآخر أو تدميره بمجرد نفيه من دائرة  الوعى، دائرة المتن الذاتى إلى الهامش بالمعنى المعرفي.  وبالطبع، فإن هذه الممارسة تصل  إلى ذروتها لدى الذات السلطوية القمعية التى تمارس الظلم والبغى عبر ممارسة العنف الفعلى  الذى يصل إلى حد سلب حياة ووجود الآخر وتدميره.  إنه الأمر الذى يبلور فضاءات السلطة الظالمة بوصفها فضاءات للغياب والغفلة، والطغيان، والنفى خارج الأفق الإنسانى الراقى.إن الفرد المتجبر الغارق فى نرجسيته المتوحشة الملهتمة للآخرين، بل لذاته المتعالية، ذات العقل والحكمة والعدالة والصدق إلخ، حين يمارس حضوره الطاغى المستبد، فلعله يتمرد على الاستسلام المطلق لمعايير الحشد، ويؤكد امتيازه وخصوصيته عبر استلاب الحشد، ونقض معاييره المثالية الضاغطة، لكن الفرد المتجبر هنا يمارس هذه الخصوصية والتفرد بصورة نافية لحضوره الإنسانى، الذى شكل مساحة ممكنة لتشاركه مع الآخرين بمستوياتهم المختلفة. أى أنه سيسعى نحو المفارقة والمغايرة، متطلعا نحو سمات إلهية الطابع، لكن من حيث وجهها القوى العنيف القاسى، والإقصائى لما سواها (صفات الجلال والانتقام والقدرة إلخ). وبالطبع لا يتم هذا فى إطار دينى، بل فى إطار دنيوى استبدادى. ولعل الفرد المتجبر، يستمتع فى هذا السياق بممارسة إمكانات الصدمة والرعب، حيث يقوم بنقض المثال المفترض فى المخيلة الجماعية حول الحكام أو الكبراء أو العظماء أو الأشراف أو الأغنياء وكبار القادة.. الخ فى ظل حضارة دينية أخلاقية. وبالطبع ، فإن تشكيل الصورة المناوئة للمثال الجماعى المفترض، والمنصوص عليه فى الأدبيات الأخلاقية والسياسية والدينية، ليس محض تمرد على الحصر المعيارى، بل صدمة للوعى الجماعى، سواء لدى العامة أو النخبة فى تجلياتها المختلفة،بل سعى لإثارة الرعب والفزع. وهو الأمر الذى يهدف إلى إحكام السيطرة والهيمنة المطلقة دون أى شرط أو معايير أو قوانين مقيدة أخلاقية أو دينية أو اجتماعية، بل دون مسئوليات وواجبات وحقوق تناط بالفرد وفقا لمكانته أو ودوره. ذلك أن الفردية المتجبرة تسعى لتحقيق حضورها المتعالى النرجسى لا على حساب الآخرين، ونفيهم المطلق عبر مرايا الذات وحسب، بل من خلال إشاعة الرعب والخوف، وصناعة الصورة المخيفة المهابة، أسطورية الملامح، للفرد المتجبر، الصورة المناوشة لمخيلة الجماعة ، التى تلعب دورا هائلا فى إحكام هيمنة الطاغية على الآخرين.

ولعل هذه الصورة تتضخم تدريجيا عبر الخيال الجمعى، وتحاك حولها المزيد من الهواجس والأساطير المرعبة، مما يضاعف من حضورها المؤثر. بل ربما تصل إلى حد إيهام الذات الفردية المتجبرة ذاتها، فتسقط فى حبائل الصورة الأسطورية الوهمية التى صنعتها كذبا، أو صنعها لها الآخرون رياءً، وتؤسر داخل حدودها، فاقدة وعيها الحقيقى بذاته وحدودها وما عداها. وتزدهر، بالطبع هذه الظاهرة فى مجتمعات الخرافة، وانتشار أمية القراءة والكتابة، ناهيك عن مجتمعات العلاقات البطريركية الاستبدادية، أو كما تسمى أحيانا، مجتمعات اختيار العبودية. ومن اللافت حقا، أن هذا الحضور الطاغى المتجبر لا يحقق لصاحبه فى أى مجال كان تواجدا إنسانيا حقيقا داخل الوجود، بل يغدو وجودا مستبعدا مهمشا بصورة ما فهو وجود مجاور للآخرين لكنه معزول عنهم، حيث لا أنيس ولا جليس ولا بوح ولا حميمة. إن الفرد المتجبر يحيا فرديته داخل فضاء الرعب والرهبة الموحشة سياجا قمعيا قمع به ذاته التواقة للتواجد والتواصل الحق، ربما قبل أن يقمع الآخرين بغواية الرهبة والكنه المحير المجهول للصورة المرعبة. ولعله فردا خائفاًَ مهددا من داخله وخارجه يحتمى بسياجات الرعب من إمكانات التواجد، واختراقات الآخر ومساحات التعرى من الأقنعة الزائفة، وبروز ملامح الاحتياج التى تلتبس لديه بالضعف والافتقار والنقص، وإمكانات التهام الآخر لحضوره أو هيمنته عليه ، بل إمكانات الهجر والتخلى والخيانة والفقد أو الرحيل سواء كان قسريا أم اضطراريا، وقسوة حدوث هذا بعد الارتباط الحميم والائتناس الفعلى !!ومن ثم، يحيا الفرد المتجبر دوما توقعات العدوان والتآمر والخيانة والهيمنة، ولهذا يصوغ علاقته بالآخر فى فضاء الصراع المدمر، فهو يتأهب له بالهجوم والعنف والسعى لإقصائه وإزاحته ونفى مغايرته، واستيعابه تحت السيطرة، بل تدميره إن لزم الامر. ويسعى الفرد المتجبر لإقامة علاقته بالآخر خارج فضاءات الحب والكره فى آن، لأن كليهما يعبران عن هوس ما بحضور هذا الآخر، كما يسعى لنفى إنسانية هذا الآخر، وجعله مجرد شئ يُمتلك أو يُترك!! أتراه ينجح؟! فى الحقيقة، لا أظن وإلا فيما كل هذا الرعب والاحتماء بسياجات الرهبة والوعيد للآخر!! بعبارة أخرى ، فإن تغييب حضور الآخر ونفيه العنيف، قد يكون تعبيرا عن الهوس به والتوق إليه وشدة الاحتياج لحضوره الأنيس الحميم، لكنه الخوف، وعدم القدرة على الحوارية الندية عقليا وعاطفيا، أو على احتمال المغايرة والاختلاف وإمكانات الاكتمال بين الذات والآخر. إن الفرد المتجبر يسقط شعوره الدائم بالتهديد على الآخرين، ليتجاوز مخاوفه وهواجسه ويلقى بها فى فضاءات أخرى تبدو بعيدة ومفارقة، وما هى إلا فضاءات ذاته منعكسة عبر مرايا الآخرين المنسحقين، أو الأشياء، حيث لا علاقة تفاعلية حقة.

ومن المثير للانتباه حقا، أن يتساوى داخل هذه الممارسة المعقدة للفرد المتجبر إزاء ذاته، وإزاء الآخرين، طغاة الساسة والحكام والوزراء ورجال المال والقواد، من ناحية، وعتاة المجرمين والقتلة واللصوص وقطاع الطريق والقوادين، من ناحية أخرى. ذلك أن تجربة الانتهاك بالمعنى السلبى تجمع بين هذه الأنماط جميعها، فالفرد حين ينتهك الوجود وتآلفاته المنسجمة، ونظامه البديع المتوازن، انتهاكا باغيا ظالما، فإنه يغدو خارج إمكانات الفعل الخلاق وإرادة التواجد الحقيقى فى عمق الوجود. ومن مفارقات هذه الفردية المتجبرة أنها تسعى عبر استلابها النرجسى لحساب صورتها القبيحة، وخيلائها الزائف، وأوهام السيطرة والهيمنة، إلى تحقيق حريتها المطلقة، لكنها تمارس هذا داخل فضاء عبثى مهجور موحش، حيث لا حرية حقة للمرء بمعزل عن الحضور الندى الحوارى للآخر والوجود الفعلى، وإلا أضحى المرء عبدا لطغيانه وظلمه واستبداده. أى أن الفرد المتجبر المستلب يواجه دوار الحرية المطلقة حيث لا نهائية الممكنات، والخيال الجامح الذى لا يكف عن غواية صاحبه ودفعه فى طريق مجهول، إنه فضاء العدم الحيوى الذى لا يكف عن التهام حضور الذات وامتصاصها فى فضاء العبث، يقول التوحيدى :

” يا عدو نفسه، ياجانيا على روحه، يا جالبا لحتفه بيده، يا شاربا للسم بكأسه : ما أراداك لنفسه… … كيف حال من هو ممتاد فى غروره، متهالك فى شروره؟ عنده أن الحزم كله فى معاطاة الكأس بعد الكأس… ونيل الشهوة بعد الشهوة، ولو بخرق الدين، ولو بمفارقة المسلمين، ولو بترك الحياء بين جميع المبصرين والسامعين، ولو على رؤس الأشهاد من الصالحين والطالحين… أنت العطب المشموت به… رحل ضعيف، وهاجرة محرفة، وبر قفر، وعطش قديم… … فى بلاد الغربة… بلا أنس ولا سلوة… … غرقتم فى بحار الغرور… … … إلى متى هذا التمطى، وهذه التكأة، هذا التجبر، وهذا التكبر… وهذه القسوة، وهذه الفظاظة ؟ أما أنت من طين… ومن ماء مهين… وأى عز لما يبتذله الليل والنهار؟ وأى قدر لا يخونه القياس والمقدار؟

وهكذا ، يغدو قدر الفردية المتجبرة قدرا مأساويا هو قدر البيدودة، لا فرق بينها فى هذا، وبين الفردية المنسحقة المستسلمة دون مناوئة ، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، وافراز لزمن وسياق حياتى ردئ وقاسى، بل إن كليهما فاقد للذكرى والحلم، الماضى والمستقبل، الحنين والتطلع، أسير للحظة العدم.

ولعل هذا الهلاك الحتمى يعاد إنتاجه وصياغته عبر نصوص المثقفين المهمشين من خلال تصعيد نغمة الانتقام الإلهى من هؤلاء الطغاة البغاة، إذ تصبح المواجهة ليست بين الرعية ، والظلمة، بل بينهم وبين الله ذاته، الذى هو خصم كل جبار عنيد، ومدمر كل مارد عتيد!!

  ونود هنا أن نلفت الانتباه إلى مسألة آثارها التوحيدى فى هوامله، حينما تساءل عن             حد الظلم، ما هو؟ ثم قال: سمعت فلانا فى وزارته يقول” أنا أتلذذ بالظلم، فما هو هذا؟”(22).   

  ومما يلفتنا فى هذا السياق المفارقة الكامنة ما بين سؤال التوحيدى حول حد الظلم فى       الهوامل، ورد مسكويه عليه.  فالتوحيدى يطرح سؤالا قلقا له سمت وجودى حيوى، ناهيك عن مكنونه السياسى والاجتماعى، أما مسكويه فيقدم لنا إجابة عقلانية أرسطية تجريدية ذات طابع  أخلاقى فى المقام الأول، إذ يدرج المسألة برمتها فى إطار الخير والشر.  وهذا لا ينفى انطواء هذه الإجابة لمسكويه على وعى اجتماعى يقظ، إذ يلتفت إلى خطورة الظلم بوصفه ممارسة باغية متعدية تتجه ضد الآخر الاجتماعى، وتؤدى إلى تدمير المدنية، ودمغ الحضور الإنسانى بالوحشية المتجبرة العدمية، يقول:

” إن الإنسان مدنى بالطبع، فإذا تساوى الناس فى الاستغناء هلكت المدينة”

أما أبو حيان، فقد التفت إلى مسألة هامة، وأشد عمقا ألا وهى لذة الانتهاك (أو الظلم والبغي)، التى تخلق شعورا بالفرادة والهيمنة التى تنتهك الحدود، وتنفى حضور الآخرين كأغيار. إنها لذة تكاد تقترب من الممارسة المتعالية لإله وثنى قديم لا مبال يمتلك المصائر والأقدار، يعبث بها كيفما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل، له سطوة مطلقة طاغية، ساحرة ومرعبة فى  آن.               
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق