دارفور: شعباً وقضية

تقع بلاد الفور أو دارفور في غربي السودان حيث يحدها من الغرب تشاد، ومن الشمال ليبيا، ومن الجنوب والشرق السودان، بمساحة تقارب من الـ 511000 كم مربع وسكان يقاربون الستة ملايين نسمة. دخلت القبائل العربية إلى أفريقيا قبل الاسلام عن طريق مضيق باب المندب وسواحل البحر الأحمر، وبعد الإسلام بدأت هجرة جديدة للقبائل العربية أي في القرن الحادي عشر الميلادي إليها عن طريق وادي النيل هذه المرة، وسار بعضهم حتى دخلوا وصلوا مراعي النيل، ودارفور، وكردفان. ومن قبائلهم الرئيسية التي سكنت غربي السودان و دارفور إلى جانب شعب الفور نذكر منها الحمر، والبقارة، والكبابش…الخ بالإضافة إلى قبائل المسيرات، والتعايشة، والرزيقات، والسلامات وغيرها الكثير(1). واستمر تدفق القبائل العربية إلى القارة السمراء والسودان بالخصوص منضوية تحت سلطة دولتي الفونج والفور وكان منهم تجاراً ورعاة ومبشرين بالإسلام، الأمر الذي أدى الى انتشارالدين الاسلامي ومعه سيطرالعنصر العربي على معظم أنحاء السودان.

يعتبر شعب الفور أو(التورا) وتعني العمالقة، من أكبر الشعوب التي سكنت منطقة غربي السودان أو ما يسمى بدارفور اليوم، وجاءت تسمية العمالقة لامتيازهم بالطول الفارع وضخامة الجسم وتناسقه. كما سميت المنطقة باسمهم /دارفور/ وهي كلمة عربية وتعني منازل الفوريين، ويتجاوز عددهم اليوم الستة ملايين نسمة أو يزيدون وبمساحة تقارب مساحة فرنسا اتساعاً، وبما أن منطقتهم كانت تقع في الماضي على طرق القوافل القديمة لذا فقد احتك الفوريون بالكثير من الشعوب المارة والمجاورة وبخاصة العرب منهم الذين هاجروا إليها معظمهم من إقليم بحيرة تشاد مما أدى إلى إختلاطهم وتطعيمهم بالعنصر العربي، وبذلك تبدو على ملامحهم الكثير من الصفات والسيماء العربية، وعن العرب أخذ شعب الفور الدين الإسلامي ودخلوه سلماً. ولهذا فالفور اليوم هم مسلمون جميعهم يتكلمون اللغة الفورية النوبية إلى جانب اللغة العربية وخاصة المثقفين منهم، أي أن قبائل الفور تعرضوا لمؤثرات عربية إسلامية في موطنهم نتيجة الإحتكاك. أي أن شعب الفور وهم السكان الأصليون الذين اختلطوا بمجموعات أفتح لونا وتتكلم لغة نوبية بمؤثرات عربية وقد هاجر النوبيون بدورها من موطنها الاصلية في شمالي السودان.

أنشأت قبائل الفور وخاصة قبيلة (الكنجارة) سلطنة قوية في مواطنهم الحالية من غربي السودان في القرن السابع عشر أو في عام /1640/ م تحديدا، وذلك بعد ما قضت على دولتي الداجو والتنجور، وكانت الرقعة الجغرافية لهذه السلطنة تقتصر في البداية على امتداد سلاسل جبل مرة في السودان لتمتد فيما بعد إلى مناطق أم درمان الحالية قرب خرطوم اليوم، ثم امتدت لاحقاً لتشمل سيطرتها على أراضي مملكة الفونج القائمة في كردفان منذ امد بعيد، وظلت السلطنة الفورية قائمة حتى فترة الحكم التركي للسودان عام 1821م وقد حكمها 72 سلطاناً. ويعتبر السلطان السلطان (سلونج) أوسليمان صولون والذي حكم بدءاً من عام 1640م أول سلاطين الفور ويعتقد أنه من أصل عربي وكانت عاصمته مدينة(طرة) التي تقع شمالي جبل مرة ثم أصبحت الفاشر فيما بعد، واستطاع السلطان صولون توسيع حدود سلطنته شرقاً وغرباً بمساعدة العرب له ووصلت حدود سلطنته – وكما قلنا آنفاً- إلى كردفان المجاورة لدار فور وعمد إلى نشر الدين الإسلامي بين القبائل الإفريقية الزنجية، وحينما توفي صولون خلفه السلطان عبد الرحمن الرشيد بن احمد بن بكر (1787- 1802)م، وهو الذي عاصر دخول نابليون بونابرت بجيشه إلى مصر. فأرسل إلى نابليون بهذا الخصوص يهنئه بانتصاره على المماليك والذين كانت تشوب علاقاتهم الكثير من التوتر مع سلطنة دارفور، حيث كان المماليك يقطعون الطريق ويعرقلون تواصل قوافل دارفور التجارية مع مصر. وقد كتب إليه نابليون يطلب منه أن يرسل إليه (2000) من العبيد ليضمهم إلى جيشه(2).

استمرت سلطنة الفور وهي تملك من القوة والنفوذ في المنطقة ما جعلتها موضع احترام الجميع تهابها القبائل العربية القوية كقبيلة البقارة المجاورة لها مما حد ذلك من نفوذها وطموحاتها في الإستلاء على اراضي دارفور الغنية بالمراعي والمياه. بينما كان الحكم الدارفوري يتميز بنوع من الحكم الملكي المطلق، والشعب يعيش بحالة جيدة من الرفاهية والعيش الكريم. حيث كانت السلطة تحصل على أموالها من عدة أوجه كنظام الضرائب، والزكاة، وتجارة الترنزيت…الخ. وكان للسلطان زوجات متعددة ومنازله مبنية من الطوب الأحمر وغرفها وجدرانها مكسوة بافاخر الستائر المصنوعة من الجوخ وبأغلاها ثمناً، ومازالت هذه المباني قائمة حتى اليوم في مدينة الفاشر. كما كان يصدر منها الى مصر الرقيق، والنحاس، والصمغ، والريش، والعاج، والعسل، والنطرون، وتعود القوافل من مصر محملة بالأسلحة، والأنسجة القطنية والحريرية، والملاءات الحجازية، والأجواخ والحلي الذهبية. وبدأ الدين الإسلامي ينتشر كما انتشر بالترافق مع ذلك التعليم والجوامع والمساجد، وشد الرحال إلى مصر عدد من الطلاب للدراسة في جامع الأزهر، إلى أن أصبح لهم رواق فيه كان يعرف برواق دارفور. ونظراً لشدة تدينهم فقد كان الدارفوريون يدفعون الجزية طواعية للحرمين الشريفين حتى عرفت بلادهم بصرة الحرمين الشريفين. دام حكم السلطنة أكثر من قرنين ونصف من الزمن. وعند دخول الأتراك إلى السودان عام 1803- 1839م كان يحكم بلاد دارفور السلطان محمد الفضل بن عبد الرحمن تتبعها ولاية كردفان.

وفي عام 1821م استطاع حاكم مصر محمد علي باشا انتزاع منطقة كردفان من السلطنة الفورية والإستلاء على دارفور في وقت لاحق مما أدى إلى اندلاع ثورة حسب الله الدارفوري في جبل مرة ولكنه سرعان ما استسلم لقوات الزبير بن رحمة بدون مقاومة تذكر خلال معركة منوشي 1874م والزبير هذا كان تاجر رقيق مصري ومركزه منطقة بحر الغزال، الأمر الذي أثارغضب الدارفوريين الذين تخلوا عنه وبايعوا عام 1875م الأمير بوش بن السلطان محمد الفضل أميراً عليهم ليقود حركة التحرير ضد محمد علي باشا، ولكن قتل بوش هذا فخلفه هارون بن سيف الدين الذي لم يلبث أن قتل بدوره عام 1880م. لكن لم تنطفيء جذوة الثورة الدارفورية واستمرت تحت قيادة قائدهم المدعو (ماديو) كما قامت في جنوبي دارفورثورة قبيلة (هلبا) الشهيرة. وفي هذه الأثناء جرى تسليم حكم دارفور من قبل المصريين إلى أحد أمراء دارفور ويدعى عبد الشكور عبد الرحمن شاتوت لكنه توفي هو الآخر قبل أن يصل من القاهرة إلى دارفور. وفي هذه الاثناء قامت الثورة المهدية بزعامة القائد السوداني الشهير محمد احمد الذي لقب نفسه بالمهدي عام 1882م، فاستولى المهديون على دارفور بعدما سلمهم الأمير محمد خالد زقل أو ترقل الحكم 1884م، ثم تمرد ضدهم المدعو (دود بنجة) الذي رفض حكم المهديين لدارفور، ولكن سرعان ما خضع الرجل لحكمهم طواعية فقامت على إثرها ثورة المدعو (أبو جميزة) ولكن لم يدم حمه طويلاً فتوفي هو الآخروانتهت ثورته بوفاته.

وبعده قامت ثورة أبو الخيرات ابراهيم قرض الذي اغتيل في عام 1891م، فترأس ما سمي بحكومة الظل المدعو علي دينار ولكنه لم يلبث أن تمرد دينار عام 1898م ضد المهديين وأجبر السلطان حسين محمد عجيب أبو كودة التنازل له عن عرش السلطنة 1901م، ليصبح بعده سلطاناً على البلاد والعباد ويتمتع بالإستقلال الكامل. وفي أثناء الحرب العالمية الأولى قررت السودان السيطرة على دارفور من جديد فوقعت على إثرها معارك طاحنة بين الجانبين قتل على إثرها السلطان علي دينار وهو يؤم صلاة الجمعة في السادس من تشرين الثاني عام 1916م وانتصر السودانيون بعد مؤازرة الإنكليز للحكومة السودانية وتدخلهم بالمدفعية والطائرات ضد مقاتلي دارفور، وأعلن ضم دارفور الى السودان نهائيا في الأول من كانون الأول عام 1917م.

لم يرض الدارفوريون بحكم السودان فاندلعت ثورة عبد الله السحيني 1921م ولكنه فشل وأعدم شنقا. بعده دخلت دارفور فترة تشبه السبات ولكن ومنذ سنوات وحينما استيقظ الوعي القومي لدى الفوريين من جديد قاموا بإنشاء حركات مسلحة تطالب بحق تقرير المصير للشعب الدارفوري وحدث ولايزال صراع دموي عنيف مع الحكومات السودانية، وقد زادته تأججاً تدخل القبائل السودانية في الحرب التي حاولت الحكومات السودانية تصويرها كصراعات على المراعي بين قبائل الطرفين. ولكن الوقائع أثبتت بأن الموضوع أكبر من الصراعات القبلية التي كان يمكن للحكومة السودانية التدخل لحلها وبدلاً من ذلك قامت الحكومات السودانية والحالية منها بالأخص بإنشاء فرق الموت السودانية ورجالها يعرفون بالجنجويد وتعني (الجن راكبو الجياد). مما أدى إلى وقوع مذايح رهيبة بين الطرفين، هاجرت على إثرها الملايين من الأسرالدارفورية لمنازلها فانتشرت بينهم الأوبئة والأمراض الفتاكة والجوع بالإضافة إلى تعرضهم وبشكل مستمر إلى هجمات الجنجويد السوداني. كما هاجر الكثير من العرب أيضاً ولكن هؤلاء تؤازرهم الحكومة السودانية بينما الحركات المسلحة الدارفورية تؤازر الدارفوريين. وقد تدخلت الأمم المتحدة لإنقاذ المهجرين وإمدادهم بسبل العيش، وتم نقل الأحداث إلى محكمة الجنايات الدولية في أوربا لمحاكمة مرتكبي الجرائم من الطرفين وأدى الأمر إلى اتهام الرئيس السوداني احمد البشير بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وطلبته للمثول أمام المحكمة الدولية، غير أنه لايزال يرفض المثول أمامها وتحصن بمنصبه كرئيس للدولة ووجوده على رأس الحكم، وقد آزرته في هذا الدول العربية على طريقة المقولة الجاهلية انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً واعتبرتها مؤامرة ضد حكومة السودان والبشير.

{{الهوامش:}}
(1) – احمد عبد القادر رباب – تاريخ دارفور عبر العصور – الخرطوم- 1998م.
(2) – د عدنان مراد – المجتمعات الإفريقية – أصولها – تاريخها وشعوبها وثقافتها -141

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق