خيبر.. خيبر يا يهود، جيش محمد بدّو يعود!

أشار الكثيرون قبلي إلى ما تسبّبت لهم به الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على قطاع غزّة، فقد وضعتنا مشاهد القتل والدمار في مواجهة الأسئلة البدائيّة لشعب يبحث عن حقّه في الوجود وحسب، ومن جهة أخرى وضعتنا أمام مأزق الكتابة ما دام “السيف أصدق إنباء من الكتب”. وربّما يكون من حسنات الكتابة أنّها تمتنع عنّا في لحظات الانفعال الشديد، وتستمهلنا إلى وقت لا تضيع فيه الكلمة تحت القصف أو تشارك فيه، فنستطيع حينها استرجاع تفاصيل طغى عليها الألم، أو لم يكن يليق بنا أن نضعها في الصدارة مقارنة مع صور الإبادة.

من بين الصور العابرة في تلك الأيّام العصيبة متظاهرون في إحدى المدن الألمانيّة احتجاجاً على المذابح الإسرائيليّة في غزّة، بينهم عرب ومسلمون، وألمان طبعاً، وربّما يهود غير راضين عن ممارسات أبناء دينهم؛ وسط هذا الحشد يرتفع هتاف قويّ لمجموعة من العرب: خيبر.. خيبر يا يهود، جيش محمد بدّو يعود. تستعرض المذيعة أنباء التظاهرات في دول غربيّة عديدة، لنكتشف الهتاف السابق يتكرّر في أكثر من تظاهرة، ما يكشف عن سياق عامّ يجمع هذه المجموعات صاحبة التهديد والوعيد.

لا خلاف في أنّ العدوان الإسرائيليّ على الشعب الفلسطينيّ يستوجب الإدانة من قبل كلّ أصحاب الضمير الإنسانيّ، وقد تعالت الإدانات من كلّ حدب وصوب مبشّرةً بثقافة مضادّة للحرب، وبوعي إنسانيّ بات يرفض باطّراد الاعتداء على الكرامة والحقوق الإنسانيّة، حيثما كانت الحقوق موضع انتهاك. في الوقت ذاته لا يمكننا تجاهل السؤال الوجيه عن موقعنا نحن من ثقافة العصر المنافية للتمييز، والمنحازة إلى حقوق الأفراد والجماعات؛ أنحن حقّاً، كما ندّعي، مناهضون للظلم؟ أم أننا نصرخ فقط حينما نقع ضحايا للظلم؟ أنحن مضادّون للعنف؟ أم أننا ضدّ العنف غير المتكافئ في ظلّ موازين للقوى لا تسعفنا؟ وليس أخيراً؛ كيف لنا أن نشكو من التمييز، بينما لا تزال ثقافة التمييز تحفر عميقاً في عقولنا؟!.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أعلن الرئيس الأمريكي عن حرب “صليبية” على الإرهاب، ولعلنا نتذكّر كيف تلقّف الإعلام العربي زلّة اللسان تلك بحرفيّتها، وتعالت الأصوات المندِّدة بعنصريّة الرئيس الأمريكي آنذاك، والراضية ضمناً بإقراره بأنّ الصراع هو صراع حضاريّ لا صراع سياسيّ، وكأنّ ثقافة العداء للآخر المتجذّرة في مجتمعاتنا كانت متوقّفة على تصريح من هذا القبيل، ولم تكن لها المبادرة الدمويّة في الحدث نفسه. يتكرر الأمر كثيراً بتلقّف أيّة ظاهرة، ولو كانت فرديّة، تشي بعنصريّة ما في المجتمعات الغربيّة، كما حدث في إثارة موضوع الرسوم الكاريكاتوريّة، لكنّ التصريحات التي تصدر عن ساسة ورجال دين عرب أو مسلمين، والتي تنضح بالعداء للغرب عامّة، ولا تفرّق بين سياسة قد تحكمها مصالح إمبرياليّة وشعوب لا تتوافق بالضرورة مع كلّ مفصل من مفاصل السياسة الخارجيّة لإداراتها؛ هذه التصريحات تمرّ دون تنديد منا، بل إن أغلب التظاهرات التي تخرج مندّدة بالآخر ترفع صور الزعماء العرب أو المسلمين أصحاب الآراء المتطرفة. وربّما كان أسوأ ما في التظاهرات العربيّة المندّدة بالعدوان الإسرائيليّ غلبة الشعارات الدينيّة عليها، وكأنّ التضامن الإنسانيّ لا يكفي أو لا يبرّر بمفرده خروج هؤلاء المتظاهرين، حتى العصبيّة القوميّة التي كان لها بعض ملامح الحداثة تراجعت أمام الطوفان الدينيّ.

إذن كيف لنا أن ندين المتطرّفين الصهاينة، ونسكت عن أولئك الذين يصرخون: خيبر.. خيبر يا يهود؟ وحتّى إن تجاوزنا السجال الأخلاقيّ، ما الذي سنكسبه على مستوى السياسة من هتاف كهذا سوى تصويرنا أمام الرأي العام العالمي على أننا ننوي حقّاً إبادة اليهود؟ ألا نقدّم بمثل هذا الهتاف مادّة دسمة للجهات الموالية لإسرائيل؟ أم أننا اعتدنا أن نضرب بعرض الحائط كلّ الحساسيّات التي تصنع الرأي العامّ العالمي، ثم نأتي ونشجب العالم لأنّه لا يناصر قضايانا؟ حتّى على صعيد المقاومة؛ أهذا هو المثال الذي ينبغي تقديمه للعالم؛ أن يُقتل في بيته تحت القصف قياديّ، هو و”زوجاته الأربع” وأبناؤه، ثم يُصوّر ذلك على أنّه نوع من البطولة في ملاقاة الموت المحتّم، وأن يُقال بعدها أنّ ذلك القياديّ كان يدعو إلى عدم إخلاء البيوت المهدّدة بالقصف؟ ثم لنفترض أنّ الرجل حرّ في قراره ملاقاة الموت، فهل هو هكذا فيما يخصّ أبناءه؟ على الأقلّ؛ أليس الأولى به أن يترك لهم فرصة الحياة عساهم يكونون مقاومين في المستقبل؟

لندع الرياء جانباً، فشعوبنا لم تخرج احتجاجاً على حروب أو مجازر وقعت في أماكن أخرى من العالم، باستثناء الحميّة التي ظهرت في بعض البلدان العربيّة لمناصرة “إخوتهم في الإسلام” من أفغانستان إلى كوسوفو، لم يخرج أحد منّا مثلاً ليستنكر المجازر التي وقعت في رواندا وبوروندي، مع أنّها أوقعت عدداً من الضحايا يفوق المجازر الأخرى. ولكي نكون منصفين؛ لم يكترث الغرب أيضاً بتلك المجازر التي طالت الأفارقة، بينما كان أكثر حساسيّة تجاه تكسير عظام الفلسطينيين على يد شامير في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، رغم انحياز الغرب عموماً إلى إسرائيل. وعندما ننوّه باهتمام الغرب فهذا ليس منّة من الغربيين، لأنّ أوروبا تحديداً مطالبة بالتعويض عمّا اقترفته بحقّ الإنسانية مرّتين، فمن ناحية قامت باضطهاد اليهود وعزلهم لمدة قرون، ومن ثمّ تُوّج ذلك بالهولوكست. ومن ناحية أخرى وجد الساسة الأوربيّون آنذاك ضالّتهم في حلّ القضيّة اليهوديّة بترحيلها إلى فلسطين، أي ابتكروا تصريفاً لعنصريّتهم على حساب الفلسطينيين. لكنّ أدبيّاتنا مع الأسف تأخذ الشقّ الثاني فقط، ويحاول المثقفون العرب باستمرار التقليل من شأن الهولوكست، مع أنّ واجبنا الأخلاقيّ كضحايا جدد ينبغي أن يدفعنا إلى إدانة الجريمة الأولى. قد نتفهّم أن يقوم بعض الباحثين الأوربيين بالتنقيب عن العدد الحقيقيّ لضحايا الهولوكست، أما دخول مثقفينا، الذين يفتقرون غالباً إلى الدلائل، في هذا السجال فليس من شأنه سوى المزايدة على الغرب وتبرئته من عنصريّة بات يعترف بها. ثم لنفترض أنّ العدد الحقيقيّ لضحايا الهولوكست هو آلاف قليلة، وليسوا بالملايين كما تصوّرهم الأدبيّات اليهوديّة، ألا تستحقّ إبادة الآلاف إدانة؟ وألا يُعدّ تحويل الضحايا اليهود إلى جلادين جدد جريمة أخرى؟

أستذكر ما تعلّمناه في طفولتنا من تفريق بين اليهوديّة والصهيونيّة؛ تعلّمنا أن نتسامح مع اليهوديّة كدين، وأن نشجب الصهيونيّة كأيديولوجيا عنصريّة. تعلّمنا حينها أيضاً أنّ أخطر ما في المشروع الصهيونيّ هو تقديم نموذج الدولة الدينيّة، ما قد يساهم في إثارة النعرات الدينيّة والمذهبيّة في المنطقة. الآن، عندما يخرج إسلاميّونا إلى “ساحات الوغى، يذكّروننا بما تعلّمناه، إنّما على سبيل المفارقة المرّة. لا يريد هؤلاء استيعاب الدرس، فعندما يعودون إلى غزوة خيبر يعطون مشروعية للحلم بالعودة إلى أرض الميعاد.

لقد شهدنا تلك الصور البشعة في غزّة، وإن لم تكن إنسانيتنا قد انتُهكت لأنّ الضحايا هم بشر أولاًّ فهذا يحتّم علينا مساءلة أنفسنا بدايةً. لا ينبغي للجريمة أن تستمرّ، وإذا خلّفت الهولوكست مزيداً من الجلادين والعنصريّة الجديدة فإنّ من واجبنا ألا نتحوّل إلى إسرائيليين جدد، وأن نلاقي أولئك الذين خرجوا في شتى الأصقاع للتضامن مع مأساتنا. من حقّ الفلسطينيين علينا ألا نحرّف معركتهم عن مسارها، فهم شعب يناضل من أجل حقّه في تقرير المصير، لا من أجل إعادة أمجاد خيبر. نعم، كانت الصور الآتية من غزّة شديدة الوطأة، وكانت صور التظاهرات القادمة من العواصم العالميّة تقدّم بعض العزاء لإنسانيتنا، ويبدو أنّ الأمر لم يرُقْ لغلاتنا فدسّوا لنا فيها تلك الهتافات العنصريّة البغيضة، ولعلّهم بذلك يكملون ما صرّح به المفتي الوهّابي، تماشياً مع إرادة حكومته، إذ وصف التظاهر بأنّه من أعمال الشغب والغوغاء. أليست أفضل خدمة يقدّمها هؤلاء لقضايانا هي أن يصمتوا؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق