داروين والثورة الداروينية(2):قرنان على ولادة داروين – توماس أونجرTomás Unger


قبل مائتي عام ولد تشارلز داروين في انجلترا، واحد من الرجال الذين غيّروا رؤيتنا للعالم. من وحي لامارك ومالتوس وليل، قام والاس وداروين بطرح تطوّر الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعيّ.
منذ مائة وخمسين عاما نشر داروين “أصل الأنواع، وقد نفدت نسخه الألف ومائتان وخمسون من الطبعة الأولى في اليوم الأول لصدوره. يعدّ إلى جانب جاليليو ونيوتن وآينشتين واحدا من أكثر العلماء تأثيرا في التاريخ، لكنه على العكس منهم، فهو لا يرقد في سلام.

السجال

عندما اقترح كوبرنيكس، في القرن السادس عشر، نظام الكواكب التي تدور حول الشمس، تمّت مناقشة هذه النظرية. وفي القرن التاسع عشر رأى باستور أنّ البكتيريا تسبّب الأمراض، وأشار كارنو إلى قوانين الديناميكا الحرارية، وعرض آينشتين معادلة تحويل المادّة إلى طاقة.
في وقتها كانت كلّها نظريات، أمّا الآن فهي تشكّل جزءا من معارفنا. لكن نظرية الانتخاب الطبيعي التي اقترحها داروين لا تزال تسمى إلى اليوم نظرية النشوء والارتقاء رغم ثبوت الدليل على صحتها شأنها شأن النظام الشمسي وعدوى البكتيريا. هناك سبب قويّ، وإن كان غير طيّب، كي تكون هكذا.
خلافا للبكتيريا والديناميكا الحرارية والتي لا يبالي بها أغلب البشر، فإنّ نظرية التطور تثير رفضا لدى مئات الملايين.
في دراسة نشرت في مجلة Scienceعام 2006 فإنّ ما يقرب من 40% من الأمريكيين البالغين يعدونها “نظرية فاسدة”.
صحيح أنّ نظرية النظام الشمسيّ عانت من عديد من المشاكل، وأنّ صورة جاليليو تمت تبرئتها بعد ثلاثة قرون على وفاته، لكن حالة داروين مختلفة. رغم أنّ الفاتيكان ليست لديه أية مشكلات مع نظرية النشوء والارتقاء فإنّ البروتستانتية الأصولية ومعظم الإسلام يعدّانها نافية لوجود الله.
بالرغم من الجهود التي تبذلها هذه “المعارضة” فإنّ تطوّر الكائنات الحيّة عبر الزمن هي حقيقة مؤكّدة وتشكّل جزءا من علم الأحياء.
إنّ إعادة اكتشاف قوانين مندل في القرن العشرين واكتشاف بناء الشفرة الجينية وتقدم البيولوجيا الجزيئية، قاما بإكمال البانوراما وسدّ الثغرات في طرح داروين والذي لا يزال يحتفظ بصحته بعد مرور مائة وخمسين عاما.

الانتخاب الطبيعي

يقول داروين في بداية “أصل الأنواع”: “كما هو الحال في جميع الأنواع يولد المزيد من الأفراد الذين يمكنهم البقاء على قيد الحياة، كثيرا ما يحدث صراع متواصل من أجل الوجود، وبناء عليه، فإنّ أيّ كائن، إذا كان قد تمايز بطريقة بارعة بالشكل الذي يفيده، تحت شروط حياة معقدة وِأحيانا متنوعة، فستكون لديه إمكانية أفضل للبقاء على قيد الحياة وسيكون قد أصبح هدفا للانتخاب الطبيعي. نظرا لقوة مبدأ الوراثة فإنّ أيّ تمايز منتخب سيكون عليه أن يجعل صيغته الجديدة المعدّلة تتكاثر”.
ينتهي كتاب داروين بمقطع آخر طويل لا يهدف إلى تفسير أصل الحياة لكنه معجب بتطوّرها:
“ثمّة شيء من العظمة في هذا المنظور للحياة، بقدراتها العديدة، بعد أن تمّ نفخها بداخل عدد قليل من الأشكال أو شكل واحد، وبينما كان الكوكب يدور طبقا لقوانين الجاذبية، فإنّ الحياة، من بداية شديدة التواضع، تطوّرت بطريقة جميلة ومثيرة للإعجاب، ولا تزال تتطوّر”.

والإنسان

كنتيجة حتمية لاكتشافاته قام داروين في عام 1871 بنشر كتابه “أصل الإنسان”، وكان هذا العمل يقع في مجلّدين من 450 صفحة لكل منهما، وقد نفد في ثلاثة أسابيع وعليه فقد نشروا 4500 نسخة إضافية. عاد الكتاب على داروين بألف وخمسمائة جنيه استرليني (رقم غير مألوف في ذلك الوقت) وهجوم ضار.
في هذا الكتاب لخّص داروين موقفه: “مع كلّ صفاته النبيلة والتعاطف حتى مع من هم أقل حظّا منه واللطف ليس فقط مع بني البشر ولكن مع أكثر الكائنات تواضعا، مع ذهنه الإلهي الذي فكّ تركيبة النظام الشمسي – مع كلّ هذه القوى السامية- فإنّ الإنسان لا يزال يحمل في نطاقه الفيزيقي الطابع الذي لا يمّحى لأصله المتواضع”.
لم يتأخر ردّ الفعل كثيرا، ظهرت رسوم كاريكاتورية لداروين بجسم قرد وملامح شبيهة بالقرد كذلك. اتهمته كنيسة انجلترا والسياسيون بالهرطقة والتحريض على التخريب. نشأت عديد السجالات دافع فيها العالمان توماس هوكسلي وتشارلز ليل عن داروين وسخّفوا معارضيه، ولكنّ الجدال استمر.
ولكن في سبتمبر من العام الماضي قامت كنيسة انجلترا، نظرا لاقتراب الذكرى المائتين، بتقديم الاعتذار لداروين لأنه “أسيء فهمك وكان ردّ الفعل الأوّل خاطئا مما شجّع البعض على إساءة فهمك حتى يومنا هذا”.

السجال اليوم

بعد قرن ونصف من نشر “أصل الأنواع”، أصبح التطوّر جزءا من البيولوجيا. أتاح تقدّم علميّ الوراثة والإحاثة استنباط تطوّر مختلف الأنواع، العلاقة بينها وأصلها المشترك والنقاط التي فرقت بينها.
لقد اكتشفت عالمة البيولوجيا باربرا ماكلينتوك، الحائزة على جائزة نوبل عام 1983، مفتاح التحوّلات التلقائية (الطفرات الجينية) بدراستها للذُرة. سمح التقدم في فك رموز الشفرة الجينية أن تُعَين مع الوقت تغييرات أعطت أصلا لأنواع جديدة. رغم ذلك فإنّ نظرية النشوء والارتقاء لا تزال ترفض من قبل الأصوليين.
في عام 1925، في مقاطعة دايتون بولاية تنيسي، حوكم جون سكوبي المدرّس بإحدى المدارس الثانوية لتدريسه نظرية النشوء والارتقاء وفقا لأصل الأنواع لداروين؛ كانت قضية شهيرة صُنعت أفلام من وحيها، والذين أدانو سكوبي تمّ تسخيفهم، لكنّ السجال لم ينته بعد.
في عام 1987 ظهرت في الولايات المتحدة حركة جديدة تحاول تعليم النظرية الإبداعية لـ “التصميم الذكيّ” دون الإتيان على ذكر الله. قوبل هذا الاقتراح بالرفض من قبل المحكمة العليا، على أساس الدستور الذي يفصل الدين عن المدارس العامّة.
ومع ذلك فإنّ للأصوليين منشوراتهم وبرامجهم التليفزيونية للدعاية لموقفهم ويشاركهم فيه عشرات الملايين في أمريكا الشمالية.
الرفض للنشوء والارتقاء في العالم الإسلامي أكبر من ذلك، كما يتبين من دراسة استقصائية أجريت في مصر وماليزيا وباكستان واندونيسيا وتركيا وكازاخستان.
ففي كازاخستان وحدها، والتي كانت حتى عام 1991 جزءا من الاتحاد السوفيتي، كان الرفض أقلّ من 15%. في البلاد الأخرى التي شملها الاستطلاع كان أكثر من 50% من السكان يعتقدون أنّ نظرية النشوء والارتقاء غير ممكنة.
وهكذا بعد مرور مائتي عام على ميلاده، ومائة وخمسين عاما على نشر كتابه الأوّل فإنّ داروين لا يرقد في سلام.


ترجمة عن الإسبانية
عن AGENSUR
12 فبراير 2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق