داروين والثورة الداروينية(11)

يَحتفل العالم هذه السّنة بالذكرى المِئوية الثانية لمِيلاد عالم البيولوجيا الإنجليزي، تشارلز داروين، وهي مناسبة تصادف أيضاً، ذكرى مرور قرن ونصف عن صدور كتابه الشهير، أصل الأنواع. وقد حلّت الذكرى في أجواء يشهد فيها العالم عودة السجال القديم ليحتدم مجدّداً، بين أنصار نظرية الخلق وفق الرواية الدينية، وبين أنصار نظرية التطوّر بحسب الرُّؤية الداروينية.

هذه المرة، لا يقف السّجال عند حدود المُستوى العلميّ، حيث التّساؤل حول الصلاحية العلمية لكلّ فرضية من الفرضيتين، وإنما انتقل السجال ليحتدم داخل المجالين السياسيّ والتربويّ؛ فقد أعادت السياسة التعليمية في أكثر من بلدٍ، النقاش مجدّداً حول الصّلاحية التربوية لما لا يجب تربوياً أن يقال للأطفال، وهنا يُصرّ معظم أنصار نظرية الخلق على التأكيد بأنّه يحسن بنا أن لا نقول للطفل بأنّ جدّه الأوّل كان من القردة العُليا.

من هذا المنظور التربويّ، شرع أنصار نظرية الخلق يستعيدون الكثير من مظاهر الجرأة في الحديث ليجهروا بمواقفهم، داعين إلى طرد داروين من المدرسة أو على الأقلّ تدريسه مُوازاة مع تدريس نظرية الخلق، وذلك من أجل أن يتمكّن المُتعلّم من المقارنة بنفسه ثمّ الاختيار، وطبيعيّ أنه سيفضّل أن يرى جدّه الأوّل جالساً على الأريكة ويرتشف القهوة بهدوء، على أن يراه قرداً يأكل القمل ويتسلّق الأشجار.

مثل هذا السجال القويّ والحاسم، لا تشهد منه المُجتمعات العربية والإسلامية إلاّ جولات باهتة وبلا أثر يُذكر، هو سجال لا يمثل فيه المسلمون سوى طرفٍ ضعيفٍ وهامشيٍّ، ومع ذلك ثمة من يتحوّط من شغب بعض العرب أو المسلمين المُقلّدين لأسيادهم، أكثر ممّا يتحوّط من اجتهاد الأصولية الغربية والقادرة قولاً وفعلاً على التأثير في مَسرى الحضارة المُعاصرة ومجراها.

ففي مَطلع شهر فبراير من عام 2007، انتبهت الصُّحف الفرنسية إلى أنّ إحدى الموسوعات قد اجتاحت فجأة أسواق النشر والتوزيع، وقد كانت آلاف النسخ المَجانية لتلك الموسوعة، كافية لإغراق العديد من الجامعات، مُؤسّسات التعليم ومراكز التوثيق، ثم إنّ عديد النسخ المجّانية وصلت إلى البريد الخاصّ لبعض أساتذة الجامعات ورؤساء تحرير الصّحف والمَجلاّت.

لم تمرّ سوى أيّام معدودة حتى اكتشفت دول أخرى مثل بلجيكا، سويسرا، ألمانيا، هولندا وبريطانيا، أنها بدأت تتعرّض هي الأخرى لغزو مُماثل.

يتعلّق الأمر بموسوعة ضخمة وذات جودة عالية من حيث الطباعة، الورق والصور، موسوعة ألّفها تركي يُدعى هارون يحيى وتحمل اسم أطلس الخلق.

كانت المُناسبة فرصة حاول من خلالها البعض أن يثير المخاوف القديمة من الغزو الإسلاميّ العثمانيّ لأوروبا، خاصّة أنّ السجال حول اندماج تركيا في الاتحاد الأوروبي ما يزال يلقي بثقله على النقاش داخل الفضاء الأوروبي.

وإن كان الواجب يقتضي أن نتساءل حول الجهة التي تحملت مصاريف الطباعة والنشر، وكذا بنيات الاستقبال وشبكات التوزيع، فلا شكّ أنّ الأمر يتجاوز إمكانيات أيّة مؤسّسة تركية، مهما بلغت قدراتها المالية، العلمية والفنية، وهو ما يضعنا أمام فرضية، لم يتمّ تداولها في حينها، حول وجود بنيات داعمة لنظرية الخلق داخل الاتحاد الأوروبي.

نحن إذن أمام فرضية مُثيرة للقلق، لكنها فرضية تدعمها مواقف العديد من رجال ونساء الدّولة البارزين، ممن لا يحجبون تعاطفهم بل وحتى دعمهم ودعوتهم إلى تدريس نظرية الخلق ضمن مواد البيولوجيا.

ففي عام 2004، صرّح وزير التعليم في إيطاليا بضرورة التخلّي عن تدريس نظرية التطوّر داخل التعليم الابتدائي والإعدادي1.

في نفس العام وداخل أربع ولايات أمريكية، تقدم عدد من البرلمانيين بمقترح قانون يقضي بإلزامية تدريس نظرية الخلق2.

وفي العام الموالي، نادت وزيرة التعليم في هولندا بضرورة فتح نقاش حول نظرية التطور3، ثم صرح نائب وزير التعليم البولوني في عام 2006 بأن ” نظرية التطور مجرد أكذوبة “4.

وقد تحدثت العديد من الصحف الألمانية عن دعوة أطلقتها وزيرة الثقافة والتعليم في ولاية هيسن الألمانية، كارولين وولف، حين دعت عام 2007 إلى ضرورة تدريس المواقف الدينية داخل مواد البيولوجيا.

داروين لم ينتصر بعد في معركته ضدّ سفر التكوين، ما تزال أمامه جولات أخرى، قد تكون هي الأصعب بالنظر إلى مواقع خصومه اليوم وإمكانياتهم. أعداء داروين ليسوا مجرّد أشخاص مُتعصبين وهامشيين، لم يعودوا كما كانوا بالأمس، مُجرّد رجال دين منزوين في المعابد والكنائس والزوايا والمساجد، وإنما استطاع خصومه وأعداؤه أن يخترقوا أرقى الجامعات ومواقع القرار السياسي داخل المُجتمعات الغربية قبل غيرها من المُجتمعات الأخرى.

{{الهوامش:}}
1- Le monde 26 juin 2007.

2 – Guy Sorman, Made in USA, Fayard 2004, P:46

3 – Le monde 26 juin 2007.

4 – Le monde 26 juin 2007.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This