داروين والثورة الداروينيّة (17)

تحيى الأنماط الأدبية ثم تموت، مثل الأنواع الحيّة. بعض المفكرين والمؤلفين يقترحون بعد الآن تطبيق قوانين التطوّر على شكسبير أو على (رائعة غوستاف فلوبير) السيدة بوفاري.

ألقى الإيطالي فرانكو مورتي (Franco Moretti) منذ وقت قصير قنبلة صغيرة في عالم الدراسات الأدبية. اقترح هذا المناصر لكارل ماركس وشارل داروين في كتابه Graphes,cartes et arbres (رسوم، خرائط وأشجار) تثوير الدراسات الأدبية بإتباع منهجية جديدة تتمثل في تطبيق نظرية التطوّر على الإنتاج الروائي(1).

فماذا يعني هذا الأمر؟ نحن نعلم أنّ الرواية تمثّل نمطا أدبيا ظهر في العهد الوسيط وأخذ شكله الحديث في القرن السابع عشر. لقد اعتمد هذا النمط على مرّ الزمان أشكالا متعدّدة: الأسلوب الباروكي، الأسلوب الغماري، الفنّ التراسلي …انتهاءً إلى الروايات البوليسية الحديثة وقصص الخيال العلمي والفنطازيا، الخ. وأثناء الطريق، ضاع بعض هذه الأشكال وانتشر البعض الآخر وتلاءم مع بيئات جديدة…

عندما يولد نوع من الكائنات، نراه يتحوّل وينتشر عبر تشكيلات متعددة ويتكيف مع بيئات متغيرة، الخ.. أفلا يذكـّركم هذا بشيء؟ يذكّركم بالطبع بتطوّر أصناف الكائنات الحيّة، أي تطور النباتات والحيوانات الذي عرف هو أيضا أشكالا أصلية وتباينات وانتشارات فجائية ثم انقراضات.

من أجل الكشف (إذن) عن هذه الديناميات التطوّرية للأدب، يقترح ف.موريتي الخروج من الإطار الضيّق للتحليل الداخلي للمؤلفات، والاهتمام بالتطور الكمي للصنف الأدبي على المدى الطويل. هذا يفترض ملاحقة الاتجاهات الكبرى للأدب والتحرر من النوعية الباطنية الخاصة بهذا العمل الأدبي أو ذاك ( أي بوضع مارسال بروست Marcel Proust أو باولو كولهو Paulo Coelho في نفس المستوى) من أجل قياس مدى انتشار الصنف الأدبي ونجاحه المكتبي. أما الذي يشكل استفزازا أكبر فهو الانبثاق الحديث، في ما وراء المحيط الأطلسي، لمقاربة “دروينية” للأدب.

{{الاستكشاف الذهني لوضعيات حياتية}}

ترتكز هذه الدروينية الأدبية المدفوعة من قِبل بعض أساتذة الأدب على فكرتين منارتين، الأولى هي أن الإنسان “حيوان أدبي” والثانية هي أن الموضوعات الأساسية في الأدب – الحبّ والسلطة والنزاعات، الخ – ليست سوى تعبيرات تخيلية للصراع من أجل البقاء.

بالنسبة للمقرّين بفكرة الحيوان الأدبي(2) يشكّل الوهم والخيال آليات للتأقلم تصلح للبشر، لا لغاية الإفراط في الترفيه عن النفس، بل للاستكشاف الذهني لوضعيات حياتية. فحين يستمع الطفل إلى قصة، فإنه يكتشف أن الذئب حيوان شرس وأنه يجب أن نتبع الطريق القويم… فيما بعد، تتكفل قصص الحبّ والخيانة والغلبة بوصف السيناريوهات المحتملة للوجود. فالأدب هو طريقة للتجربة بالفكر وللتعلم واكتشاف كيفية سير العالم. إن وراء كلّ قصة جيّدة ينساب – دائما – درس من الحياة.

ولذلك، فبالنسبة لـ”جوناتهان غوتشال” (Jonathan Gottschall) أستاذ الأدب بواشنطون، يشكل الأدب المأساوي ترجمة للموضوعات الكبرى المتعلقة ببقاء الأفراد والجماعات. وما عسى أن تكون إذن إلياذة وأوذيسة هوميروس؟ ومسرح وليام شكسبير؟ والمهابهاراتا (الملحمة السنسكريتية للهندوس)؟ لا شيء، غير حكايات لذكور مهيمنين يتنافسون على السلطة وعلى التحكم في الموارد (نساء، أقاليم، منافع مادية). أما العروض والتحالفات والصراعات على السلطة وخصومات السلالات الملكية واغتيالات القصور، فيمكنها أن تـُقرأ كترجمة سنِيّة وباسلة لآلية الصراع الكبير من أجل البقاء.

{{الهوامش:}}

انظر مؤلف فرانكو مورتي:
Franco Moretti, Graphes, cartes et arbres. Modèles abstraits pour une histoire de la littérature, Les Prairies ordinaires, 2008.

انظر جوناتهان غوتشال ودافيد سلوان ويلسون:
Jonathan Gottschall and David Sloan Wilson (dir), The Literary Animal:Evolution and the nature of narrative, Northwestern University Press, 2005,

وجوزيف كرول:

Joseph Carrol, LiteraryDarwinism:Evolution, human nature,and literaure, Routeledge, 2004.

الكاتب : جان – فرانسوا دورتيي Jean-François Dortier مدير مجلة “العلوم الإنسانية” الفرنسية .

نشر المقال بمجلة “العلوم الإنسانية” الفرنسية عدد 200

بتاريخ جانفي 2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق