خيط في مصير ممزّق …

إذا كان القدر مريراً لأبعد حدّ، فإنّ هذا هو شكل قدرها الحقيقي والصحيح، كما يؤكّد العظماء القدامى، وإنّ صورة القدر تلك لا يحصل عليها الإنسان العادي! فالناس العاديون الذين يعيشون في سعادة دائمة ويبحثون باستمرار عن الراحة والهدوء – يكون شكل حياتهم باهتاً وواهناً. فمن ذا الذي يستحقّ إذن ذلك الشكل الدقيق من المصير؟ فقط مَن يشبهون الآلهة – هذا ما تؤكّده القوانين والحكايات القديمة.
عندما وُلِدت، في السادسة والنصف من صباح الثامن عشر من أيلول عام 1912، راحت أجراس الكنيسة الواقعة خلف نهر موسكو تقرع بقوة داعية الناس للصلاة الصباحية، كما لو كانت مبشّرة بمصير صاخب وغير عادي لذلك الطفل الوليد ذي الشعر الذهبي، وتحت حماية الربّ…
إنها أريادنا ( آلا ) ابنة الشاعر الروسية ذائعة الصيت مارينا تسفيتاييفا ( التي أتعبتها حياة التشرد والفاقة والقهر فشنقت نفسها بحبل كان أعطاها إياه بوريس باسترناك لتحزم به حقيبتها …) وزوجها الضابط في صفوف الجيش الأبيض والمثقف والأديب سيرغي ياكوفليفيتش إيفرون ( كنيته الحقيقية – كالمانوفيتش ) الذي ولد عام 1893 في موسكو. كانت والدته إيليزافيتا بتروفنا دورنوفا، سليلة عائلة روسية من طبقة النبلاء، أمّا والده ياكوف كونستانوفيتش كالمانوفيتش فمن عائلة يهودية متنصّرة.
درس سيرغي إيفرون في كلية الآداب في جامعة موسكو، كتَبَ القصص، كما حاول أن يعمل في المسرح وأن يصدر المجلات والصحف.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1917 تطوّع ممرّضاً في الجبهة، وبعد الانقلاب البلشفي في روسيا خاض عدة معارك ضد البلاشفة، ثم شارك في تشكيل الجيش الأبيض واشترك في معارك القرم وفي ما يسمى ” الحملة الجليدية “.
بعد هزيمة قوات الحرس الأبيض انتقل إلى القسطنطينية ومنها إلى براغ حيث درس الفلسفة في جامعتها. وأصبح هناك عضواً في اتحاد الكتاب والصحفيين الروس في المهجر. كما شارك في انطلاقة وتنظيم ” الاتحاد من أجل العودة إلى الوطن “. حتى إنه قام بدور ثانويّ عام 1927 في فيلم ” مادونا العربات النائمة ” ( للمخرجين الفرنسيين مارغو دو غاستِن وموريس غلاز ) حيث لعب دور سجين محكوم بالإعدام في باتومي…
( هناك رأي يقول بأنه انتسب أثناء وجوده في باريس إلى المحفل الماسوني الروسي في المهجر وتدرّج فيه حتى المرتبة الثالثة).
في عام 1931 ولكي يُسمَح له بالعودة إلى موسكو حيث كانت تقيم عائلته ( مارينا تسفيتاييفا وابنتهما أريادنا وابنهما غيورغي– مور كما كانت تناديه تسفيتاييفا) بدأ بالتعاون مع المخابرات السوفييتية – الفرع الخارجي.. فقام بتجنيد العملاء من بين المهاجرين الروس في باريس. ومن هذا المنطلق شارك في اختطاف الجنرال ميللر. كما اتهمته الشرطة الفرنسية بالاشتراك في مقتل الجاسوس السوفييتي في باريس إغناتي رايس ( بوريتسكي ) عام 1937 لأنه رفض العودة إلى الاتحاد السوفييتي ولرفضه علانية الاستمرار بالتعاون مع المخابرات السوفييتية.
بعد عودته إلى الاتحاد السوفييتي عام 1937 منحته السلطات السوفييتية شقّة حكومية قرب موسكو حيث نزل فيها مع أفراد أسرته. ولم يكن ثمة ما ينبئ بالكارثة. ولكن سرعان ما تم اعتقال ابنته أريادنا. وفي 10 أكتوبر من عام 1939 تم اعتقال إيفرون ذاته، و حكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص في عام 1941.
إليه، وإلى وجوده في صفوف الجيش الأبيض، يعود الفضل في أنّ الشعر الروسي اغتنى بأجمل القصائد التي كتبتها مارينا تسفيتاييفا في ديوانين رائعين هما ” معسكر البجع ” و”بيريكوب “.
أمّا أريادنا فقد أمضت سنوات طويلة من النفي والاعتقال ولم يعد لها الاعتبار إلا في عام 1955.
وهذه مقتطفات من كتاب ” خيط في مصير ممزق ” .. لم تنهه أريادنا أثناء حياتها.

{{***}}

” … ذاكرتي سيئة، ينقصها الترتيب الدقيق الذي تمتاز به شجرة عائلة تسفيتاييف. فالأحداث، والوقائع والأوجه المحفوظة فيها، لا ترسو عند تواريخ محددة، بل هي ترتبط مع بعضها بشكل تقريبي فقط بواسطة خيط الأيام والسنين. ومع ذلك إنني أتذكر كمّاً هائلاً من الأحداث يكفي، لو كنت أجيد، لأن أكتب كتاباً ضخماً جداً – ليكن بصفحات غير كاملة، مبعثرة. لكن، فقط لو أنني كنت أجيد الكتابة. إلا أنه توجد حالات يضطر فيها مَن لا يجيد الكتابة أن يمسك بالقلم، و ذلك حين يكون لزاماً على الحبّ وحس الواجب أن يعوّضا عن غياب الموهبة. وما هي أهمية توفّر الموهبة عندما تكون الكتابة بالضبط عن الإبداع وعن الموهبة. فها هو أيهرمان يستغني عن موهبته مستعينا بموهبة غوته فقط!
ستمر السنين وسيجيء أناس يتغلبون على اللامبالاة الآثمة للزمن، سيجبرون الزمن أن يعيد ما قد طواه النسيان، أن يقول ما قد لفّه الصمت، أن يبعثَ ما قد تم قتله واضطهاده. من أجل مساعدة أولئك الناس أحاول أنا أن أكتب ما أتذكره عن أمي – وعن ذلك الزمن”.

{{***}}

” محاولة للكتابة عن ماما ”
تشبه ذكرياتي الأولى عن ماما وعن هيئتها لوحات سريالية. لا يتوفر تصور كامل لشكلها لأن العينين لم تتعلما بعد الإحاطة به، والعقل – لم يتمكن بعد من الجمع في وحدة متكاملة بين الأجزاء المؤلفة للكلّ.
كل ما يحيط وكل من يحيط يبدو كبيراً هائلاً – لا يمكن احتواؤه، ولا يمكن الوصول إليه. فالناس لديهم أحذية ضخمة، أرجل طويلة تسافر عالياً، والأيدي تبدو هائلة وقادرة على كل شيء.
الوجوه غير مرئية – فهي هناك في مكان ما في الأعلى، يمكن النظر إليها فقط عندما تنحني إلي أو عندما يحملني أحد ما على يديه. عندئذٍ فقط أرى – وألمس بإصبعي – أذُناً كبيرة، حاجباً كبيراً، عيناً كبيرة تنغلق حين يقترب إصبعي، وفماً كبيراً تارة يقبلني وتارة يقول ” آم ” محاولاً التقاط يدي، وهذا مضحك وخطير.
مفاهيم العمر، الجنس، الجمال، درجة القرابة غير موجود بالنسبة لي، كما إن ” أنا ” خاصتي لم تتبلور بعد، ” أنا ” – عبارة عن ارتباط مطلق بتلك العيون والشفاه، والأهم – بتلك الأيادي . الباقي – ضباب. غالباً ما يمزقون ذلك الضباب بواسطتك كما يشاؤون. هذه الأيادي – هي أوّل حقيقة وأوّل قوّة فاعلة محركة في حياتي. دقيقة في الرسغ، سمراء، قلقة، هي الأفضل بين الجميع، لأنها مليئة بخواتم وأساور فضية، وبلمعان يجيء ويروح معها ولا ينفصل عنها.
يدان مدهشتان، عينان رائعتان وصوت رنّان رائع أيضا – هذه هي ماما في أعوامي الباكرة جدا. كانت ماما متوسطة، على الأرجح قصيرة الطول، مع خطوط مستقيمة وملامح واضحة لكن غير حادة للوجه. كان لها أنف مستقيم بمنخارين جميلين معبّرَين، بالضبط معبّرين – كانا يعكسان الغضب والاحتقار خصوصاً وبشكل صريح. في الواقع، كان كل شيء في وجهها معبّراً – وماكراً: الشفاه والابتسامة عليها، رحابة الحاجبين وحتى الأذنين، الصغيرتين والمتنبهتين كما عند الإله بان1. عيناها كانتا بذاك اللون النادر الأخضر الفاتح مع بريق – يدعى لون حورية البحر – لم يتغير لون عينيها ولم يبهت بريقه حتى لحظة موتها. حافظ وجهها لفترة طويلة على شيء ما طفولي، استدارة ما فتية جداً. كان شعرها الخرنوبي ينساب خفيفا ناعماً بصورة دائمة – كل شيء كان لديها بلا تجميل، وقد كان رائعاً من دون الحاجة لذلك. لم تكن يداها نسائيتين بل صبيانيتين، صغيرتين لكنهما قط غير قزميتين، قويتين وصلبتين عند المصافحة. كانت الخواتم والأساور تشكل جزءاً لا ينفصل من يديها، كما لو أنها التحمت بهما – هكذا في الماضي كانت الفلاحات يحمِلْنَ الأقراط – بعد أن يلبسنها مرة لن تفارقها أبدا. هكذا كانا – مرة و إلى الأبد – سواران قديمان فضيان، مسكوبان ومحدّبان، واحد مع لؤلؤة مثبت فيه، والآخر ناعم، حفر عليه طائر يطير وقد فرَدَ جناحيه من أحد حرفي السوار حتى حرفه الآخر، وأحاطا بمعصمها. ثلاثة خواتم – الخطوبة، وقد حفر على وجهه الداخلي اسم زوجها، وحجر في إطار فضي – عبارة عن رأس الرب هيرمس وهو يطير في خوذة، وخاتم ثالث أيضاً فضي، محفورة عليه سفينة بثلاثة صواري، وحول السفينة حفرت كلمات باللغة الروسية القديمة: إليك يا ملاكي. لقد كان لديها الكثير من الخواتم التي كانت تظهر وتختفي. لكن هذه الثلاثة لم تفارق أصابعها مطلقا وقد ذهبت معها.

{{***}}

لم يبق في ذاكرتي من ذلك الصيف بشرٌ، ولا أشياء، ولا الغرف حيث كنا نعيش. لأوّل مرة ظهر في إدراكي بابا – لقد كان طويلا، أطول من ماما بكثير لدرجة أنه لم يتموضع في حقل نظري. ماما تحملني على يديها، يتقدم لملاقاتنا شخص بلباس ابيض، ماما تسألني – مَن هذا، وأنا لا اعرف. فقط عندما انحنى عليَّ، عرفته وصرخت – سير يوجا! 2( في طفولتي الباكرة كنت أنادى والديَّ كما كانا يناديان بعضهما: سير يوجا، مارينا، وأيضا – سيريوجينكا، مارينوتشكا !).

{{***}}

” آلا، كُلْي الدجاجة!” – ” أنا لا أستطيع، مارينوتشكا!” – ” آلا، كلي الدجاجة! ” – ” مارينوتشكا، إنها مُقرفة! ” – ” ليست هي المُقرفة، بل أنتِ المقرفة. تلوكينها، تلوكينها… هيا ابلعيها حالاَ! ” – ” أنا لا أقدر، مارينوتشكا! ” – ” لا تقدرين؟ اسمعي ماذا سأقول لكِ: إذا رفضتِ أن تبلعيها على الفور، في هذه اللحظة، فلسوف ينبت لديك رأس دجاجيٌّ! أتفهمين؟ ” – ” أفهم، مارينوتشكا! “.
فجأة أحد ما ينادي ماما فتخرج، فأسارع وأبصق اللقمة في كفي ثم أقدمها للقطة، التي تدور من حولي مطولاً. تعود ماما – ” هل بلعتِها ؟ ” – ” بلعتُها، مارينوتشكا! كلمة صدق ” – ” حذاري!، وإلا فسوف ينبت لك رأس دجاجة … “.
أعود إلى غرفتي مرعوبة وأنا أجسّ رأسي. يبدو، قد بدأ ينبت. رأس دجاجة غير مخيف على العموم طالما اجلس في المنزل. سيكون الجميع في المنزل على علم بأن هذه إنما هي أنا. بل ربما سيحبونني أكثر. وفجأة فكرة صاعقة: لكن ماذا لو اضطررت للذهاب في عربة الحوذي ؟! . ثم وضعوا في غرفتي مرآة. ” لتقف في غرفة آلا مؤقتاً ” – قالت مارينا. تنظر إلي من المرآة فتاة أخرى، وهذه الفتاة هي – أنا نفسي. لكن هذا غير ممكن. حين تظهر مارينا في المرآة – ليس في ذلك ما يدهش، لأنني أراها بجانبي، من الجانب. بينما أنا اشعر وكأنني في داخلها. على العموم كنت واحدة، ثم أصبحنا اثنتين. وهذا يزعجني.

{{***}}

أهدتني مارينا فنجاناً عليه صورة نابليون، لكي اشرب الحليب بمتعة أكبر. فهو يُشرب بشكل سيئ من الكأس العادية. ذلك الفنجان – كان مُذهّباً من الداخل، وكلما شربتُ حليباً أكثر بانَ الذهب أكثر. كان الوجه الخارجي للفنجان بلون ازرق فاتح، أما نابليون فقد رسم ضمن دائرة بيضاء – لديه أنف مستقيم، شعر اسود، وكان ينظر إلى بعيد. إنه بطل، قائد، هو إمبراطور. و لذلك لا يجوز التلاعب و أنت تشرب الحليب – عيب.
وضعت المربية ” نابليون ” على الموقد لكي يسخن الحليب بعض الشيء. هكذا تفعل كل يوم. لكن هذه المرة سخن نابليون أكثر من اللازم، لذلك فقد احترقت يداي فأرخيت الفنجان – انكسر وتناثر. بحزن ورعب ركضت وأنا ابكي وارتميت في حضن مارينا: ” مارينوتشكا، لقد كسرت نابليون! مارينوتشكا لقد كسرت نابليون! ” لم تغضب مارينا، أمسكتني من يدي وراحت تهدئ من روعي قائلة أنني لست مذنبة . ” بل مذنبة !- صرخت أنا دون أن أستكين، مذنبة! أنا كسرت نابليون! “.
عندئذ قامت مارينا وأحضرت من الخزانة فنجاناً آخر بلون ازرق فاتح من الخارج ومطليّ بالذهب من الداخل. كانت مرسومة عليه ضمن دائرة صغيرة صورة امرأة جميلة بيدين وبكتفين عاريتين، وقد انسابت عليهما خصلات من الشعر الأسود. ” انظري، هذه هي الإمبراطورة جوزفين، زوجة نابليون. كان يحبها بشغف كبير.

{{***}}

عندما كنا نخرج مع مارينا للنزهة كنا نتصدّق على المتسولين. كان عددهم كبيراً جدّا – طاعنون في السنّ، مهانون، فقراء، مرضى. كان البعض منهم يقول: ” تصدقوا لأجل المسيح”، وآخرون كانوا صامتين. لكن كنا نمنح الجميع. كان الفقراء عادة يجلسون على المقعد أو على الأرض مباشرة وكانوا يضعون أمامهم قبعة حيث يجب رمي النقود. كان لدى بعضهم كوبيكات3 كثيرة في القبعة – هؤلاء هم متسولون أغنياء، أما آخرون فقد كانت القبعة أمامهم فارغة. كانت مارينا تعاني من حسر بصر، لذلك كنت أقول لها: ” مارينوتشكا، ها هو فقير يجلس! ” كانت مارينا تعطيني النقود فاركض وأرميها في القبعة. هذه المرة مارينا أيضا لا ترى شيئا، فاكتشف أنا أحد الفقراء كان يجلس على المقعد وهو يحمل القبعة في يديه. ركضت إليه مع الكوبيكات ووضعتها في القبعة – كم كان فقيراً هذا المتسول، لم يكن يوجد في قبعته ولا كوبيك. لكنه كان يرتدي زيّاً نظيفاً وجميلاً. وكانت لحيته جميلة، مُسرّحة بشكل جيد. إلا أنه لم يكن شكوراً ولا مهذباً – فبدلاً من أن يقول ” ليحفظك الربّ، يا ابنتي”، قفز وراح يصرخ عليّ وعلى مارينا التي كانت قد اقتربت.. خاف كلانا .. أخذت مارينا النظارة وتطلعت إليه لتسمع هذا الفقير يصرخ :” إهانة !، سخرية ! ” . سحبتني مارينا من يدي واختفينا خلف الزاوية. – ” هل هو مجنون، يا مارينوتشكا؟ ” – اسأل خائفة. ” بل أنتِ المجنونة ـ تجيب مارينا غاضبة وضاحكة – أن تعطي كوبيكاً للجنرال، الجنرال الذي يجلس على مقعده الخاصّ قرب منزله الخاص! لماذا ظننت ِ أنه فقير؟ ” – ” لكنه عجوز، مارينوتشكا ! “.

{{***}}

… في نهاية آب وبعد أن منحت وثيقة بدلاً من البطاقة الشخصية في مكان نفيها، أسرعت آلا إلى البريد لتستلم النقود التي كان أرسلها لها بوريس ليونيدوفيتش باسترناك.. وقد كانت كتبت رسالة له في 26 آب من عام 1949:
” شكراً لك، أيها العزيز، واغفر لي أنني أصبحت ” شحّاذة “. فالطلب أمر فظيع جداً حتى ولو كان منك، لكنه مرعب أن تجلس هنا في هذا الكوخ وتبكي لأنك عاجز عن تأمين أبسط ما تحتاجه من مأكل رغم أنك تعمل كالحصان…
أنا أتذكر ماما بصورة دائمة، يا بوريس. إني أذكرها جيداً وأراها في المنام كل ليلة. إنها على الأرجح، تهتم لأمري – فانا أرى كل شيء…
بعد أن استلمت النقود قمت بشراء سترة سميكة وتنورة وخفّين. وسوف أشتري من كل بد جزمة لبادية، وقد كنت دفعت ثمن حطب يكفي لفصل الشتاء، ثم اشتريت بعض ما يؤكل مما تراه العين وأكلت كل هذا البعض دفعة واحدة، كما هو الحال عند بطل جاك لندن. قد لا تكون مثيرة بالنسبة لك هذه التفاصيل؟ أيها العزيز بوريس، لقد بقيت كتبك ” في البيت ” مرة أخرى. ولذلك أرجوك أن تؤسّس لي مكتبة متواضعة. فانا بحاجة دائمة لكي تكون كتبك بين يدي.. ولو كان الأمر يعود لي لما كنت تركتها أبداً.. ولكن هذا ما تفرضه الظروف… ”

{{***}}

آلا تعيش مع آدا شكودينا.
آدا شكودينا، كنيتها قبل الزواج فيديرولف، تزوّجت وهي في الثانية والعشرين من عمرها رجلاً إنكليزياً كان يدرّس اللغة الإنكليزية هناك حيث كانت تتعلم. وقد كان جاء إلى روسيا لبناء المجتمع الاشتراكي الجديد. ثم انتقلت إلى إنكلترا حيث مكثت سنتين ونصف لتفترق عن زوجها وتعود إلى وطنها في نهاية العشرينات. وقد عملت بنجاح في تعليم اللغة الإنكليزية في الجامعة وفي الأكاديمية الصناعية. ثم تزوجت من رجل روسي. وكانت سعيدة. ولكنهم اعتقلوها في عام 1938 من دون تهمة محددة. إلا أن المحقق سألها ببساطة إذا كانت تنفي حقيقة زواجها من أجنبي وأنها عاشت في بلد أجنبي؟ وبالطبع لم يكن بإمكانها نفي ذلك. فلا يمكن نكران ما سبق وكان بالفعل. فحكم عليها بالسجن وفقاً للمادة 58 بتهمة التجسس! أمضت فترة حكمها الأول ثم عادت وعملت في معهد تربوي. وقد التقت مع آلا في السجن عندما تم اعتقالهما للمرة الثانية.

{{***}}

وفي الختام:
لقد أصبحت آلا، ولم يكن وارداً أن لا تصبح – مترجماً رائعاً ومحترفاً لأعمال بودلير وفيرلين وغوته وأراغون وغيرهم. وفي الكثير من الإصدارات كانت توجد ترجماتها جنباً إلى جنب ترجمات مارينا إيفانوفنا ( تسفيتاييفا ).. عن حقّ وجدارة…
وقد تركت لنا إرثاً فائق الغنى في أدب الرسائل .. ما يشير إلى أننا خسرنا كاتبةً لامعة وموهوبة. وهذا ما عرفته العاصمة موسكو بعد أن عادت إليها: راحت الألسن تتناقل حكاياتها وهي ترحل من بيت لبيت لتعود إليها وقد أصبحت فلكلوراً… بل إنّ مصيرها بحدّ ذاته كان شبيهاً بذلك الفلكلور – الأسطورة المريرة والممتلئة بالكبرياء والقسوة. مرارة لم تكن تستحقها رغم عظمتها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق