خواطر في المسألة الفلسطينية / محمد الحدّاد

يمكن أن ننعت إسرائيل بما شئنا من النعوت، لكن هناك أمراً لا يمكن أن نختلف فيه: إنه براعتها الفائقة في مخاطبة الرأي العام باللغة التي تؤثر فيه وحسن انتقاء الصور والاستعارات التي تلقى منه أفضل القبول. أقول براعة، لأني لا أحمل ذلك على محمل التشهير بل على محمل الإقرار بأمر واقع. فالمفكرون يعرفون أن خاصة العصر الحديث أنه عصر «فرجة» ودعاية، وقد كتبت في ذلك عشرات الكتب وقامت لشرحه نظريات وفلسفات، ومن لم يفهم الدرس فهو الغبي ولا يلومنّ إلا نفسه. إن منتج الدعاية الناجعة هو من كان الأكثر قدرة على فهم العصر واستعمال لغته، مثل الدعاية التجارية التي تنتجها كبرى المؤسسات الصناعية لا الحرفيون التقليديون.

الإسرائيليون فهموا الدرس وأتقنوا التحكم في التواصل، فكانوا بذلك الأقدر على خدمة مصالحهم. يستقرّ هذه الأيام في أذهان الناس (من غير العرب طبعا) أن السبب في فشل جهود الإدارة الأميركية الجديدة في إعادة عملية السلام الشروط المسبقة التي تصر السلطة الفلسطينية على طرحها قبل استئناف المفاوضات. المسؤولون الفلسطينيون يكررون في كل مناسبة أنهم لن يعودوا إلى طاولة المفاوضات إلا إذا، أي بشروط، والموقف الإسرائيلي ما يفتأ يردّد أنه جاهز للتفاوض حالاً ودون شروط، وتأثير ذلك في الرأي العام واضح.

الموقف الفلسطيني مفهوم ومشروع من حيث المبدأ، لكنه مستغرب من حيث الشكل والتوقيت. دعنا نتساءل ببراءة ومن دون خلفيات: المسؤولون في السلطة الفلسطينية اختاروا المفاوضات والحل السياسي منذ أوسلو، ومنذ ذلك الحين وإسرائيل تبني المستوطنات دون توقف، و «تهوّد» القدس دون هوادة، وتخرق روح معاهدة أوسلو ونصها دون حرج، وهم يفاوضون. ما الذي حصل كي يصبح وقف الاستيطان شرطاً مسبقاً للتفاوض منذ أن اعتلى الرئاسة الأميركية أوّل رئيس أسود، وبدأت صورة الولايات المتحدة تتحوّل من السلب إلى الإيجاب (انظر مثلا ما يحدث في هايتي: الجيش الأميركي الذي يتحوّل إلى ملاك الرحمة!). سيقولون: إنها دعاية. أجل، لذلك بدأت بمقدمة مضمونها أن الدعاية جزء لا يتجزأ من العالم الحديث. العالم كله دعاية، نحن مستهلكون على وقع الدعاية التجارية، ومواطنون على وقع الدعاية السياسية. إذا كانت الدعاية ضرورية للدفاع عن قضايانا ومصالحنا فما علينا إلا أن نتقن فنها. أتمنى أن أجد يوماً الجواب المقنع: لماذا شرط وقف الاستيطان في هذا الظرف بالذات، عند مجيء أوباما؟. ثم ما الجدوى من استمرار السلطة الفلسطينية، إذا كانت لا تريد أن تقاوم، ولا تريد أن تفاوض، وقد انتهت المدة القانونية لولايتها. أعطونا سبباً واحداً لنفهم، نريد فقط أن نفهم.

الدعاية جزء من معركة التفاوض، كما هي جزء من المعارك الحربية أيضاً. من الواضح أن القيادات الفلسطينية في صدد خسارة معركة التفاوض التي أطلقتها بمفردها وعلى منأى من العرب في المحادثات السرية بأوسلو، كما خسرت في السابق معركة الحرب التي خاضتها مع العرب، والفشل في الدعاية الناجعة جزء من الفشل في فهم العالم وطرق التأثير فيه والتعامل معه. وكانت معركة السلام تقتضي أن تتواصل قيادات مثل المرحوم حيدر عبد الشافي والدكتورة حنان عشراوي ووجوه من هذا القبيل، لكن منذ أوسلو حصل ما حصل، والنتيجة هي ما نرى. السلطة مستمرة، وبناء المستوطنات متواصل، ومعاناة الشعب الفلسطيني تستمر وتتواصل وتتعاظم. وحدها المفاوضات هي المتوقفة. كأن معركة المفاوضات تنتهي نفس النهاية التي شهدتها الحروب العربية سابقاً: المهم بقاء السلطة في أيدي الممسكين بها، ذاك هو الانتصار الأعظم للقضية!.

لنتذكر ما حدث بعد حرب 1967، كأننا نعيش هذه الأيام المنطق نفسه. وقد لا يكون بعيداً أن نرى الجماهير تهبّ بالتلقائية العربية المعهودة لتناشد رئيس السلطة الفلسطينية التراجع عن قراره عدم الاضطلاع بفترة رئاسية جديدة.

في الجبهة المقابلة، الجبهة الإسرائيلية، تقوم الحكومات أو تحلّ حسب المصالح الإسرائيلية وليس مصالح الممسكين بالسلطة، يؤتى برئيس من الحمائم ليخاطب الرأي العام العالمي، وحكومة من الصقور لتتصدّى للضغوط الأميركية المفترضة ولتنفذ على أرض الواقع عكس ما يقتضيه منطق السلام. وعصر الدعاية كفيل بأن يضمن التفوق للدعاية على حساب الوقائع. ومن حسن الحظ أن كل المسؤولين الإسرائيليين ليسوا في هذا المستوى من البراعة، إذ يبدو أن تنامي الشعور المفرط بالغلبة لدى القادة الإسرائيليين يجعل بعضهم يتصرف بعكسها. السفير الإسرائيلي في واشنطن الذي قال إن قبول قرار غولدستون يوازي نفي المحرقة تنقصه هذه البراعة. ووزير الإعلام الذي أعاد نفس الموقف منذ أيام هو من نفس الصنف. وما يزيد التصريح الثاني غباء أنه تزامن مع موعد 27/01 الذي أقرته الأمم المتحدة يوما عالمياً لذكرى المحرقة، وينتظر أن تنظم بعض العواصم العربية هذه السنة، ولأول مرة، مناسبات للتصدي لنظرية نفي المحرقة، وأرى أن من الصائب للعرب أن يشاركوا في هذه المناسبة لأن المحرقة اليهودية كانت فعلا حدثاً فظيعاً تجب إدانته بكل قوّة، وينبغي أن ينزّه عن التوظيف السياسي في القضايا الراهنة، وعلى الإسرائيليين أن يكونوا أول الحريصين على الابتعاد به عن التوظيف السياسي الفجّ.

وقد تكون ذكرى المحرقة فرصة للجميع، يهوداً وفلسطينيين، لتغليب ثقافة السلام اتعاظاً بمآسي الماضي، وفرصة لحوار عربي يهودي يدفع يهود العالم إلى الضغط على الحكومة الإسرائيلية التي لم تعد الولايات المتحدة نفسها قادرة على الضغط عليها، ويدفع العرب إلى البحث في سبل إنقاذ الشعب الفلسطيني كي لا يبقى رهينة بين فريقين: فريق «السلطة للسلطة» وفريق «إبادة آخر فلسطيني دفاعاً عن القضية».

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق