داروين والثورة والداروينية( 4): الداروينية وعدم سجود العلم

يبدو أنه صار لزاما ًعلى ظواهر الحياة والحركة بدءاً من الكون وحتى الخلية الحيّة، مرورا ً بالمجرّات ومجموعتنا الشمسية وأرضنا ومجتمعنا البشري والإنسان، أن تبرّر نفسها أمام عقل القرن التاسع عشر الذي قال كلمته الفصل في قضية المعرفة، من فوق أكتاف خمسة مفكّرين عمالقة، صدقوا ما عاهدوا العقل عليه، وهم، هيغل(1770-1830)، وداروين (1809-1882)وماركس (1818/1883) وأنجلس(1820/1895)وفرويد(1859/1939)، الذين لعبوا في طين الله، ذلك أنّ دعائم قصة خلق هذه الظواهر، (أصلها)ونشوئها وتطورها وارتقائها وزوالها، كما سردتها الأساطير والعقائد والديانات البشرية والكتب المقدسة وسائر الموروث المعرفي، قد هزّتها حفريات العلم والفلسفة في أوربا الناهضة في نزوع عقلها نحو مطلقه، وفكرها نحو غناه وتنوعه وشموله.


بعد أن خرج داروين من كنف عائلته التي زودته بالتأهيل والتوجيه العلمي في إنكلترا، صار جزءاً من مجموعة معرفية أوربية أشمل، ضمت هؤلاء المفكرين الخمسة، الذين امتصوا معرفة أسلافهم العقلانيين عبر العصور، وأعادوا إنتاجها في أوسع إجابات لأكثر أسئلة الحياة جرأة، فوقفوا بشجاعة ومجازفة على خطوط نيران الصراع الاجتماعي بميادينه السياسية والأيديولوجية والفكرية، ليشكلوا مع داروين جبهة صراع على مستوى قضية البشر، تبلغ فيها المعرفة حقائق أخرى تتكامل معطياتها في حركة أفكارهم. وكانوا فاتحة العصر الحديث واللسان الناطق باسم العقل وفتوحاته المعرفية.


عندئذ بات على السلطتين (السياسية والدينية) في إطار النظام الرأسمالي الأوربي، وبعد حين في إطار أي نظام، أن تواجها تحدّيا وجوديا ًًسافرا ًاستنفر ردعهما التاريخي الوحشي، وذلك على خلفية الحقائق العلمية، التي أرساها داروين على صعيد مباشر في وضع قصة خلق وتكوين وأصل الأنواع الحيّة، ومنها (الإنسان /الفرد ) وعلى صعيد غير مباشر في وضع قصة خلق وتكوين (الإنسان /الاجتماعي)، وذلك بعيدا ًعن فعل الإله الخالق، مصدر السلطتين (السياسية والدينية) اللتين تستمدان منه شرعية حكمهما الإنسان الذي سلبته هاتان السلطتان عقله وجسده، مصدري ثروتهما ونفوذهما


لقد تعززت سلطة العقل مرة ً ولزمنٍ، بقصّتي خلق وتكوين، للإنسان(الفرد /الاجتماعي) عرفتهما المعرفة الأوربية وكان لداروين الفضل في خلقهما، متعاقبتين كما يلي:
قصة خلق وتكوين الإنسان الفرد: لقد لعبت عائلة داروين الشخصية دورا ًفي تأهيله العلمي، حيث كان جده أرازموس داروين عالماً، وهو مؤلف كتاب قوانين الحياة الحيوانية، الذي أرسى الأساس في نظرية التطور، إضافة إلى جهد داروين الشخصي المتميز في تثقيف نفسه في العلوم الخاصة بالطبيعة، وصولا ًإلى نيله الدرجة العلمية، ورحلاته العلمية لاستكشاف العالمين النباتي والحيواني، ليجيء برهانه في أن التحول وتغيرات البيئة وتكيفات الأجسام والوراثة والاصطفاء الطبيعي تشكل قوة محركة لتطور العالم الحيواني إلى الأمام، وظهور الإنسان من أحشاء هذا العالم، ومن السلف القرد الشبيه بالإنسان، وذلك كان منشأ الإنسان بدون خالق خارج الطبيعة، وأدرج داروين نظريته في كتابه أصل الأنواع الذي صدر في أواخر 1859، الذي بصدوره قض مضاجع رجال الدين وعدد من العلماء، فاتهموه بالكفر والإلحاد، ولعنت كتاباته وحرمت من منابر الكنائس.


قصة خلق وتكوين الإنسان الاجتماعي: في هذه القصة سنضع يدنا على الماركسية التي لم تتمكن في بعدها الفلسفي الديالكتيكي (رغم ارتكازها على غنى وموسوعية وشمولية المعرفة الفلسفية الهيغلية) أن تتعرف على قوانين الحركة في الطبيعة والمجتمع، وتعلمها دون أن تتعرف على نظرية داروين، الذي ما إن صدر كتابه أصل الأنواع حتى راح ماركس يعبّر في رسالة إلى أنجلس(ديسمبر1860) عن أن هذا الكتاب يعطي أساسا ًمن العلوم الطبيعية لأجل نظراتنا (ماركس/أنجلس)، كما حفز كتاب داروين أنجلس على دراسة العلوم الطبيعية لاستكمال البحث الماركسي عن قوانين صيرورة الإنسان البيولوجية والاجتماعية، وجدل العلاقة بين الطبيعة والمجتمع، واعتبر أنجلس أن نظرية داروين ستشغل مكان الصدارة في الصراع بين التقدم والرجعية، وشبّه أنجلس نظرية داروين باكتشاف ماركس لقوانين التطور الاجتماعي والاقتصادي الموضوعية، الذي تقرر على أساس هذه القوانين الماركسية أن العمل قد خلق الإنسان، وأنّ الإنسان العامل هو الذي خلق الثروة، وتقرر عندئذ ٍموت الله، والرأسمالي(الخالقين) معاً. وتقررت المعركة التاريخية بين السلطتين السياسية والدينية، اللتين طلبتا من العلم أن يسجد لمزاعم تفويضهما الإلهي بالحكم على الأرض،من جهة وبين العقلانيين(داروين وماركس….وغيرهما.)الذين رفض العلم على أيديهم السجود، من جهة ثانية وبدأت اللعنات وتهم الكفر والإلحاد، تنزل على رأس كل من يخرج لنصرة العقل والعلم والرأي الحر، منذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا.


فالسلطتان (السياسية والدينية) تواجهان حركة العلم والمعرفة العقلانية عبر أجهزة القمع والردع والحظر والرقابة وبناء الحدود الحرم المقدسة، في كل المرافق العلمية والتعلمية لإجهاض الفكر الجاد وعمليا ت الارتقاء المعرفي في مكونات بيئتها الخصبة من مدرسة ومعهد وجامعة ومؤسسات بحث علمي حيث تتركز كتلة بشرية تشكل بين (20-30 بالمائة من السكان) هم قوام طلبة العلم في هذه البيئة الذين إن لم تضع السلطتان (السياسية والدينية ) البرامج والمناهج التعليمية الرادعة/الخادعة والآمنة، وبما يضمن الاحتواء والتدجين تحت سقف مصالح هاتين السلطتين وعقائدها وأيديولوجيتها، فإنّ حشدا ًفكريا ًنوعيا خطرا ًًسيشق طريقه وينفلت من عقالات السلط إلى صدارة المجتمع، وترشيد وقيادة ميادين تحولاته الاجتماعية ونصرة قضاياه وتحرره، وابتناء وترسيخ عقلانبته وحداثته وعلمانيته، ما يشكل مخاوف تثير الذعر الدائم في أوصال الاستبداد(السياسي الديني).


وإذا كنا نلمس عناصر هذا المشهد على المستوى العالمي، فإن ظهوره في العالم العربي الإسلامي،أكثر سطوعا ً،ذلك أن السلط السياسية والدينية ومن لف لفها من رجال دين وأيديولوجيا تلاحق هرطقة الفكر (العلماني المعتزلي، الدارويني، الماركسي) في كل منبر تعدو فيه أو تتلمس طريقها حركته وتقوم السلط بتقييد أو مصرع حرية هذه الحركة.
وأمام الصراع التاريخي المزمن المستعصي بين العلم والدين، فأية مصالحة هذه التي يدعو إليها الكاتب الكريم هاشم صالح بين الكتب المقدسة(الإسلامية)، وبين روح العلم على غرار الفاتيكان(ضربة المعلم) من خلال مقاله المنشور في الأوان في 25/2/2009 بعنوان: هل مات داروين حقا ً؟ فما شهده تاريخ هذا الصراع في المسارين المسيحي والإسلامي، لم يكن أقل من توسع الحد الفاصل بين العلم والدين، بين الحقائق وأنصافها، والأوهام وتعطيل قاعدة تغير الأحكام بتغير الأزمان ووقف أبواب الاجتهاد وهدم العلم وشيوع محاكم التفتيش، ولم يشهد تاريخ تطور الفكر أن تقهقرت العلوم مرة ً أمام صور الوعي الأخرى، رغم القمع الوحشي الذي يتعرض له رجال العلم في كل حين، لا بل إن السلطة الدينية هي من يواجه العلم وإنجازاته(استنساخ، زرع الأعضاء، الخريطة الجينية، تجربة الانفجار الكبير، كاستمرار لإنجازات كوبرنيكوس وغاليليو) بأحد ثلاثة إجراءات:


الحرب الأيديولوجية المقدسة والقمع والتكفير والاتهام بالإلحاد للعلماء والمفكرين العقلانيين
ملاقاة الاكتشافات العلمية، ونتائج بحوثها، وتجاربها وتقاناتها باحتوائها وابتلاعها بعمومية ألفاظ النصوص المقدسة، ووجوه تأويلها، على أن الكتاب المقدس أشار إليها وسحب البساط من تحت أقدام العلماء.
التجاهل وإسدال الصمت


فاستحالة المصالحة مكمنها أن قصة خلق وتكوين العلم ترتكز على صلصال الحقيقة وكشف المنطق الداخلي لحركة الظواهر، بينما قصة خلق وتكوين سلطة بابا الفاتيكان ورجل الدين الإسلامي ورجال الدين أينما دانوا، ترتكز على ثروة الإيمان التسليمي، الذي لا يجلس العلم معها (مادام علما ً) في سلة واحدة.


فالعلم إما أن يكون أولا يكون، ولا يتنازل في جوهر حقائقه لغير نسبية هذه الحقائق كي يستمر البحث أبدا، فالسلط السياسية/الدينية هي التي يؤزّمها العلم دائما ً فتردعه أو تتنازل أمامه.
فالعلم والداروينية والإبليسية و …(جميعها).سياق للعقل في رحلة الفكرة السابحة اللامتناهية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This