داروين والثورة الداروينية (21)

{{مهاد}}

أعتقد أن مناقشة النص العلمي المتحوّل بمقابلة نصوص مقدّسة تمتلك قيمتها المطلقة من مقتضيات “خارج علمية”، يبدو متعسفا وغير ذي جدوى أحيانا، لأنّ النظريات العلمية والفرضيات التي تنتج في الحقل العلمي غير معنيّة تماما بما ورائها وما خلفها من تصورات لاهوتية قارّة. ليس بسبب إلحاد العلماء جميعا، بل لأنّ المنطق العلمي هو منطق تجريبيّ سواء في أجواء مختبرية خاصة، أو في أخرى طبيعية أشمل وأوسع تخصّ الطبيعة وقوانينها أو الإنسان ومنظومة مرجعايته الوراثية والمكتسبة.

ودارون لا يشذّ عن هذا الفهم، فالرجل قد ساهم بشكل جدّي في بناء نظرية، هي محض جدل واختلاف عميقيْن في حقل العلم من جهة واللاهوت من جهة أخرى. فالعديد من العلماء يختلفون مع دارون في فرضيته في النشوء والارتقاء والبقاء للأصلح والحلقة المفقودة بين الإنسان والقرد، وخصوصا في موضوعة تطور الإنسان .

لذا سأدخل إلى دارون ونظريته ليس كالمصدق الأعمى، ولا كالمتشكّك والمكّذب سلفا والذي يؤمن بمطلقاته الخاصة، وسنرى كيف تسير هذه الفرضية العلمية في سياقها العلمي وما هي نتائجها على الحقول الاجتماعية والتربوية والسياسية .. الخ.

{{الزهاوي ونظرية دارون}}

كان الشاعر العراقي الكبير جميل صدقي الزهاوي من العقول المتحررة التي طالبت بالانتصار لسفور المرأة ضدّ الحجاب بقوله:

أسفري فالحجاب يا ابنة فهرٍ

هو داء في الاجتماع وخيمُ

كما كان الزهاوي من دعاة التحرّر من القافية الشعرية وجعل الشعر مرسلا دون زائدة ” أو َذنَب كما يقول” لأنّ الإنسان تحرّر من الذيل وفقا لنظرية دارون واستقام إنسانا، كما كان يؤمن الزهاوي الشاعر والفيلسوف، ولكنّ هذه التصريحات العلمانية بشأن تحرّر المرأة والشعر، قد أوقعت الزهاوي في معركة ضارية استثمرها خصومه الشعراء ورجال الدين معا، وإثر هذه الثقافة هاج عامّة العراق في بغداد على الشاعر والفيلسوف الزهاوي وأردوا قتله لأنه اعتنق نظرية التطور الداروينة .

وفي السياق نفسه يروى في حكاية طريفة، أنّ العامّة والغوغاء في بغداد قد تجمّعوا بناء على دعوة رجال الدين، والتي تفهمت نظرية دارون من خلال بابها الضيق :إن أصل الإنسان قرد فقط.

فتجمّع الناس في مسجد المدينة وخطب الشيخ بهم بحماسة لافتة وقال: جاء في البدع الآتية من الغرب الكافر، أن واحدا اسمه” داروين” يقول إن أصلكم قرود ” والعياذ بالله”، فحدث هرج ومرج وارتفعت السبّابات والمُدى والحراب والسيوف لإراقة دمه الليلة، ولكن الشيخ الفطين هدّأ من روع العامّة بقوله: اسمعوا إن ” الملعون داروين” هذا من بلاد الفرنجة، وهو بعيد عن مرمى سيوفكم وسلاحكم، فعظم الله أجركم بمصابنا وأحسن إليكم، ولكني سأموت قهرا لشيء واحد. قال الجمع الغاضب، وما هو يا شيخ؟ قال: أنا أرضى أن يكون جدّي قردا، وأرضى تماما أن يكون جدّكم قردا أيضا، ولكني لا أصدق أن يكون جدّ نبينا الأكرم محمد “ص” قرد أيضا”.

ما أريده من هذه الحكاية التأكيد على إمكانية النظر الثاقب في أصل فرضية دارون العلمية ودرجة قبولها علميا وعمليا أولا، وما مدى النتائج التي ترتبت على تبنّي هذه النظرية في الحقول السياسية والعقائدية والاجتماعية ثانيا؟

{{آراء في نظرية دارون}}

*- في كتاب “دارون والداروينية” الصادر في باريس لمؤلفه باتريك تور كما نقلت عنه صحيفة “البيان” الإماراتية يقول: كانت هذه النظرية بمثابة الزلزال الفكري الذي زعزع كلّ العقائد التقليدية السائدة عن أصل الكون والإنسان. ويقال بأنّ الإنسان أصيب بثلاثة جروح نرجسية على مدار القرون الأربعة الماضية، فالجرح النرجسيّ الأوّل سبّبته له نظرية كوبرنيكوس عن النظام الشمسي، فحتى عهده كنا نعتقد أن الأرض هي مركز الكون، وأنّ الشمس تدور حولها. أما الجرح الثاني الذي أصابنا في الصميم وشكّل طعنة لنرجسيتنا واعتزازنا بأنفسنا، فهو اكتشاف داروين. فقد كنا نعتقد أننا من جنس وبقية كائنات الطبيعة من جنس آخر، فإذا بداروين يجيء لكي يقول لنا بأننا حيوانات مثل بقية الكائنات الحية، ولكن بشكل أرقى. وكانت هذه الصدمة أكبر من الأولى بكثير لأنها جرحت كبرياءنا وخدشت مشاعرنا، إذ قالت لنا بأننا من أصل حيواني، ولذلك فإن الكنيسة المسيحية أو الأوساط المحافظة شنّت حملة شعواء على داروين بعد صدور كتابه الشهير. واتهمته بأبشع النعوت: مادّي، ملحد، كافر بالله، الخ. بل لا تزال الأصولية البروتستانتية تلاحقه حتى الآن في أميركا وترفض تدريس نظريته للتلاميذ. أما الجرح النرجسي الثالث الذي أصاب البشرية، فكان هو اكتشاف فرويد لنظرية التحليل النفسي والقول بأنّ اللاوعي هو الذي يسيّر الإنسان وليس الوعي، على عكس ما كنّا نظنّ منذ مئات السنين.

*- -يقول الكاتب التركي هارن يحيى في كتابه “الصراع ضدّ أديان الكفر” ترجمة حنان الشيخ أنّ نظرية داروين زعمت هذه المزاعم والإدعاءات دون أن يكون لها أيّ سند علميّ تقوم عليه، كما يؤكد بمقاله “نهاية أسطورة داروين” أنّ نظرية داروين تطوّرت في أواسط القرن التاسع عشر في الفترة التي كان العلم بها متخلفا بالنظر إلى ما وصل إليه في الوقت الحاضر. ولم يكن لداروين أو الذين سبقوه من رواد هذه النظرية أيّة معلومة عن كيفية تكاثر الكائنات الحية والتركيب العلمي الكيمياوي لها، ولم يكن لهم كذلك علم بكيفية استمرارها في الحياة، وذلك بسبب عدم كفاية درايتهم بتفاصيل الكائنات الحيّة. ومن أجل الإقناع بنظريتهم قاموا بنشر الادعاء القائل بأن الحياة ظهرت عن طريق المصادفة ثم تطوّرت كذلك بالمُصادفة.

إلاّ أنّ العلم في القرن العشرين تطوّر تطورا كبيرا وأظهر أنّ تفاصيل حياة الكائنات الحيّة معقّدة في تصميمها، وهي ليست على النحو الذي ادّعاه أصحاب نظرية التّطور، بل على العكس من ذلك تماما. وكان التطوريون يزعمون أنّ تكوين الخلية الحية بسيطٌ، ويمكن صناعة الخلية من خلال توفير المواد الكيمياوية اللازمة لذلك، وبعد مرور فترة من الزمن يمكن الحصول عليها. بيد أن التحاليل التي أجريت بواسطة الميكروسكوب الإلكتروني الحديث خلال القرن العشرين أظهرت نتائج مختلفة تمامًا. ففي الخلية توجد تصاميم معقدة بحيث لا يمكن أن تكون عبارة عن مصادفات، وهذا ما صرّح به عالم الرّياضيات والفلكي الشهير الإنجليزي الأصل السيد فريد هويل قائلا: “كومة من خردة الحديد أخذتها عاصفة هوجاء، ثم تناثرت هذه القطع وتكوّنت طائرة بوينج 747 بالمصادفة”، إنّ مثل هذه النتيجة غير ممكنة ومستحيلة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تكوين الخلايا الحية.

ويمكن القول إنّ التشبيه غير كاف، لأنّ الإنسان تقدّم بحيث استطاع أن يصنع طائرة “بوينج 747″ ولكنّه مع تقدمه هذا لم يستطع أن يقوم بتركيب خلية حيّة واحدة في أيّ مختبر علميّ.

إن الكائنات وجميع الموجودات الأخرى يجب أن يكون لها صانع، وهذا دليل على وجود الله الذي له القدرة على الخلق. وهذه هي إحدى الحقائق التي وضعت نظرية داروين في أزمة. وبالإضافة إلى ذلك فإن أيّا من التطوّريين لم يقم بإثبات كون المخلوقات الحية ظهرت مُصادفة.

مثلما أن وجود الكائنات الحية وتكوّنها غير ممكن عن طريق المصادفة، فكذلك تطوّر الكائنات الحية بعضها إلى بعض غير ممكن، لأن الطبيعة وحدها لا تملك هذه القدرة، فالطبيعة ليست سوى تراب؛ حجر وهواء وماء، أي أنها عبارة عن تجمّع لذرّات بعضها مع بعض.

فالمصادفة تعني أن كومة من هذه المواد غير الحيّة، يمكنها أن تغيّر الدودة إلى سمكة، ومن ثم تخرج السمكة إلى اليابسة وتتحول إلى نوع من أنواع الزواحف، ثم تتحول إلى طير فتطير، وبعد كل هذا يتكون منها الإنسان، ولكن هذا ما لا تستطيع الطبيعة أن تفعله.

*- قام علماء الحفريات المؤيّدون لنظرية التطور بالبحث عن حلقات وصل بين الكائنات الحية المختلفة،في مختلف أنحاء العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، حلقات الوصل، أو الحلقات الانتقالية هي كائنات مفتَرَضَة تحوي نصف أعضاء أو نصف صفات من كائن معين وذلك في طريق تطورها إلى كائن آخر .

ملحوظة مهمّة: ولكن لا بدّ ألا نخلط بين تلك الكائنات المفترضة الخرافية، وبين بعض الكائنات الحية التي نجدها في الطبيعة، مثلا حيوان البلاتبوس( أو منقار البط ) هو يعيش في أستراليا، له منقار مثل منقار البطة، ويضع بيضه مثل الزواحف، وبالطبع هذا ليس حلقة انتقالية في طريقها للتطور إلى بطة أو زاحف، فالعلماء يسمّونه الكائن الفسيفسائي mosaic creatures، وليس حلقة انتقالية بأي حال من الأحوال.

ورغم جهدهم الحثيث، إلا أنهم لم يعثروا على أيّ حلقات انتقالية، بل على العكس، اكتشف العلماء من خلال الحفريات المختلفة أن الحياة نشأت على الأرض فجأة، وأنها نشأت في صورة مكتملة تماما منذ اللحظة الأولى.

وهنا تأتي شهادة Robert Carroll عالم الحفريات، ومؤيد الدارونية، حيث يعترف بأن أمل دارون لم يتحقق بالحفريات: على الرغم من البحث الكثيف لأكثر من مائة عام بعد موت دارون، إلا أن الاكتشافات الحفرية لا تكشف عن الصورة المتكاملة من الكائنات الانتقالية التي توقعها دارون”

*- و أيضا العالم K. S. Thomson وهو عالم حفريات مؤيد للدارونية، يعترف بأنه من خلال دراسة تاريخ الكائنات التي عاشت على الأرض من خلال سجل الحفريات، فإن أي مجموعة جديدة من الكائنات الحية تم اكتشاف حفريات لها كانت تظهر بشكل مفاجئ وغير مترابط مع أي كائنات حية أخرى: ” عندما تظهر مجموعة كبيرة من الكائنات الحية في السجل، فإنها تكون مجهزة تماما بصفات جديدة ليست موجودة في الكائنات المتعلقة بها. و يبدو أن هذه التغيرات الجذرية في الشكل الخارجي و الوظيفة تظهر بسرعة جدا …..”

*-وعالم الأحياء Francis Hitching يقول في كتابه “The Neck of the Giraffe: Where Darwin Went Wrong” يقول:

” إذا كنت نظرية دارون صحيحة، ولو وجدنا حفريات بالفعل، لا بدّ أن تحتوي الصخور على حفريات لكائنات متدرجة بشكل دقيق جدا، تتدرج من مجموعة من الكائنات إلى مجموعة أخرى بمستوى أعلى من التعقيد. ولا بدّ أن نجد حفريات توضح الفروق الطفيفة بين الكائنات الانتقالية المختلفة بكمية وبوضوح مماثل للحفريات التي وُجِدَت للأنواع المختلفة المُحَدَّدة. ولكن ليس ذلك هو الوضع في الواقع، الواقع هو العكس. وهذا ما اشتكى منه دارون نفسه:

….. على الرغم من أنه وفقا لهذه النظرية لا بدّ أن تكون هناك كائنات انتقالية لا حصر لها، لماذا لا نرى هذه الكائنات مطمورة بأعداد كبيرة في قشرة الأرض؟؟

وقد شعر دارون أن المسألة ستُحَلّ بإيجاد مزيد من الحفريات، والواقع أنه كلما تم العثور على حفريات جديدة وجدناها كلها دون استثناء قريبة جدا للكائنات التي تعيش حاليا”

*-إن سجل الحفريات يدل على أن الأنواع المختلفة وُجِدَت فجأة بتراكيب مختلفة تماما، وظلت كما هي تماما على مدار الفترات الجيولوجية المختلفة.

وهذا ما يعترف به عالم الحفريات المؤيد للتطوّر في جامعة هارفارد Stephen Jay Gould في أواخر السبعينات: إن تاريخ معظم الحفريات يحتوي على صفتين لا تتماشيان مع التدرج في إيجاد الكائنات الحية: الأولى هي الاتزان والاستقرار، حيث لا تتغير طبيعة الكائنات طوال مدة بقائها على الأرض. فالكائنات الموجودة في سِجِلّ الحفريات تظهر وتختفي كما هي دون حدوث تغيرات عليها، وإن حدثت تغيرات فإنها تكون تغيرات طفيفة وفي الشكل الخارجي وليست باتجاه أي تطور. والصفة الثانية هي الظهور المفاجئ، ففي أيّ منطقة لا تنشأ الأنواع الجديدة تدريجيا منحدرة من كائنات أخرى، وإنما تظهر فجأة وبتركيب مكتمل تماما”( ونحن نقول إنها خُلِقَت منفصلة عن بعضها وكل مخلوق منها له خصائصه المستقلة التي خُلِقَت معه منذ أول لحظة)

*- إن معظم الأنواع خلال العصور الجيولوجية المختلفة، إما أنها لا تتغير بأي شكل يُذكَر، أو أنها تتراوح بشكل بسيط في الشكل الخارجي ولكن بدون أي توجه نحو التطور ”

*-لقد اضطر العالم المؤيد للدارونية Robert Carroll في سنة 1997 إلى أن يوافق على ذلك:

” إن معظم المجموعات الكبيرة من الكائنات تنشأ وتتنوع في مدة جيولوجية قصيرة جدا، وبعد ذلك تستقر على ما هي عليه بدون أي تغير كبير شكليّ أو غذائي ( يعني في نمط الحياة) ”

*- يتخيل الدارونيون أنه هو الكائن الذي تطور إلى الطيور ، يعني هو أصل الطيور، وأنه عاش قبل 150 مليون سنة، وقالوا إن له صفات تنتمي للزواحف ،وقالوا إنه تم العثور على حفرية لهذا “الكائن الانتقالي”، وعند هذه النقطة تتوقف بعض المناهج الدراسية عن الكلام، لذلك دعونا نتابع خبرا حديثا نسبيا يتابع هذه النقطة:

ففي عام 2000 في 23 يونيو، نشرت صحيفة النيويورك تايمز خبرا علميا بعنوان ( اكتشاف حفرية تهدد نظرية تطور الطيور “Fossil Discovery Threatens Theory of Birds’ Evolution”. ، وتم نشره أيضا في مجلات علمية شهيرة مثل مجلة Science ومجلة Nature ، وفي قناة BBC الإخبارية، تم نشر الخبر العلمي التالي: ” لقد اكتشف العلماء أن الحفرية الجديدة التي تمّ استخراجها من الشرق الأوسط، والتي ترجع إلى 220 سنة هي لكائن مغطى بالريش، ولديه عظمة ترقوة تماما مثل الأركيوتيركس، والطيور التي نعرفها اليوم، ولديه عِراق ريشة مجوف Hollow shafts in its feathers وهذا يدحض الادعاء بأن الأركيوتيركس هو الكائن الانتقالي الذي انحدرت منه الطيور، لأن هذه الحفرية التي فيها كل صفات الطيور هذه قد تم اكتشافها 75 مليون سنة قبل ما يقول الدارونيون هو وقت ظهور الأركيوتيركس. وهذا يعني أن هناك طيرا حقيقيا بكل صفات الطيور التي نعرفها الآن قد عاش قبل وجود الأركيوتيركس الذي يزعم الدارونيون أنه هو أصل الطيور ب75 مليون سنة .

*-بما أن الدارونيين يقولون إن الكائن الانتقالي الذي سبق الطيور عاش قبل 150 مليون سنة وأنهم عثروا على حفرية له، وبما أن العلماء اكتشفوا في عام 2000 حفرية لطائر لديه كل خصائص الطيور التي تعيش اليوم، وهذا الطائر عاش قبل زمن معيشة الكائن الانتقالي ب 75 مليون سنة، نستنتج أن الأركيوتيركس ما هو إلا طائر مكتمل الصفات ولديه نفس صفات الطيور الموجودة حاليا.

هذا يعني أن الدارونيين أساؤوا تأويل الحفرية التي وجدوها، وظنوها كائنا انتقاليا في حين أنها حفرية لطائر ببساطة، والخلاصة من كل هذا ببساطة هي أن أصل الطيور هو الطيور، وأصل الأسماك هو الأسماك، وأصل الإنسان هو إنسان.

{{المعرفة البشرية والتطور}}

إن افتراض المعرفة يسير بمحورين: أحدهما أفقي وآخر عمودي هو افتراض نظري صحيح، ولكن ما مدى صحة التطور الذي يصيب البنية العمودية للحياة البشرية؟ وأنا أؤمن تماما بأنّ العلم في الغالبية العظمى من طروحاته هو طريق تجريبي ولا درجة لليقين فيه، إذ يبقى العالم في مختبره وفي بحوثه محددا بظروف البحث النظري والظروف المختبرية، حتى يتم التثبت من النتائج نهائيا لتصبح الفرضية نظرية علمية ثابتة تضاف إلى سلسلة التطورات المعرفية التي يحققها العقل البشري كما حصل في كروية الأرض وقانون الجاذبية وقوانين الثرمو دايمنك في الفيزياء .. الخ. أما فرضية التطور والنشوء والارتقاء فقد استمدت قوتها ليس من نجاحها الأكيد بافتراض أنّ الإنسان وكل الكائنات الحية، قد خضعت لمنطق التطور العمودي وتدرّجت في سلم طويل حتى استقرت على وضعها الأخير، بل إن نجاحها المدوّي جاء في جزء كبير منه من جرّاء عطش الإنسانية للتحرر من كابوس اليقين اللاهوتي وسلطة الاكليروس الديني، وهو تحدٍّ يتناسب مع الردود السلبية للكنيسة المسيحية الكاثوليكية في وأد ومحاربة التطور العلمي وانجازاته الباهرة كما جاء بها غاليلو وفرويد وكربينكيوس ودارون وغيرهم .

العقل الديني المتمرّس باليقين المحُصّن لسلطته على المجتمع، شكّل هاجسا رادعا وسيفا بتّارا لكل محاولة إنسانية للخروج من المنظومة العقائدية حتى لو لم يتناقض صراحة مع الكتب المقدسة التي يدينون بها! بل لأنه فقط يمثل خطوة لعمل العقل البشري الحرّ في تفسير القوانين المحركة للإنسان والطبيعة، لأن في هذا تهديدا كبيرا لسلطة الاكليروس الديني، وإلا لماذا الهجوم على من أثبت كروية الأرض؟ وعلام التحريم لجهود علمية وفكرية وفلسفية وفنية كثيرة؟

ثمّ لماذا الاعتذار عن هذا الحيف من قبل الكنيسة الكاثوليكية لهؤلاء العقول البشرية ؟ الأمر إذن لا يتعلق بحدود حرمتها عقائديا، ولا يتعلق أصلا بتحدّيها لسلطة الله، وإنما لأن هذه الأفكار والفرضيات والنظريات شكلت حاضنة للإنسان كي يتحصن بأسئلة الشك لدرء غبار اليقين المتكلّس على العقول التي أشبعها رجال الإكليروس جهالة حتى في تفسير النصوص المقدسة وتجييرها لمصالحهم .

ومن جهة أخرى كان نجاح هذه الفرضيات، ومنها فرضية دارون في النشوء والارتقاء، هو استثمارها الفلسفي والسياسي والاجتماعي من قبل أشخاص وأنظمة كانت ضدّ الكنيسة أصلا في سعيها لترويج مناهجهم ورؤاهم في الحقول ذاتها، فهتلر استثمر فرضية البقاء للأصلح معجونة بفرضية الإنسان السوبرمان لتعزيز نظريته النازية حول الجنس الآري الألماني وتفوقه ونقاوته ضدّ كل الأجناس البشرية في كرتنا الأرضية! وأن فرضية ” الحلقة المفقودة” بين القرد والإنسان قد أباحت لكثير من الأنظمة أن تتعامل مع الأفارقة أو الجنس الأسود كمرتبة دنيا من الخلق الإنساني، بوصفهم ” الحلقة ” الرابطة المفقودة بين القرد “جدّنا”! وبين الإنسان، وكأنّي بهم بمنزلة بين المنزلتين على حدّ تعبير إخوان الصفا !

إن الجنس الأبيض عندما غزا قارة استراليا كان يرى في ” الابورجينيين”، وهم سكان استراليا الأصليون” يرى فيهم مجرّد قرود، يذهبون لاصطيادهم بالبنادق بدم بارد! وهذا ما حدث أيضا لدعاة التمييز العنصري بسبب اللون أو العرق أو الجنس .

إن افتراض أن جدنا قرد أو أننا من سلالة تنحدر من أصول حيوانية، استغل بشكل بشع لإهانة الإنسان أسود البشرة تحديدا، وامتدّ إلى استرقاق الإنسان وبيعه وشرائه كأيّ سلعة في سوق النخاسة، كما استثمره رجال الدين لتأليب العامّة لردع كلّ فكر تحرّري كما حدث مع الشاعر والفيلسوف العراقي جميل صدقي الزهاوي الذي كان يؤمن بنظرية التطوّر الدارونية، عندما هاج وماج عليه العوّام والغوغاء في بغداد إثر تحريض شيوخ المساجد وتكفيرهم له، وقد نجا بأعجوبة من القتل! والأمثلة على هذا النمط لا يسعها المقال .

لذا فإنّ النظر إلى الفرضيات العلمية بوصفها حقائق مطلقة يظلمها مرتين، مرة حين تقارن بالمقدس المطلق بوصفها نسبية، ولا يجوز قياس النسبي بالمطلق، ومرّة أخرى من جراء استخدمها كأداة بشعة بيد العاملين في الحقل الفلسفي الوضعي والسياسي البراغماتي .

إذ أؤمن تماما بقدرة العقل البشري على تحديد مصيره نظرا لعدم قصوره وإمكاناته اللا محدودة، فإنّي أقف متسائلا عن جدوى التسليم المطلق بالفرضيات العلمية على حد سواء، كما التسليم المطلق بالفرضيات المقدسة!

أنا أدعو إلى فحص ومعاينة المطلق والنسبي على قاعدة الإمكانات الفعلية للعقل البشري، وليس على قدرة المؤثرات الخارجية للنفاذ والتأثير الذي يصل إلى مرحلة التخدير .

إنّ الاستغلال البشع لهذه الفرضية هو ما قاد رجال الاكليروس لمحاربتها من جهة، ورجال الفلسفة والسياسة وعلم النفس والاجتماع لاحتضانها للتبشير بنظرية الإنسان السوبرمان والأجناس النقية، وهذا ما ترك ظلاله باقية إلى يومنا هذا للتمييز بين البشر، وهو في تقديري ليس ذنب دارون ولا ذنب العلم.. إنما هو جناية مشتركة لمستخدمي هذا السلاح الخطير في مسيرة البشرية وتطورها.

أنا أرى أن المشكلة لا تنحصر في مسيرة الإنسان التطورية في الشكل الخارجي بقدر ما تنحصر في التطور العقلي للكائن البشري! ما هي نظرته للعالم، وكيف يرى العلاقة بينه وبين جنسه، كيف ينتصب العقل البشري وينتصر على إحلال الفراغات و” الحلقات المفقودة” حقا بينه وبين بني جنسه، الذي نشهد هذه الحلقات الرهيبة الفارغة بين البشرية جمعاء.

ليس الصراع الآن بين الله والإنسان، ولا السؤال عاد مجددا عن موت الله من أجندات البشرية. البشرية تسير إلى البحث عن رشدها وعن اكتمالها الإنساني والعقلي، ولا بدّ أن تتضافر كل الجهود البشرية لإنجاز هذا الحلم .

{{خاتمة}}

لا يمكن إشاعة فرضية علمية ومعاملتها كمطلق لا يناقش ومعطى بديهي مقدس، لأننا بهذا الفهم رجعنا إلى مطلق المقدس والمقاييس اللاهوتية القطعية، ففرضية دارون قابلة لأن تكون فرضية علمية في حقلها ولها ما لها وعليها ما عليها، دون الانحدار إلى البحث عن نتائج غائية محددة واستثمارها ايديولوجيا للانتقام من عقائد إنسانية قارّة . الفرضية بجزئية أصل الإنسان لم تتحدّ الرواية التوراتية فقط، بل تعدّتها إلى كل الديانات التوحيدية كالمسيحية والإسلام، وأظن أن شطب قناعة هذه الأغلبية على كوكب الأرض في نظرية الخلق تعسّف غير مجدٍ، في زمن نشهد فيه انتصاب العقل البشري وتفتحه عبر مساءلة كل شيء حتى في أدق المقدسات ومراجعة الكتب المقدسة وإعادة قراءتها بنظرة نقدية فاحصة . لذا أدعو إلى الاستفادة القصوى من كل الفرضيات والنظريات العلمية دون الأخذ بها لتصبح أداة مسيّسة لأغراض لا تخدم الإنسانية عموما، وهو ما حصل من ظلم وجور لدارون من قبل الكنسية الكاثوليكية وإعادة الاعتبار له مؤخرا، أو كما يحصل الآن في أمريكا ومعظم الدول الأوربية وبعض البلدان العربية من حجب كلّي لقصة الخلق الإلهية، كما وردت في التوراة وعضدتها الكتب المسيحية والإسلامية .. أنا أدعو إلى السماح بدراسة الفرضيتين على حدّ سواء، ليُسهما فعلا في انتصاب العقل البشري بشكل سليم من خلال المقارنة والبحث والتدقيق العلمي الموضوعي، دون التسليم العشوائي أو التعصب الأعمى لهذه الفرضية أو تلك، وذلك لخلق جيل إنساني متسلّح بأساس متين من المعرفة ذات الأبعاد المتعددة وصولا إلى العقل البشري المتفتح نحو تقبّل الآخر عبر الحوار والحجة والمنطق والبرهان، ليكون الإنسان أجمل وأنبل، فما خلقه العلم لا يناقض سعادة الكائن البشرية، وما الدين إلا طريق خاص للعلاقة مع الله لا يكمن أن يكون بديلا عن العلم والفلسفة والأدب والفن والتاريخ والجغرافيا، وإن اشتملت بعض الكتب المقدسة عن بعض هذه الحقول، ولكن مجال الدين يبقى الطريق الروحي الذي يختاره الإنسان للعلاقة مع ربه فقط، غير هذا سيكون الدين هو الآخر محملّ بغايات خارج حقله. نحن بصدد انتصاب العقل البشري وليس جسده، المهم الآن ليس من كان جده قردا يحبو وينطّ، أو من كان جدّه كامل الإنسانية .. ليس المهم جدّا أن ينتصب العمود الفقري لحاجة مادية وفق مبدأ ” الحاجة أمُّ الاختراع” !.

ليس عدلا تماما أن نضع العقل البشري في ربقة معرفة واحدة، كما يحصل في بعض البلدان من تحريم تدريس نظرية الخلق التوراتية أو تحريم الفرضية الدارونية .

العدل التام أن نضع العقل الإنساني في سياقه الصحيح وإعطائه الفرصة كاملة للتزود من كل المعارف والنظريات .

هي دعوة لانتصاب العقل البشري . لاسيما وأننا على أعتاب مرحلة قادمة ستشهد فكّ شفرات الخارطة الجينية للإنسان وسيكون خطوة حاسمة في هذا الاتجاه ”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق