داروين والثورة الداروينية (13): إغراء تحسين النسل (1/2)

إن فكرة تحسين “صفةٍ” تخص جماعة ما بشكل صناعي قديمة. لكنّ مفهوم “تحسين النسل eugénisme” يعود فقط إلى ثمانينات القرن19؛ فقد كان الإنكليزي فرانسيس غالتون Galton، الذي وضع هذا المصطلح الجديد، يرغب بالشروع بتحسين انتظامي “للأعراق الأقل موهبة”، فالكفاءات البشرية بالنسبة له تأتي عن طريق الوراثة. لذلك من أجل النهوض بمستوى شعب معيّن يجب التصرف على غرار مربّي الحيوانات: تشجيع إنجاب الأفراد “الجيدين”، وإعاقة (بل ومنع) تكاثر “السيئين”. لاقى البرنامج العام لليوجينية في نهاية القرن19 وبداية القرن20 نجاحا حقيقيا، وتأسّست في أوروبا وأمريكا عدة جمعيات يوجينية، واتّخذت إجراءات هامّة في الولايات المتحدة (مثلا بخصوص تعقيم “المتخلفين”)، ومضت ألمانيا النازية، بهدف سلامة “العرق الآري” المزعوم، لدرجة الإبادة. أمّا هذه الأيام فإنّ النزعة المؤيدة لليوجينية قد أصبحت متكتّمة. غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يؤدي التقدّم المذهل في علم الوراثة إلى شكل جديد من اليوجينية الطبية؟

{{غالتون وولادة اليوجينية}}

كان فرانسيس غالتون، قريب داروين، هو من صاغ كلمة “eugenics [يوجينيكس]” في أواخر القرن19، وهاهو التعريف الذي قدّمه في كتابه تحقيق حول الملكة الإنسانية وتطوّرها Inquiries into human faculty and its development الذي ظهر عام 1883: إنه “علم تحسين السلالة، لا يتقيد أبدا بمسائل القرانات الحكيمة، إنما يهتمّ، خاصّة في حالة الإنسان، بكلّ المؤثرات التي يمكن لها أن تقدم للأعراق الأفضل موهبةً، فرصاً أكثر في التفوق على الأعراق الأدنى”.

كان غالتون، ولنقل ذلك من أجل تجنّب سوء الفهم، يعترف صراحة بأنّ الوسط يلعب دورا في نموّ الأفراد والزمر البشرية. لكن ورغم كل شيء فقد كان يعتبر “العرق أكثر أهمية من البيئة”. وهكذا فقد شدد على ما نطلق عليه اليوم: العوامل الوراثية. وقد أتى تعبير اليوجينية ذاته من كلمة إغريقية تشير إلى فرد “طيب المحتِد [عريق] de bonne race”. فأن تكون من أنصار اليوجينية، من حيث المبدأ، هو أن تعمل بكافة الوسائل الممكنة التي تسمح بولادة كائنات بشرية ذات نوعية أفضل وتتوافق أكثر فأكثر مع نمط يعتبر مثاليا. الهدف الأعظمي لغالتون، الذي يجب الإشارة إليه، لم يكن تحسين النوع البشري بشكل عام، بل تأمين نمو (وفي كافة الأحوال: بقاء) “الأعراق البشرية الأفضل موهبة”. وتظهر منذ البداية فكرة وجود التراتبية في الأعراق وأنه يجب النضال للعمل من أجل انتصار الأعراق التي تعتبر “أرقى”. وهذا التصوّر مؤسّس على افتراضات مسبقة قابلة للنقاش تماما من الوجهة العلمية. لأنّ مفهوم “العرق” بالذات بعيد عن أن يكون شفافا، فعلى صعيد علم الوراثة، بشكل خاصّ، صيغت عدة اعتراضات هامّة. إضافة لذلك هناك عدة انتقادات أشارت إلى غياب مقياس موضوعي ومطلق لـ”تفوّق” هذه الجماعة على تلك.

ومن وجهة نظر الأخلاق، فقد حكم، في معظم الأحيان، على المشاريع اليوجينية لغالتون ولمن أتى بعده، بأنها ليست فقط خطيرة بل ومرفوضة أيضا. وتظلّ المغامرة الهتلرية رمزية تماما بهذا الخصوص، بعد أن أظهرت إلى أين يمكن أن يؤدّي التحسين اليوجيني لـ”الجنس الآري” المزعوم. لم يقم النظام النازي بتطبيق ما يسميه الاختصاصيون “اليوجينية الإيجابية” الموجهة لتشجيع توالد الأفراد المعتبرين “أكثر تفوقا” (مثلا من خلال قرانات مدبّرة بعناية)، بل طوّر على صعيد واسع اليوجينية السلبية، التي تقوم في هذه الحالة على تنحية من يعتبرون “أعراقا أدنى” (كاليهود والغجر وغيرهم). والجميع يعرف ما الذي نجم عن ذلك: إبادات جماعية ومحاولات للإبادة شكلت انتهاكات لأبسط الحقوق الإنسانية.

وبسبب صفته المخيفة تحديدا، فقد بدا هذا المظهر التاريخي لليوجينية حالة فريدة، و”استثناء” لا يمكن أن يتكرر. ربما من المناسب أن ننظر إليه عن كثب، لأنه مازال يوجد حتى أيامنا تقليد يوجيني حيّ. ومن المهم إذن أن نفهم لماذا يمارس هذا الميدان إغراء لا ينكر على كثير من الناس، ولماذا يصل بسهولة (وغالبا ما وصل) إلى إجراءات تسلطية قابلة للنقاش على صعيد الأخلاق والسياسة: مثل عزل الأفراد والزمر المعتبرين “أدنى”، تمييز بين المهاجرين “الجيدين” و”السيئين”، تعقيم “ذوي العيوب” (من جماعة تضم ذوي العاهات والمرضى العقليين و”اللااجتماعيين”)، إلخ. ولنقل ذلك بأوضح ما يمكن: هناك فئة من الميادين اليوجينية يمكن الحكم على نواياها أنها موضع شك شديد وأن طروحاتها تمضي بشكل مباشر ضدّ إعلان حقوق الإنسان. غير أنّ استنكار وإدانة الأشكال اللاأخلاقية أو اللاشرعية لليوجينية لا يكفيان. يجب أيضا أن نجتهد لرؤية لماذا هناك كثير من المواطنين العاديين، الذين ما من شك في حسن نواياهم، يتقدمون طوعا للانضمام إلى إجراءات من النمط اليوجيني الذي يبدو لهم “معقولا” تماما، وكشكل لمنطق مخاتل توصل إلى جرّ عواقب غير مقبولة أبدا، لكن يصعب التنبؤ بها أحيانا. أفضل نواياهم في بعض الحالات يمكن أن تولّد “أثرا مرتدا” (كما سنلاحظ فيما بعد بصدد فقر الدم المنجلي).

{{يوجينية “قاسية” ويوجينية “لينة”}}

هذا يعني بكل وضوح أن مفهوم “اليوجينية” يغطي حقيقة عديدة الأشكال ولا يقبل أن يتحدد بسهولة، ولكي نقدّر إلى الحالة، يجب الانتباه إلى وجود يوجينية مناضلة وواعية. لكن كذلك وجود يوجينية “لينة” وغير واعية. الأولى من دون شك أكثر خطورة، وهي بالتحديد كانت وراء غرف الغاز النازية. وكما أظن، سيكون من الخطأ اعتبار الثانية غير مؤذية، وذلك لأن الغموض يكمن هنا: إن بعض الممارسات (المتعلقة مثلا بـ”التقصي dépistage” و”الوقاية” من بعض الأمراض الوراثية) تشكل صيغة مقنّعة من اليوجينية التي لا تصرح باسمها، والتي يمكن لذرائعها الباهرة أن تفرض شيئا فشيئا أنظمة للضبط أكثر فأكثر إكراها. وبمثابة تمهيد، يكون بالتالي مفيدا بالتأكيد في توضيح التناقض الرئيسي الذي يفسر في قسم هام نجاحات اليوجينية. الأكثر سهولة هو الاستناد إلى التمييز الذي أشرنا إليه بين “اليوجينية الإيجابية” و”اليوجينية السلبية”.

وفي الواقع تقوم اليوجينية الإيجابية على الشروع بعملية “تحسين” جماعة معينة من خلال اتخاذ إجراءات بغية تفضيل توالد “الأفضل”. وبعد تعيين هؤلاء، يتم تشجيعهم على التناسل بفضل تحريضات متنوعة، ثم مساعدتهم في تربية نسلهم، هذا هو المحور الرئيسي لهذا المشروع الذي يمكن (للوهلة الأولى) أن يبدو محمودا وشرعيا في نظر كثير من الناس. لماذا رفض محاولة تكاثر الأفراد الأكثر جمالا وقوة وصحة والأشد ذكاء؟ وكما يقول أختصاصيو الدعاية، “تمرّ” هذه الرسالة بشكل جيد: إنها تدغدغ جانب محبة الذات لدى هذه الجماعة المقصودة وتدع فسحة للأمل بـ”التقدم”. لكن من الناحية العملية لا يمكن، كما تثبت التجارب بكثرة، تجنب أن هذه اليوجينية الإيجابية تنطوي بشكل أو بآخر على يوجينية أخرى “سلبية”، تهدف بشكل ما وبالتناظر، إلى إبطاء توالد الأفراد المحكوم بأنهم “أدنى”. لماذا المجازفة بتحسين عام للجماعة المعنية مع تحمّل أن “البلهاء” و”وذوي العيوب” يتكاثرون بشكل غير مضبوط؟ وعن كثب، فإن هذه المحاججة تقود إلى تصور استعدادات متنوعة تحتوي، في الحالات القصوى، استبعاداً خالصا وبسيطا للجماعة الثانوية التي توصف بـ”الدنيا”.

لم تمض كافة المشاريع اليوجينية في هذا المنطق حتى نهايته. هناك عدة إجراءات وسيطة ممكنة (مثل احتجاز أو عزل أو تعقيم الأفراد المشار إليهم بأنهم “ذوو عيوب”، إلخ). لكن الأمر الرئيسي هو رؤية الرابطة الوثيقة الموجودة ما بين اليوجينية الإيجابية واليوجينية السلبية. وما أن نقرر انتقاء “الأفراد الجيدين” أو “الأعراق الجيدة” أو “الناس الجيدين”، فإن الوجه المقابل الذي لا مفر منه يُظهر “الأفراد السيئين” أو “ألأعراق السيئة” أو “الناس السيئين”. وإذا ما تجاهلنا هذا الديالكتيك سواء من باب الاستهتار أو السذاجة، فإن ضلالا أسوأ سينجم. أولا، يُستخدم الجانب المطمئن و”الارتقائي” لليوجينية الإيجابية بسهولة من أجل تبرير الجوانب الأشد قسوة من اليوجينية السلبية. ثانيا، يحصل أيضا أن الأهداف “الإيجابية” نفسها تُنسي كافة العواقب “السلبية”. نجد هنا حالة ما أسميته اليوجينية اللاواعية: بغياب حساسية تجاه المشاكل المختلفة التي حرض عليها كل تدخل انتظامي على الجماعات البشرية، فإن المسؤولين لا يدركون (أو ليس بالشكل الكافي) الوقْعَ البعيد لقراراتهم.

{{غالتون، الأب المؤسس لليوجينية الحديثة}}

من خلال تفحص أبعد للأوضاع المحددة، نكوّن فكرة أكثر محسوسية للمطبات وللمصاعب التي تخفيها. فيما مضى، وبغية الإلمام الأفضل بمعنى التقليد اليوجيني للغرب الحديث، علينا أن نحدد كيان ومحتوى الميدان الذي صاغه السير فرانسيس غالتون منذ أكثر من مائة عام. قد لا تكون هناك ضرورة كبيرة لقول ذلك: تعود فكرة تحسين جماعة بشرية بفضل تقنيات من النمط البيولوجي إلى ماض بعيد. فقد أشار المؤرخون إلى وجود تيمات يوجينية عند أفلاطون… ومع ذلك ظهر غالتون بصفة الأصالة وهو يبني ميدانا انتظاميا. ويشكل عمله مرجعا رئيسيا إذا ما أردنا أن نحلل ما الذي يحدث هذه الأيام.

يرى غالتون أن “[علم] اليوجينية eugenics” الذي هو مؤسسه، يستحق اسم العلم. هذه الإشارة، في وسط ميال إلى الإعلاء من شأن كل ما هو “علمي”، قد ساهم على الأرجح (ومازال) في تعزيز مكانة الأفكار الغالتونية. فمن زاوية معينة، صحيح تماما أن اليوجينية تمتلك شيئا ما “علميا”؛ إنها تلجأ في الواقع إلى عدد من النظريات وإلى عدد من النتائج الحاصلة في البيولوجيا والأنتربولوجيا والديموغرافيا والسيكولوجيا، إلخ. ويجب مع ذلك أن يكون واضحا أن المشروع الرئيسي للـ eugenics اجتماعي وسياسي. وكما كان غالتون نفسه واعيا له بشكل تام، فإن ميدانه كان ذا هدف عملي (المحافظة على “الأعراق الأكثر موهبة”، تكاثر النخب الوطنية، إلخ..). ولأجل بلوغ هذا الهدف يبدو من الضروري ظهور أبحاث علمية؛ وبفضلها سيحصل اليوجينيون على وسائل تحويل المجتمع بشكل ناجح. وهناك في اللغة الفرنسية كلمتان يمكن استخدامهما في ترجمة كلمة eugenics وهما eugénisme و eugénique. وهذه الثنائية لها فائدة التشديد على الكيان الخاص لمشروع غالتون: النزعة اليوجينية eugénisme التي توحي بميدان أخلاقي أو فلسفي، تلفت الانتباه إلى الجوانب المكافحة، في حين أن الكلمة eugénique، الأكثر حيادية، تفيد في الإشارة إلى الأبحاث العلمية الموازية.

وبمجرد أن قام هذا التمييز، ينبغي الاعتراف بأن الميدان الاجتماعي لليوجينيين قد لعب في عدة أقسام من البحث دور محرض ومحفّز. وكما أظهر عدد من مؤرخي العلوم، فإن غالتون والعديد من العلميين الذين يضعون أنفسهم في ميدانه قد أطلقوا ودفعوا للتقدم بعض التيمات البحثية الأصيلة، لأنهم كانوا يرغبون بتأكيد آرائهم المسبقة لميدانهم بشكل علمي. لم يكونوا فقط منقادين إلى الاهتمام مثلا بعلم الوراثة وبكافة أشكال التقصيات الإحصائية، إنما، وكما يصرح ليندسي فارنال Farnall، كان الفكر اليوجيني في الغالب جزءا لا يتجزأ من تصوراتهم ومناهجهم، بالمعنى الأكثر تقنية لهذه الكلمات. لم يكونوا يكتفون باستخدام نتائج كان قد حصل عليها “العلم الخالص”؛ وكانوا يريدون بناء نظريات جديدة وإيجاد حيثيات جديدة يمكن أن تستخدم في ممارساتهم الاجتماعية. وفي حالة غالتون يبدو ذلك واضحا جدا.

{{إلحاح عملي: دراسة الوراثة}}

بعد إخفاقه الدراسي في كامبردج، وجه غالتون اهتماما خاصا (تبعا لشهادته الشخصية) إلى هذه القضية: ما الذي يكمن وراء الأفراد الأكثر موهبة؟ قاده هذا إلى أن يطبع في عام 1864 مقالا مطولا عن “الموهبة الوراثية le talent héréditaire”، وبعده عملين شددا هما أيضا على الانتقال الوراثي للمواهب والملكات: العبقرية الوراثية (1869) Heredity genius، ورجال العلم الإنكليز: بين الطبيعة والتغذية [بين الطبع والتطبع] (1874) English men of science: their nature and nurture. وبمساعدة الإحصاء اجتهد غالتون في إثبات فرضية أوحت له بها تصوراته الشخصية: الأفراد “الأكثر موهبة” هم في الغالب أقارب حميمون لأفراد هم أيضا شديدو “الموهبة”.

كان مبدأ أبحاث غالتون بسيطا: فقد درس جماعة من الشخصيات التي تنتمي إلى النخبة الاجتماعية (من قضاة ورجال حكومة وضباط وعلماء وفنانين ورجال دين) وأثبت وجود عدد مرتفع نسبيا لأقاربهم الحميمين الذين كانوا هم أيضا “بارزين”. أنجزت المقارنات بشكل منهجي وأخذت بعين الاعتبار مختلف علاقات القرابة: أب، أخ، ابن، جد، عم أو خال، ابن أخ أو أخت، حفيد، جد الأب، إلخ. كانت الترابطات المكتشفة متنوعة صراحة ووثيقة إلى حد ما. غير أن غالتون وجدها ذات دلالة بشكل تام ولم يكن لديه “أدنى شكك حول وجود قانون متعلق بتوزع الكفاءات في العائلات”. وفي الواقع إن تأويل هذه الإحصائيات لصالح أطروحة الوراثة البيولوجية (كمقابل للوراثة الثقافية) لم يكن بدهيا أبدا. لكن غالتون نفسه كان ينتمي إلى النخبة الإنكليزية، برجوازيا كبيرا منتميا لسلالة أنجبت إيراسم وتشارلز داروين. فمن الناحية النفسية كان من السهل عليه قبول وراثة “العبقرية”… من المؤكد، في كافة الأحوال، أن هذا العلم كان مرتبطا بشكل حميم بتأملات من طبيعة اجتماعية.

وفي المجال الوراثي أظهر غالتون أيضا فضولا كبيرا يعزى إلى الأهمية التي كان ينسبها إلى التأثيرات الاجتماعية للوراثة. وكما لاحظت روث شوارتز كوان Cowan، فإن تاريخ البيولوجيا يتجاهل أحيانا دور غالتون. ويمكن فهم ذلك لأنه لم يتم النظر إليه كاختصاصي؛ كانت الاهتمامات البيولوجية خاضعة عنده لاهتمامات أكثر عمومية. ولطالما كان مدفوعا “للإعلان قبل وايزمن بعقد من السنين عن هذين المبدأين”: هناك اتصالية في سلالة البذور المنتشة germinale- وبالتالي لا توجد وراثة للصفات المكتسبة. ومن الطبيعي أن مثل هذه الأفكار كانت تمتلك ميزة تأكيد آراء غالتون حول وراثة المواهب t و”العبقرية”. كثير من مؤرخي العلوم واعون لذلك الآن: فالمجادلات حول أشكال الوراثة كانت في معظم الأحيان “مشوبة contaminé” باهتمامات ذات أصل أيديولوجي. ومع غالتون يبدو الأمر واضحا. عدا عن ذلك كان لمؤسس اليوجينية مناسبات أخرى للقيام بغزوات في علم الوراثة، مثلا من خلال إثبات تجريبي أن “البريعمات gemmules” التي تصورها داروين في فرضيته حول التكون الشامل panagenèse ليس بالإمكان أن تنتقل عن طريق الدم. واتفق أن هذه الفرضية كانت تفسر كيف يمكن للصفات المكتسبة أن تنتقل إلى النسل. وأثبت غالتون، من خلال انتقادها في نقطة محددة، بشكل غير مباشر إذن أطروحته الكبرى: أولوية الموروث على المكتسب.

وعن طريق أعماله الإحصائية حول انتقال الصفات البدنية، يظهر غالتون كذلك كأحد مؤسسي القياس الحيوي biometrie (وبشكل غير مباشر كـ”رائد” في علم وراثة الجماعات). ففي نهاية القرن19 لم يكن قد “أعيد اكتشاف” ماندل بعد، تبعا للصيغة المكرسة، وكانوا يعرفون القليل عن الوراثة. قدم غالتون بالتأكيد مساهمات ذات قيمة، ولم يكن ذلك إلا بتدقيقٍ بمعنى عملياتي (قياس دقيق للصفات) لمفهوم كان ما يزال غامضا حول الوراثة. وهذا يؤكد أن الفلسفة اليوجينية قادرة، بشكل مباشر إلى حد ما، على توليد أفكار هامة وخصبة.

{{اليوجينية وعلم وراثة الجماعات: حالة فيشر}}

هناك مؤشرات مشابهة يمكن أن تقال بصدد كارل بيرسون Pearson (1857-1936). وعلى غرار غالتون “كان يوجينيا وركز أبحاثه على التنويعات المتصلة لأنه كان يعتقد بأن الصفات الهامة من وجهة النظر اليوجينية عليها أن تتنوع بهذا الشكل”. ويحدد المؤرخ نورتون Norton صاحب هذا التصريح، أن المشروع اليوجيني لا يفسر كل شيء؛ بل يلح في عدة مرات على دور هذا الأخير في التاريخ السابق لعلم وراثة الجماعات. كان فيشر Fisher، أحد مؤسسي هذا الميدان، يوجينيا مندفعا: فلكي يتمكن المواطنون المعروف أنهم “أكثر موهبة”، من التكاثر بشكل أسهل، كان يتمنى على الحكومة أن تمنح الأغنياء مساعدات اجتماعية أكبر مما للفقراء وأن تكافح لصالح قانون بخصوص تعقيم “غير الكفوئين”. وقد أقنع تفحص النصوص نورتون بذلك: “عندما شرع فيشر بأول دراسة عن القياس الحيوي والماندلية، فقد كان ذلك بغية حل مشكلة كان قد صادفها بصدد اليوجينية”.

كان الأمر يتعلق بشكل رئيسي بتوضيح لمرة واحدة وإلى الأبد، أولوية العوامل الوراثية على العوامل البيئية. وهذا ما يذكرنا به روبيرت أولبي Olby، فقد كان الكتاب الضخم الذي طبعه فيشر عام 1930 (النظرية الوراثية للانتقاء الطبيعي the genetical theory of natural selection) مهدى للميجور ليونار داروين (1894-1943)، الولد البكر لتشارلز داروين ورئيس جمعية التربية اليوجينية ما بين 1911 و1928. “40% من الكتب كانت مكرسة لمناقشة الجوانب الاجتماعية-السياسية لحياة الإنسان والمجتمع”. في تلك الحقبة كان كتاب النظرية الوراثية لفيشر “المساهمة الأكثر أهمية للتوليف بين الماندلية والداروينية والبيومترية الذي كان قد طُبع حتى ذلك الحين”. وهذا يدل على أهميته في تاريخ العلوم البيولوجية. وكذلك من الأهمية بمكان أن تكون اليوجينية هي التي خدمت في وقت واحد كإطار ذهني وكمحرك. وتكمن وراء أبحاث فيشر نفسه اعتقاداتٌ يلخصها روبيرت أولبي بهذا الشكل: “1- الخوف من التقوض الاجتماعي؛ 2- ضرورة إيصال التنوع الوراثي في الجماعات البشرية إلى أعلى درجة ممكنة من أجل زيادة درجة التكيف؛ 3- سيادة الانتقاء الطبيعي كأساس فكري لكل برنامج إصلاح يوجيني”.

لكن المعتقد الاجتماعي لأنصار اليوجينية، بما هو عليه، ليس “علميا”.

تسمح طرق التحليل هذه بفهم كيف ولماذا كانت اليوجينية خصبة، في بعض الحالات، من وجهة النظر العلمية. ومع ذلك لا يجب أن نستخلص من ذلك أن لهذا المصدر الطموح بالضرورة آثاراً إيجابية. الفرضيات اليوجينية المسبقة تقود بشكل عام إلى التقليل من قيمة أهمية الوسط الفيزيقي أو الثقافي؛ ففي دراسة السلوك، يمكن لهذا الميل إلى تفضيل دور الجينات أن يشكل سببا للأخطاء. مثلا، في علم الوراثة بالمعنى الدقيق، وفيما يخص ال hétérosis (ميزة انتقاء متخافي الزيجوت)، يحصل أن “الطريقة المواربة” التي تعزى إلى اليوجينية، تكون مدركة بشكل واضح: تحديدا بسبب أن الهتيروزيس يمكن أن تفيد كحجة ضد بعض إجراءات “تنقية” الجينات، فالتفسير المعتاد لهذه الظاهرة مرفوض من قبل بعض اليوجينيين دون تبرير دقيق. ومن البدهي إن استخدام الهتيروزيس كحجة ضد اليوجينية ليس محايدا بدوره… لكن مثل هذه المساجلات تذكرنا مرة أخرى بأن الخطابات حول الجينات لا تتكشف دوما عن “علم خالص” أبدا. وأن الميدان اليوجيني، كما هو، ليس بجوهر علمي. هناك في البداية بواعث أيديولوجية وسياسية هي التي تؤسس لمشروع تحسين “الأعراق الأكثر موهبة”؛ وحيثية أن علم الوراثة يستطيع لاحقا تقديم الحجج لليوجينيين لا يثبت أبدا “حقيقة” هذا المشروع (ولا شرعيته الأخلاقية). واحدة من التيمات الكبرى الغالية على غالتون وعلى من أتى بعده هي أن عدة مشكلات عملية (تخص مثلا الإجرام والاضطرابات الاجتماعية بشكل عام) ستجد حلا فقط –أو بشكل أساسي- عن طريق ضبط محكم للوراثة. ومنذ ذلك اليوم إلى الآن، لا يمكن أن نرى في ذلك سوى قضية إيمان، وليس خلاصة فرضها “العلم”.

غالتون نفسه كان مقتنعا بالأهمية الوطنية لأفكاره. وكفرد من رعايا الملكة فكتوريا، كان يرغب بزيادة قوة الإمبراطورية، وغالبا ما كان يجد الفرصة، في سياق رحلاته المتعددة، للتفكير “التراتبية” بين الجماعات البشرية. ويرى أن “الزنوج” يقعون أدنى من البيض “بدرجتين” على سلّم المواهب الطبيعية. ففي كتابه وراثة العبقرية مضى لدرجة تصريحه بأن “الحماقة” البادية بشكل متواتر عند “الزنوج” جعلته يشعر أحيانا بـ”الخجل من النوع الذي ينتمي إليه”. إن العواقب العملية المترتبة على هذا الاعتقاد بشأن “المحافظة على العرق” جلية واضحة. ولا يكفي في جميع الأحوال تأمين البقيا والنمو للرعايا البريطانيين بالخاصة؛ يجب كذلك الإكثار من المصانع الجيدة في قلب المملكة المتحدة والعلماء الجيدين والعسكر الجيدين ورجال الدولة الجيدين. وبالنسبة لمن كان يريد التفوق الوطني، كانت الحاجة الملحة كبيرة بمقدار ما كانت الزمر “الأدنى موهبة” تهدد باكتساح الزمر “الأعلى موهبة”.

في معالجته “للصراع من أجل الحياة” سجل غالتون هذه الملاحظة القاسية: غالبا ما تكون النخب أقل إنجابا من الناس “الأدنى”. وبدءا من الأطروحات المرتبطة “بالعبقرية الوراثية”، كان الانتقال نحو اليوجينية إذن من السهولة بمكان. فمن جهة، يجب تحليل الموقف؛ وغالتون مثلا كان يهاجم الكنيسة لأنها كانت قد كبحت توالد “الأفضل موهبة” من خلال فرضها العزوبية على رجال الكهنوت… ومن جهة ثانية، من الملح تحديد برنامج فعلٍ من أجل تحسين “العرق”، وبشكل أكثر بساطة أيضا، من أجل توقيف “تقوضه”؛ هكذا سيكون هدف اليوجينية قد صيغ بوضوح عام 1883.

{{مفهوم مطاط: “العرق”}}

إذا أردنا أن نكون فكرة صحيحة عن وحدة فكر غالتون وتنوعه في آن واحد، من المهم تفحص كيف كان يجيب على هذا السؤال البسيط ظاهريا: ما هو العرق؟ بالنسبة له فإن هذا المفهوم متعدد المعاني. فهو بادئ ذي بدء يحيل إلى الفكرة الرائجة عن “العرق”: البيض والسود والصفر، وما إلى ذلك من الأعراق. (في وقتنا الراهن، ولنكرر ذلك، إن صلاحية هذا المفهوم مرفوضة من قبل العديد من العلماء). وإذا لم نعتبر إلا هذا الاستخدام للكلمة، فإن التمييز بين “الأعراق الموهوبة” و”الأقل موهبة” يوصلنا إلى تفكير يمكن وصفه بالعرقية racialiste أو بالعنصرية raciste. لكن حتى هذا المفهوم، من جهة أخرى، يُستخدم من قبل غالتون بصورة أكثر مرونة بكثير: “العرق”، بالمعنى الثاني، يتألف من كل جماعة متجانسة (أو تكاد تكون متجانسة) تؤبّد وراثيا صفات معينة. وهكذا يتضح أن غالتون يعلن في الغالب كما لو كان هناك “عرق” إنكليزي أو “عرق” خاص ببريطانيا العظمى. مثل هذه الفكرة تقبل المناقشة بشكل كبير طبعا. لكنها تبدو بدهية بما فيه الكفاية بالنسبة لغالتون؛ فهو يريد القول أن الجماعات المقصودة تبدو له من الناحية الإحصائية متجانسةَ نسبيا وقابلة للتوصيف ببعض السمات الفيزيقية أو العقلية أو الأخلاقية. وقرائن “عرق جيد” هي أيضا ضبابية، لكنها تتضمن بشكل رئيسي صفات كالذكاء والطاقة والقوة البدنية والصحة.

ليس هذا كل شيء، فـ”العرق” قد يشير أيضا إلى زمرة اجتماعية، طبقة من شعب بلد معين. ويستخدم غالتون مثلا كلمة “عرق” كمرادف لكلمة “طبقة مغلقة caste”. وبحسب قاموسٍ عادي فإن كلمة caste تعني “طبقة اجتماعية وراثية”. وهذا يتوافق تماما، كما يبدو، مع ما كان في ذهن غالتون عندما عارض بين النخبة وبين الجماعات الثانوية الأخرى في بلده. المحافظة على “العرق” وتحسينه يمكن ّن أن يفهما بعدة طرق.

فعلى المستوى الأول، يكمن الهدف بتجنب أن تفقد “الأعراق الأفضل موهبة” (بالمعنى الرائج لكلمة عرق) كفاءتها. وقام الفرنسي شارل ريشه Richet (نوبل في الفيزيولوجيا والطب)، بتحديد دقيق لهذه الفكرة المثالية: “قبل كل شيء، يجب تجنب أي اختلاط للأعراق البشرية العليا مع الأعراق الدنيا. (…) وأنا لا أفهم عن طريق أي ضلال يمكن أن نماثل زنجيا بأبيض”. وكذلك: “سنخلق بين الأعراق التي تسكن الأرض أرستقراطية حقيقية، هي أرستقراطية البيض، العرق الحر، غير الممزوجين مع العناصر الإثنية الكريهة التي تقحمها بيننا أفريقيا وآسيا”. لكن تبجيل “العرق” قد يفضي أيضا إلى اليوجينية التي تميز، داخل “العرق الأبيض” بالذات، أمماً أو شعوبا ذات قيم مختلفة (مثلا “الشماليين” و”سكان البحر المتوسط”؛ كذلك قد تفضي إلى يوجينية طبقية، إذا أمكن القول، تهدف إلى تشكيل عدة فئات من المواطنين في البلد الواحد.

ومنذ فترة قريبة، طور الحاصل على نوبل في الفيزيولوجيا والطب، ماكفرلن بورنيت نظرات محددة جدا تلخص بشكل جيد هذا التصور. فبفضل مصادر من علم الوراثة والطب الحديث، وكذلك بفضل حركة اجتماعية انتظامية، من الممكن بالنسبة له، من ناحية التوالد، انتقاء وعزل الطبقات المغلقة الأرقى والأدنى. وبشكل مثالي، يمكن قبول فرضية تقسيم البشرية إلى عدة أنواع espèces. ويجب لذلك كثير من الوقت والمثابرة… لكن من يدري؟ كان غالتون، بشكل مشابه، قد أوضح في سردية يوتوبية (كانت سي وير Kantsaywhere [لا أعرف أين]) كيف يتوجب على مجتمع يوتوبي مكتمل أن يتصرف من أجل تكوين “أرستقراطية عقلية” دائمة: انتقاء الأفراد الكفوئين، توالد مجدٍ (عن طريق زيجات مبكرة) لهؤلاء الأفراد، ترحيل أو عزل لغير الكفوئين، وهكذا دواليك. يمكننا إذن أن نلاحظ ذلك، فبفضل مرونته يمكن لمفهوم غالتون عن “العرق” أن يكون عرضة للعديد من التأويلات. ولا واحد مما عرضناه غريب تماما عن غالتون نفسه في كافة الأحوال.

{{“الفاسدون بالوراثة” يمكن أن يكونوا أعداء الدولة}}

كتب غالتون عام 1873 مقالا حول “التحسين الوراثي”؛ أوضح فيه أنه من أولويات ما يتوجب على الإنسانية هو أن تساهم طوعا بالعملية العامة لـ”الانتقاء الطبيعي”. تقع هذه التيمة في صلب تفكيره وتستند بشكل بدهي على الفكرة الكبرى التي طورها عام 1859 قريبه الشهير داروين في كتابه عن أصل الأنواع. وكما قال غالتون في العديد من المرات، يجب على البشر أن يقوموا بوعي وبمنهجية وبسرعة، بما تقوم به الطبيعة بشكل أعمى وببطء، وللعلم: أن تشجع بقيا الأكثر كفاءة، وتعيق (أو تمنع) تكاثر غير الكفوئين. وبشكل خاص إذا كانت “الطبقة الموهوبة” (the gifted class) معرضة للخطر، يكون الأمر إلزاميا. حتى أنه قد يتوجب اعتبار المواطنين الأشد ضعفا “أعداء للدولة”؛ ومعنى هذا، كما يحدد غالتون، اعتبارهم كائنات لا تستحق أن تعامل برحمة. مثل هذه الطروحات كان قد أصغى إليها بانتباه العديدُ من المسؤولين السياسيين. وهناك أرقام مذهلة قد ذُكرت: ففي الفترة ما بين 1899 و1912 تم في ولاية إنديانا في أمريكا تطبيق 236عملية قطع القناة الدافقة [الأسهر] vasectomy عند المتخلفين عقليا، وقد صوتت هذه الولاية بالذات عام 1907 على قانون بعيد النظر لتعقيم “الفاسدين عقليا”؛ وقامت كاليفورنيا إضافة إلى 28ولاية بمثل ذلك. “كان عدد الذين تعرضوا للتعقيم حتى عام 1935 قد ارتفع إلى 21539، أكثر من نصفهم في كاليفورنيا”. ويمكن تعداد إحصاءات من هذا القبيل. لم تكن كافة الإجراءات اليوجينية بمثل هذه الفظاظة، ولنفكر مثلا بقانون تقييد الهجرة لعام 1924، الذي بسببه وضعت الولايات المتحدة مراقبة انتظاميا للمهاجرين. كلها مستلهمة من الفلسفة الانتقائية.

ومن الناحية التاريخية من الممكن أن نحدد تقليدا مستمرا يقوم بنشر اليوجينية بإصرار حتى أيامنا هذه. وكما رأينا مع ريشه وبورنيت، لم يتردد عدد من العلماء ذائعي الصيت في عرض إجراءات قاسية جدا. وحالة الفرنسي أليكسي كاريل، نوبل في الفيزيولوجيا والطب، قد تكون أكثر وضوحا. ففي عام 1935 طبع كتابا لقي نجاحا باهرا (بيع منه عدة مئات الألوف وترجم إلى 19لغة): الإنسان ذلك المجهول، أوضح فيه أنه بسبب الضعف في الانتقاء الطبيعي، فإنه يجب إعادة تكوين “ارستقراطية بيولوجية وراثية”. ومن خلال أسفه على السذاجة التي تثبتها الدول المتحضرة في محافظتها على “الكائنات غير المفيدة والمؤذية”، ينصح من بين ما ينصح به “ضبط المجرمين الأقل خطرا بالسوط أو بأية طريقة أكثر علمية”. وبخصوص الآخرين، “هؤلاء الذين قتلوا، والذين سرقوا بقوة السلاح، والذين خطفوا الأطفال، والذين نهبوا الفقراء، والذين خانوا بشكل خطير ثقة العامة، يمكن لمؤسسة للقتل الرحيم مزودة بغازات مناسبة، أن تستخدم بشكل إنساني واقتصادي”.

صرح بيتر مدور، نوبل في الفيزيولوجيا والطب، أن “رائحةَ عفونة لا تحتمل لغرف الغاز” تحوم فوق اليوجينية؛ وهو رأي يفهم بسهولة شديدة. ومن الغريب أن غالتون قد صاغ هذا الحلم: يمكن لليوجينية أن تصبح “دوغما دينية للإنسانية”! وقد تنبأ إضافة لذلك بأنه بعد اختفاء الدين التقليدي “سيتسلم الدفة نوع من الكهنوت العلمي”. يا له من كهنوت غريب ودين غريب.

{{في الخلفية، نظرية داروين في الانتقاء الطبيعي}}

ولأن فكرة الانتقاء جوهرية في اليوجينية، فإن السؤال التالي يطرح نفسه: بأي شكل استطاعت النظرية الداروينية في التطور أن تساهم في ولادة أفكار غالتون؟ يمكن اختصار المسألة، كما أرى، بالقول إن داروين لم يتوقع ولم يُرد اليوجينية المذهبية التي ابتدعها قريبه غالتون، لكنه بثّ عدة أفكار ساهمت في جعلها ممكنة، بل من الصعب تجنبها. لقد تم في الغالب تجنب هذا السؤال بغية الإبقاء على صورة داروين كـ”عالم بحت”. لكن بعيدا عن أي حكم حول نوايا العالم الكبير، يبدو من الواضح أن عمله يحتوي على كافة الإرهاصات الرئيسية للمحاججة اليوجينية. إضافة لذلك أخذ داروين على عاتقه عدة آراء لغالتون متعلقة بوراثة “الكفاءات” وبالآثار الاجتماعية للانتقاء. ففي كتابه تحدُّر الإنسان Ascendance de l`homme (1871)، يذكر عدة مرات، محبذا أفكار قريبه التي نشرها في كتاب العبقرية الوراثية (1869). وهو من جهة أخرى يصرح في سيرته الذاتية: “أنا ميال للاعتقاد، على غرار غالتون، أن التربية والمحيط يُنتجان مجرد تأثير ضعيف على ذهن الفرد وأن معظم كفاءاتنا فطرية”. والأمر المهم هو أن نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي، المؤسس بالمقارنة مع الانتقاء الاصطناعي الذي يمارسه مربو الحيوانات، كان بالطبع ممكن التطبيق في حالة النوع البشري. وداروين بالذات وجد في كتابه المخصص لأصل الإنسان أنه من الطبيعي في البداية أن يوسع أسئلته: هل للانتقاء من تأثيرات على تطور البشرية؟ وهل باستطاعة المحافظة على الأفراد “المتخلفين” أن تساهم في تفسخ بعض الجماعات؟

الإجابات التي قدمها إيجابية. وبقيامه بالتمييز بين “المتوحشين” و”البشر المتحضرين”، فقد أوضح داروين مثلا أنه عند المتوحشين “تتم تنحية الأفراد ضعاف الأبدان والأذهان بشكل سريع”. كذلك “فإن الناجين يلفتون النظر من خلال حالتهم الصحية القوية”. في حين أننا “البشر المتحضرين نقدم (…) جهدنا لإيقاف مسيرة التنحية، إننا ننشئ المشافي للمتخلفين وللمعاقين وللمرضى، ونضع قوانين لتقديم العون للمحتاجين”. الخلاصة: “يستطيع الأفراد المتخلفون في المجتمعات المتحضرة إذن أن يتناسلوا بشكل غير محدود. وهذا ما يصدم الحس العام لداروين، لأن كل الذين يهتمون، كما يلاحظ، بتكاثر الحيوانات المنزلية يعرفون “كم سيكون تأبيد الكائنات المتخلفة هذا مؤذيا للعرق البشري”. ويلح داروين: “فيما عدا الإنسان ذاته، ما من أحد بلغ به الجهل وسوء التصرف حدا يسمح به للحيوانات البهيمة بالتكاثر”. بدءا من ملاحظة كهذه، يتعلق الأمر بمراهنة على بناء نظام يوجيني.

النتيجة المنطقية لهذه التأكيدات، هي أن وسيلةً مجدية بشكل خاص من أجل تأمين المحافظة على “العرق”، تكون من خلال إبطاء انتشار الكائنات “المتخلفة”. يلاحظ داروين أن الانتقاءَ قد عملَ في بعض الحالات لصالح هذه الجماعة البشرية أو تلك: “هناك بالتأكيد كثير من الحقيقة في الفرضية التي تنسب إلى الانتقاء الطبيعي أنماط التقدم المذهل في الولايات المتحدة”. يا للحسرة، يحصل أيضا أن المواطنين الأقل “كفاءة” يتكاثرون. لنستشهد أيضا بداروين ذاته: ” يميل الأفراد اللامبالون والسفلة والفاسدون في المجتمع، إلى التكاثر بنسبة أشد سرعة من أولئك الأكثر حذرا وبشكل طبيعي أشد حكمة”. ونجد هذه الأيام بقلم أنصار اليوجينية الأكثر فظاظة طروحات تكاد تكون مطابقة. كان داروين يقدر أنه يتوجب اختبار “الشفقة” و”التعاطف”، وعلينا “أن نعاني دون أن نشكو من التأثيرات التي لا شك بسوئها والتي تنجم عن بقاء الكائنات المتخلفة وانتشارها”. لكن عن حق، سيقول الخبراء أصحاب الذهن الأقل حساسية، لماذا قبول هذه التأثيرات “السيئة” في الوقت الذي يمكن فيه التدخل؟

هناك على الأقل صلة ملحوظة جدا بين الفكر الدارويني والفكر الغالتوني، وبالتأكيد ليس وليد المصادفة أن يكون معظم كبار دعاة اليوجينية داروينيين أو داروينيين جددا مقتنعين. ففي نظرهم لم تفعل اكتشافات الوراثة الحديثة سوى تثبيت ضرورة انتقاء من نمط يوجيني: فلأن الصفات المكتسبة لا يتم انتقالها، لا يمكن “تحسين العرق” إلا من خلال انتقاء انتظامي (أو من خلال فعل مباشر على المجين génome). إنها محاججة واضحة وبسيطة، ومن السهل تسويغ تبعاتها الاجتماعية “علميا”. ففي مجتمع ناشط، مهموم بالجدوى، فإن انتقاء (أو إنتاج) مورثات جيدة يبدو مثاليا طبيعيا تماما. باختصار، يوجد في العلم الحديث، الذي يُعتبر مدونة للمعارف الأساسية، كافة العناصر النظرية الجاهزة لـ”تبرير” سياسة يوجينية راديكالية. ربما كان من الواجب التفكير بذلك أكثر حين أنشئ في فرنسا مؤخراً مجلس استشاري وطني للأخلاق من أجل علوم الحياة والصحة. العلماء والتقنيون عديدون، فإذا كان من الصحيح أن تأهيلهم يهيئهم بشكل ما لقبول “منطق” الأفكار اليوجينية، هناك إذن خطر (مهما كان قليلا) من رؤية ظهور حالة ذهن محبذة نسبيا لـ”تلاعبات” مستوحاة إلى هذا الحد أو ذاك من اليوجينية.

{{خلافا لـ”الداروينية الاجتماعية”، اليوجينية تكنوقراطية واستبدادية}}

لنحدد بدقة في هذه المناسبة اختلافا هاما ما بين الداروينية الاجتماعية واليوجينية. أنصار الأولى هم “ليبراليون” يجلّون فكرة دعه يعمل، ويقدّرون أن التنافس جيد وأنه بفضل “الصراع من أجل الحياة” يتم تأمين بقاء الأصلح. يكفي إذن عدم إعاقة العمليات الانتقائية التلقائية. أما اليوجينية فلها من البداية شيء من التكنوقراط والبوليسية: الهدف هو إقامة نظام استبدادي قادر على إنتاج الأفراد الجيدين والناس الجيدين “بشكل علمي”، ممن تحتاج إليهم الأمة. وكما بين دونالد ماك كنزي MacKenzie، فقد مارست الأيديولوجيا اليوجينية، في بريطانيا، جاذبية خاصة على رجال العلم والجامعيين والأطباء، وبشكل عام على الطبقات المتوسطة. يبدو أن العديد من المثقفين رأوا فيها، من بين ما رأوا، وسيلة لتحريك نوع من “حكم الأحقية méritocratie”. وبالنسبة للبرجوازية الصغيرة، كان وجودُ مواهب وراثية خاصة فكرةً مغرية، وتستعمل من أجل تأكيد “تفوقها” مقارنة بالعمال العاديين.

يجب مع ذلك الحذر من الاعتقاد بأن لكل اليوجينيين الدوافع ذاتها. فتبعا للبلدان، يتنوع الأسلوب والاهتمامات. ففي بريطانيا يبدو أن المعتدلين كانوا هم المسيطرين. على خلاف الألمان والأمريكان، تبعا لماك كنزي، فقد مارسوا “يوجينية طبقية” أكثر منها “يوجينية عنصرية [عرقية]”. بتعبير آخر، كانوا يهتمون ليس بحماية أنفسهم من اليهود والسود والمهاجرين الآخرين بقدر ما كانوا يهتمون بإيجاد الحلول الحيوية الطبية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية. وسرعان ما ظهر أن “الأزمات” تتطلب أدوية أخرى، والمشروع الذي قدمه عام 1936 ماك برايد MacBride في مجلة نيتشر Nature لم يدم طويلا. كان المقصود بكل بساطة تعقيم العاطلين عن العمل… نرى هنا دوما ضلالا هامشيا بالكامل. لكن حتى في هذه الحالة قد يكون المقصود زيغا يعبر عن فلسفة شائعة عند اليوجينيين: لكي نحل المشكلات الاجتماعية والسياسية يكفي التدخل بالسلاح البيولوجي وخاصة الوراثي. فأن يكون بعض متبني هذا التصور يخطئون بسلامة نية أكثر منه بكلبية cynisme، فهذا ممكن؛ غير أن الطريق إلى جهنم، كما يقال، معبد بالنوايا الحسنة. غير أن المهم هو رؤية إلى أين يؤدي ذلك.

بسبب أن المنحدر زلق: يتم البدء بانتقاءٍ إلى أقصى حد (غالتون كان من كبار رواد الاختبارات)، ويتم وضع خرائط للهويات الوراثية، وتتعدد الضوابط المرتبطة بالزواج وبالصحة، ويتم قطع القنوات المختلفة عن “المجانين” وعن “اللااجتماعيين” وعن “المعاقين” –وتظهر آنئذ الحلول النهائية. مثلا، القتل الرحيم “إنساني واقتصادي” بالنسبة لكاريل. والأسوأ ليس أبدا مؤكدا؛ لكن قد يتحقق وقد تحقق فعلا. عانى اليوجينيون في بريطانيا العظمى تجربة مرة من ذلك قبل الحرب العالمية الثانية. فباستثناء بعض المتعاطفين مع الفاشية، فقد عانوا من خيبة باكتشاف ما الذي تعنيه اليوجينية التي طبقها النازيون خلال الثلاثينيات (ممارسة يوجينية انتهوا إلى إدانتها). وهناك يوجينيون آخرون (مثل مكفرلن بورنيت) يبدون في أيامنا أكثر “تفهما” بصدد هتلر. كان لليوجينية النازية بالتأكيد دوافع خارج علمية. لكن في كتابه كفاحي (كتبه بدءا من 1924) كان هتلر يرجع صراحة إلى البيولوجيا والتوالد والتطور من أجل تسويغ معتقده في “نقاوة العرق”. هناك أفكار خطرة لا يجب اللعب بها؛ وأما اللاوعي، بالأمس كما هو اليوم، فليس ذريعة جيدة.

{{اليوجيني هذه الأيام}}

تطورت الحالة كثيرا منذ غالتون، بل ومنذ كاريل. فعلى الصعييد الأيديولوجي والاجتماعي، وبسبب النازية، خضعت اليوجينية لتراجع صريح؛ على أي حال لقد أصبحت خفية. لكن التقدم الهائل الذي أصاب البيولوجيا والهندسة الوراثية مع الزمن جعل من الممكن وجود يوجينية متقنة. وينجم عن ذلك حالة هي من التعقيد بمكان؛ هناك عدة ميول يوجينية جديدة بدأت تظهر، لكن دون أن نستطيع التنبؤ بشكل مؤكد ماذا ستكون عليه الخيارات الكبرى في المستقبل. ولكي نحاول رؤية واضحة، لننطلق من بضع ملاحظات متعلقة بالمعارف الجديدة وبالقدرات الجديدة المكتسبة عن طريق البيولوجيين.

المصدر: La tentation de l’eugénisme, Pierre Thuillier, La Recherche, No 155, MAI, 1984

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق