«خوسيه ساراماغو في كلماته».. بعد 5 أشهر من رحيله / نجم والي

خوسيه ساراماغو لم يجلس في «برجه العاجي» لا في لشبونة المدينة التي عاش فيها النصف الأول من سنوات عمره، ولا في بيته الفخم الذي توفي فيه في الجزيرة الإسبانية لانزيروته، إنما كان دائما يطل برأسه تعبيرا عن شعوره ليس بالارتباط الحميم بالعالم الخارجي وحسب، بل بمسؤولية إزاء ما يحدث خارج بيته من مشكلات، وذلك ما أرتنا إياه مداخلاته وتعليقاته على ما يتعلق بالشؤون العامة أو في حواراته الصحافية. الآن قسم كبير من الأفكار هذه صدر في هذه الأيام في كتاب يلخص رؤية صاحب نوبل البرتغالي للعالم.

 

«خوسيه ساراماغو في كلماته»، هو عنوان الكتاب الذي قدمته في يوم نزوله للأسواق وبعد 5 شهور من وفاة الكاتب، أرملته بيلار ديل ريو (التي هي مترجمة الكتاب إلى الإسبانية أيضا) ومساعدها (محرر الكتاب) كاتب المقالات والشاعر فيرناندو غوميز آغيليرا في مركز الفنون الجميلة بمدريد. الكتاب الذي سبق له وأن صدر أولا باللغة البرتغالية في البرازيل وبالإنجليزية في الولايات المتحدة الأميركية، يحتوي على مقالات كثيرة سبق وأن نشرها صاحب «حصار لشبونة» في الصحافة منذ أواسط أعوام الستينات حتى مارس (آذار) 2009. وعبر الصفحات الخمسمائة، عدد صفحات الكتاب، يواجه القارئ أفكار ساراماغو وتعليقاته حول مواضيع كثيرة، سواء في ما يتعلق بفساد وتدهور الديمقراطية في العالم، أو في ما يتعلق بموضوع الظلم وانعدام المساواة الاجتماعية، أو بموضوع امتهان حقوق الإنسان، والتعصب الديني، حتى الموت لم ينج من تعليقات الكاتب، أما طفولته والأماكن التي عاش فيها، فقد خصص لها حيزا صغيرا، إلى جانب الكتابة عن القارة الأوروبية وأميركا اللاتينية.

 

«إنها ضربات سياط كلامية لاذعة تنير الطريق أمام قارئها وتحمله على التفكير»، كما صرح الشاعر غوميز آغيليرا مدير مؤسسة «ثيزار مانريكه» أمام جمهور غفير حضر تلك الأمسية الهارمونية. آغيليرا أكد في تلك الأمسية أن «غرض الكتاب هذا هو التعريف بخطاب عقل ألمعي، نشط ولاذع قرَن نفسه دائما بواقع عصره»، وهو ساراماغو الذي عرف مهنته على أنها تشبه «حرفية عامل، دفاع سياسي متحزب، تورط مواطن حازم ونقاوة كاتب»، الوظيفة التي هي كل هذه الصفات فهمها أيضا على أنها «دائما وظيفة نقدية ثقافية خاصة به».

 

وحسب ما أكدته أرملته، فإن صاحب «المغارة» كان على الدوام واعيا أن أفكاره «تملك آذانا مصغية تسمعها»، وهذا ما جعله يستغل مداخلاته في ما يتعلق بالشؤون العامة وحواراته الصحافية لقول ما كان يجول في خاطره، وكل ما يعبر عن مواقفه العامة. وحسب تصريحاته ذاتها كان يقوم بذلك، «بشكل بسيط، دون إنشاء أو لف ودوران، دون ديماغوجية، بل دون استراتيجية مسبقة»، فدائما كان يقول ما يفكر فيه مباشرة. «ليس هناك من يستطيع القول إنه خدعه»، لأن «الناس يحتاجون أن يتحدث معهم المرء بصدق»، على الرغم من أنهم يعرفون «أن الصدق أصبح عملة نادرة في الأزمان الأخيرة». كلمات صاحب نوبل هذه التي تقدمت الصفحات الأولى من الكتاب، هي خلاصة نشاطه الثقافي الذي سار عليه طوال حياته الأدبية، بل وقبل حتى أن يذيع صيته ويشتهر.

 

والصراحة هذه، التي لا تعجب طبعا أولئك الذين يجلسون في دوائر السلطة، على العكس، تسبب في أغلب الأوقات الكراهية للكاتب، مثلما تجلب له عداوات كثيرة، فمثلما صرح غوميز آغيليرا في حفل تقديم الكتاب الجديد، «ساراماغو كان مثل عين تحرس، لم يمل من مراقبة السلطة عن طريق تأكيداته وأسئلته الملحة»، وهذا ما جعله يتحول إلى «شخصية غير مريحة. لأنه أزعج السلطة عن طريق ما كان يقوله»، المفارقة المثيرة للانتباه هنا هي أن «درجة إزعاجه كانت في صعود وهبوط بنفس القدر الذي شعر به هو من إزعاج أيضا بسبب ما يحدث في العالم».

 

ساراماغو الذي ظل حتى وفاته مخلصا لأفكاره الشيوعية، لم يتردد أيضا في نقد التحول الذي حصل للتفكير الماركسي و«الخضوع» غير المشروط ونقص العقل النقدي، كما أبدى الكثير من الشيوعيين لأحزابهم الشيوعية، كما أكدت أرملته في الأمسية نفسها التي أضافت أن «أكثر ما كان يزعج ساراماغو هو التفكير الديماغوجي، من غير المهم في أي مجال، سواء تعلق الأمر بالدين أو بالسياسة أو بالاقتصاد». وكان غالبا ما يؤكد أن «ما ينقص حقوق الإنسان حقان: حق التمرد، وحق الهرطقة»، حقان طبعا مارسهما ساراماغو دائما في كتاباته، ليست النقدية وحسب، بل في رواياته أيضا.

 

أرملة ساراماغو التي هي مترجمة القسم الكبير من أعماله أكدت أيضا أن الجمعية الخيرية التي تحمل اسمه ستدافع «بالمخالب والأسنان عن إرث الكاتب»، وتدعم كل الإرادات «التي لها القدرة على العمل على نشر أعماله وأفكاره».

 

وحسب ما قالت أرملته، فإن ساراماغو ترك وراءه عملين أحدهما منته والآخر – للأسف – كان بدأه للتو، الأول هو عبارة عن «خريطة للواجبات الإنسانية» عمل عليها ساراماغو بطلب من الجمعية الخيرية التي حملت اسمه، والثاني هو رواية كان بدأ قبل وفاته بـ5 شهور، موضوعها هو صناعة السلاح، «سنرى مع الوقت كيف سنتصرف في الفصول هذه، حتى الآن لم نتخذ قرارا بهذا الخصوص»، هكذا قالت ديل ريو. الرواية التي كتب ساراماغو منها فصولا قليلة أراد أن يسميها «آلابراداس، آلابراداس، أيسبينغارداس، أيسبينغارداس»، تيمنا ببيت شعري للمسرحي الإسباني جيل بيسينته.

 

الرواية تبدأ بسقوط قنبلة في إقليم إكسترامادورا الذي يقع جنوب غربي إسبانيا، بالضبط بمحاذاة البرتغال. وبالتوازي مع سقوط تلك القنبلة التي لحسن الحظ لم تنفجر، ألقت الطائرات منشورات كتب عليها باللغة البرتغالية: هذه القنبلة لا تميت أحدا. ما حدث كان نوعا من التخريب قامت به شركة لصناعة الأسلحة، كما أكدت بيلار ديل ريو، وحسب ما تنقل أرملته، أراد ساراماغو أن يعبر عن طريق هذه الرواية عن تفكيره الدائم في حياة أولئك الذين عملوا دائما في مصانع السلاح. «من يصنع الأسلحة ويعمل هناك بشكل جيد ومتقن يقوم بتحضير وسيلة للقتل»، كما كتب ساراماغو على لسان واحدة من شخصيات الرواية، والفكرة هذه هي التي تبث الدم في شرايين الكتابة على طول صفحات الرواية التي كان ساراماغو يعمل على كتابتها عندما فاجأه الموت مثل قنبلة قاتلة!

 

عن المنتدى الثقافي – جريدة الشرق الأوسط 16/3/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق