داروين والثورة الداروينيّة (16)

بالاعتماد على إسهامات علم الطبائع (éthologie) وعلم النفس، فتح علم النفس التطوّري (psychologie évolutionniste) صندوق التفسيرات التطوّرية للسلوك الإنساني. ونجد هذه التفسيرات مطبّقة حتى على تاريخ تكوّن حِسِّنا الأخلاقي.

ليس جديدا أن ننقاد إلى إغراء سحب آليات النشوء والارتقاء على تصرّفات الكائن البشريّ، من الأكثر بساطة وتلقائية، إلى الأكثر تعقيدا ورقيّا. فشارل داروين نفسه كان قد عبّر خلال سنة 1871 عن أمنيته في أن يتأسّس علم موحّد للسلوك الحيوانيّ والإنسانيّ، في يوم من الأيّام. لكنه أشار في الختام إلى أنّ الإنسان المتحضِّر، بتأثير من غرائز التعاطف والمودّة، أصبح يعيش من الآن فصاعدا تحت سلطان الثقافة، أكثر ممّا يعيش تحت سلطان الطبيعة. لم يحتفظ منظّرو “الداروينية الاجتماعية” (هاربار سبانسير، فرانسيس غلطون) إلا بالطرف الثاني من هذه المقولة، وطوّروا رؤية جزئية جدّا للمجتمعات الإنسانية ترتكز على مبدإ ” الصراع من أجل البقاء”.

{{مشروع لعلم اجتماع بيولوجي}}

وبنقلها إلى مختلف السياقات الاجتماعية، جاءت هذه الأفكار لتعاضد وتـُنجد عديد المذاهب العنصرية والنسالات والذكوريات المسبقة. وقد لاقت خلال الجزء الأوّل من القرن العشرين نجاحا جماهيريا كان كافيا لأن تصاغ وتطبّق باسم هذه النظريات سياسات استعمارية وحملات تعقيم. غير أنّ العلوم الإنسانية، لئن لم تكن مناهضة لها منذ البداية، طوّرت في المقابل رفضا متصاعدا للتطورية. وقد أتمّت الكارثة النازية ترسيخ هذا الرفض أخلاقيا، بينما كانت النظرية المسماة بـنظرية النشوء والارتقاء “التركيبية” تفرض نفسها بقوّة في المجال البيولوجي، مدعَّمَة باكتشافات العلوم الجينية.

ثلاثون سنة من صمت نسبيّ لم تمنع رغم ذلك عالم الطبائع ادوارد.ا. ولسون” من استئناف ما هو أساسيّ في مشروع داروين، سنة1975، ومن إعداد مشروع لعلم اجتماع بيولوجيّ، يطبّق على المجتمعات الإنسانية. ورغم وجود شيء من البساطة في البراهين المقدمة، إلا أننا مدينون له بأنه استطاع أن يدمج في مواضيع بحثه تلك السلوكيات المكنّاة بـ”الإيثارية” عند علماء الطبائع. فالإيثارية تشخّص كلّ التصرفات، التي هي بداهة غير مناسبة للفرد، ولكنّها منتشرة في المجتمعات الحيوانية كما في المجتمعات الإنسانية، مثل التضحية بالنفس والتعاون والكرم، الخ. كيف نفسّر انتشارها إذن؟ لقد طـُرحت عديد التفسيرات المبنيّة على التماثل الجيني (إيثارية القرابة) أو التماثل المصلحي (إيثارية التبادل)، مُقدمة وصفا للمجتمعات أكثر واقعية من ذلك الذي يطرحه “صراع الكل ضدّ الكل”. غير أنّ علم الاجتماع البيولوجي، بالتجائه الميكانيكي للنماذج الحيوانية وللكلّ الجيني، اصطدم بنوع من الفشل.

لقد حلّت محلّه اليوم، كوكبة موسّعة من البحوث الحاملة لنفس المشروع الهادف لتفسير التصرفات الإنسانية الراهنة بواسطة الأغراض أو الأسباب التي تؤثر في تطوّر الكائن الحيّ بصورة عامة. أكثر مجالات هذه البحوث هيكلةًَ ً يعرف بـ “évopsy” وهو مختصر لـ évolutionniste” “psychologie (“علم النفس التطوّري”). وهو برنامج انطلق أواخر الثمانينات، وتمّت شكلنته من قِبل عالمة النفس “ليدا كوسميدس”(Leda Cosmides) وزوجها عالم الإناسة “جون توبي” (John Tooby)، بالاعتماد على عدد قليل من المبادئ المحدّدة: التباطؤ النسبيّ للتطوّر البيولوجيّ (مقارنة بتاريخ الثقافات الإنسانية)، نمطية الفكر أو العقل (التصرفات محكومة بأنماط دماغية متخصِّصة)، سعة ُ إن لم نقل كونية ُ انتشار السلوك المعتمد على الملاحظة. إنّ قاعدة التمشّي المعتمد تتمثل في ربط خاصياتٍ ومواقفَ وتصرفاتٍ ومؤهلاتٍ أو تشوّهاتٍ، منتشرة بوفرة في الوقت الراهن لدى الجنس البشري بمختلف ثقافاته، ربطها بالإكراهات والقيود القديمة ( أي تلك التي كانت سائدة عند أسلافنا الصيادين-القاطفين). تصاغ لكل واحدة من هذه الخاصيات فرضية تطوّرية (لتفسيرها): بوضع الخاصية في السياق القديم(1)، تعتبر مُعللة، إذا كانت قيمتها أو قدرتها التكيُّفية، أي إفادتها من أجل إعادة إنتاجها أو استمرارها، محلّ إثبات. إنّ علم نفس النموّ(psychologie du développement) يثبت – مثلا – أنّ الرضيع البشريّ يولد وهو مجهّز بكفاءات وغرائز مثل التعرّف على الوجوه والتمييز بين الكائنات المتحركة وغير المتحركة وبقابلية النطق: مهمّة علم النفس التطوّري (“évopsy”) هي أن يفسّر(عن طريق الفرضيات) بماذا كانت هذه القدرات مفيدة للبقاء بالنسبة لأجدادنا.

{{الوظائف العليا للدماغ}}

ورث هذا العلم عن علم الاجتماع البيولوجيّ (sociobiologie) مواضيعه المركزية، وأعني السلوك الجنسي للكائن البشري، المرتبط مباشرة بنجاح عملية إنتاج الفرد. وأضاف إلى الفرضيات القديمة فرضيات أخرى، أكثر قربا للنفسانية الإنسانية. لقد ألحّ “دونالد سيمونس” (Donald Symons) سنة 1979 على عدم تساوي العلاقة بين الجنسين: فمقابل رجال غير أوفياء، من جهة، نجد نساءً انتقائيات، من جهة أخرى. وقد ثبت أنّ هذين السلوكين متلائمان، باعتبار تكلفة التناسل المتفاوتة لدى الجنسين ونجاحهما التناسلي. كان “دافيد بوس” (David Buss) قد ضبط سنة 1999 عدة عوامل أخرى، منها بالخصوص تلك الفوائد التي توفرِّها إقامة أ ُسَرٍ مستقرّة (حتى لو كانت متعدّدة الأزواج أو الزوجات) تسِم فيها طلبات الحبّ بين الزوجين والاستقرار العاطفي نسختها الحديثة. غير أنّ لعدم الوفاء النسائيّ، على ما يبدو، فوائد أيضا. وعلى خلاف علم الاجتماع البيولوجي، فإنّ علم النفس التطوّري لا يختزل الكائن البشري في حزمة من الجينات المشتاقة للتكاثر: إنه يقرّ أنّ الإنسان يمتلك عقلا قادرا على احتساب فوائد سلوك ما احتسابا دقيقا، واستيعاب الإشارات الرمزية، وبالتالي هو عقلٌ مصاغ جزئيا تحت تأثير الضغوط الثقافية. إنه يأخذ هكذا بعين الاعتبار التأثيرات المعقدة لتطوّر مشترك بين الجينات والثقافة. ويقتبس علم النفس التطوّري بطيبة خاطر من علم النفس المعرفي بعض المعارف لاستخدامها (في مجاله). فهو يولي اهتماما كبيرا بالوظائف العليا للدماغ، مثل التمثلات الذهنية واللغة والذاكرة والاستدلال. كيف برزت هذه الوظائف؟ وما هي فوائدها؟ حسب “روبين دانبار” (Robin Dunbar) يمكن مقارنة الوظيفة المؤسسة للغة عند الإنسان بوظيفة التفلية (من القمل) عند القردة: ثرثرة مفعولها صيانة روابط التواصل الوجداني مع الغير.

وحسب “ترانس ديكون” (Terrence Deacon) تشكّل اللغة البشرية الشرط الأوّل للالتزام المتبادل وللثقة: فبلا لغة لا وجود – على سبيل المثال – لعقد ولا لزواج عند الناس. أما عن زيغ التفكير والاستدلال وضعف القدرات الترجيحية للكائن البشري المتوسط، فعلم النفس التطوّري (“evopsy”) يفسِّرها بحذر الصيّاد الذي يفضِّل التقدم في مجال يعرفه بالتجربة على التوغّل داخل أدغال مجهولة المخاطر. وتوجد أيضا نظرية تؤكد أنّ حرية الاختيار، التي يبدو أنها تميّز العقل الإنساني، هي التي سمحت له بإيجاد أجوبة سريعة على التغييرات التي كانت تطرأ فجأة على المحيط والتي كان لزاما على الجنس البشري مواجهتها. (دانيال دانات).

ومنذ سنة 1995، شهد التوسّع الذي عرفه هذا المجال تناميا سريعا، فظهر علم الأخلاق التطوّري (éthique évolutionniste). إنه علم يتموقع مجاله عند مفترق ثلاثة تخصّصات: علم الإحياء وعلم النفس والفلسفة. يعتبر الفلاسفة في الغالب أنّ الإيثار السلوكي غير قادر على المسك بالظاهرة الأخلاقية: ذلك أن سلوكا مفضِّلا للآخر، ليس بالضرورة نابعا عن رغبة خيرية تجاه هذا الآخر، أو عن رغبة في احترام قاعدة ما، والحال أن هذه الشروط هي التي تمكّن من أن نتكلم عن أخلاقيات. إن وجود نوايا وقواعد (سلوك) يبقى إذن غير مُفسَّر، وإلى حد بعيد، بواسطة السلوكيات. هذا لا سيما وأن تأثيرات هذه القواعد، كما كان يدركها داروين، تتعارض قبليا مع مصالح الأفراد: فماذا نجني عندما نعفو عن الغريم المهزوم أو نمتنع عن الغش والخداع عند ممارسة لعبة البوكر؟ فهذه التصرّفات موجودة، رغم ذلك، في جميع المجتمعات.

{{ما يشكل منفعة متبادلة، هو أخلاقي}}

توجد محاولات للإجابة على السؤال المطروح. إحداها، وهي آتية من علم النفس، تراهن على دور المشاعر التلقائية ( مثل الاشمئزاز والغضب والاحتقار والرحمة) التي تعترينا أمام أفعال خرقاء، لا فقط نقوم بها نحن أنفسنا، بل يقترفها أو يعاني منها آخرون. وقد تكون هذه المشاعر قد تطوّرت إلى قواعد، كي تيسِّر التعاون بين الذين لا تربط بينهم علاقات قرابة في كل الميادين (راندولف ناس، بربرا فريكيريكسون). هناك إجابة أخرى تنطلق من مبدإ أن الإنسان الاجتماعي هو “فطريّا أو حدسيّا، تعاقدي” وأنّ ما يشكّل منفعة متبادلة، هو أخلاقيّ. ويصبح بالتالي تبنِّي القاعدة واحترامها الإستراتيجية الأنسب بالنسبة للفرد: فهي إذن ليست مجرّد ارتكاسة فقط، بل إستراتيجية عقلانية تستوجب تعبئة الوظائف العليا للمعرفة الإنسانية. وهي أطروحة “البديهيات الأخلاقية” (نيكولا بومار). وهكذا نرى أن التطورية بتوظيفها للمشاعر والمعرفة، تستغلّ أو توظّف التطوّرات الراهنة لعلم النفس كي تستوعب آثارها الأكثر شمولية، لقاء جرأة وجسارة ليستا من ذوق جميع الناس. ذلك أنه ليس صدفة أن يكون جلّ الباحثين تقريبا، من بين الذين ذكرناهم، أنجلو- سكسونيين، فعلم النفس التطوّري بصورة خاصة يبقى ميدانا مثيرا جدّا للجدل، للـُجوئه غالبا إلى الحجج المُضاربية، وهو بذلك يجلب لنفسه لامبالاة – إن لم نقل صواعق غضب – أطراف كاملة من العاملين في مجال العلوم الإنسانية، بفرنسا بالخصوص. فهل هو علم مهيّأ للمستقبل أم طريقُ منهجية مسدود، مثلما كان الشأن بالنسبة لميدان فراسة الدماغ (phrénologie)؟ المسألة فيها نظر.

{{الهامش:}}

1 – يسمي”جون توبي” و ليدا كوسميداس” بيئة التطور التكيّفي (environnement de l’évolution adaptative-EEA) المجال النظري الذي ثـُبّتت فيه خاصيات الدماغ الإنساني الراهن. وهو يوافق حقبة العهد الرابع للأرض (Pléistocène) [الفترة الفاصلة بين ما قبل 1.8 مليون سنة وما قبل عشرة آلاف سنة]

الكاتب : نيكولا جورني Nicolas Journet

صحفي وعضو بهيئة تحرير مجلة “العلوم الانسانية”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق