دبي… مدينة يصنعها الفضول

يصعب على الزائر والعابر أن يميز بين الناس حين يجهدون في الظهور أمامه حشداً. المواطنون في الإمارات العربية المتحدة، وفي سائر دول الخليج العربي، هم بالنسبة للزائر والعابر حشد إلى أن يثبت العكس. ليس ضرورياً أن يستذكر المرء ما كتبه إلياس كانيتي في وصف الحشد. فهذا حشد خارجي، بمعنى أن الزائر هو من يقرر انتساب المواطنين إلى الحشد وينزع عنهم كل نزوع فردي أو شخصي. هم جماعة في مواجهة فرديته. لكنهم، وبخلاف ما يُظن، ليسوا أصحاب سلطة عليه. ولا يستطيعون أن يجعلوا مزاجه الفردي ضامراً أو مختبئاً أو مستتراً. المزاج الفردي للزائر يشكل سلطة أيضاً، تتبادل مع حشد المواطنين مواضع السلطان ومواضيعه على حد سواء. المواطن المأسور في عين الزائر ضمن حشد عام يملك من الخصائص ما يجعله غير قادر على استعمال سلطته.

يظهر المواطن في كل مكان يتصل فيه اتصالاً بصرياً بالزائر أو المقيم كما لو أنهما يجتمعان في ساحة عامة ومحايدة. بل على الأغلب يملك الزائر حق التصرف في الساحة العامة أكثر مما يملك المواطن مثل هذا الحق. حين يدخل مواطن إلى صالة فندق فإنه بذلك ينزع عنه كل سلطة وإمكان إثبات سلطة ما. يتحول فجأة إلى كائن بلا حول. واستذكاراً للايديولوجيات العنصرية، لا يبدو المواطن جندياً ولا نبيلاً. وهو طبعاً ليس في وسعه أن يكون بربرياً، بمعنى أنه جزء من حشد لا حدود له، كرمال البحر على ما يصف إرنست رينان البرابرة. فالبرابرة، بالنسبة لرينان، قوم بلا عدد. يتكاثرون بالموت والولادة، أي أن الموت الكثير الذي يصيبهم لا ينهي حيواتهم، فضلاً عن اختلاط مواعيد الولادة. ثمة ولادات تتم في كنف البرابرة من دون حصر، فهم دائماً يلدون ويموتون، ومن دون توقف أو راحة. في هذا المعنى، يبدو الموت جزءاً مكملاً للتكاثر، لهذا يبدون، بالنسبة لرينان ومنظري العنصرية الأوروبية في القرن التاسع عشر، من دون حصر.

الأمر ليس على هذه الصورة في علاقة المواطن في الإمارات العربية المتحدة بالزائر والمقيم. فالمواطن جزء من حشد غائب. وعندما يظهر فإنما يظهر ويتبدى كما لو أنه معزول ووحيد وضعيف. لنقل أنه يظهر وحيداً ومستوحشاً في ارض تم استعمارها. لهذا يبدو المواطن كما لو أنه يتوسل بالتذكير الدائم لاتصاله بعادات الأفراد وسبل عيشهم وقدرته على التمثيل ولعب دور الزائر والمقيم مجالاً ليجعل من الحيز العام مكاناً يتسع لزيه الوطني الموحد، ضرب من المزاج الوطني، أو نوع من التأكيد على الوفاء للهوية رغم المعرفة الدقيقة بأنها معيقة. ضرب من المصالحة المتعسفة بين هوية متذررة ونوع من الاتصال المرجح بأسباب المعاصرة الشكلية. وكل معاصرة من هذا النوع الذي نشهد أمثلته في الفنادق لا تعدو أن تكون شكلية ولا تتجاوز القشور. كأنما المواطن يذهب إلى إعلان أن القشرة التي يمثلها الزي ليست إلا قناعاً إضافياً على مسرح صفته الأولى أنه مسرح اقنعة.

تحت الزي: الجلد المفرد

حكاية:

“فتاة ترتدي الزي الوطني الإماراتي تعبر وحيدة في صالة فندق. لها أسبابها الكثيرة والمتعددة لتنوجد وحيدة في الصالة من دون رفيق من موطنها. في الصالة تنتبه إلى وجود صديقة لها ترتدي الزي الوطني أيضاً وهي ايضاً وحيدة ومن دون رفيق. في اليوم التالي تتجنب الصديقة أي اتصال بصديقتها. السؤال الذي يؤرق الفتاة لا جواب له: هل تخشى صديقتها الحديث معها لأنها ضبطتها وحيدة في صالة فندق؟ أم أنها لا تريد محادثتها لأنها ضبطتها وحيدة في صالة فندق؟ من ضبط من؟ من يخجل من الآخر؟ من يدين الآخر؟”

كأنما الصديقتان ضبطتا نفسيهما وهما تتعرفان العالم بالنظر. وهذا تعرف قاصر في كل الأحوال. لكنه في هذه الحالة يبدو تعرفاً خائناً. ليس ضرورياً البحث والتدقيق طويلاً في الأسباب الشخصية التي تدفع الصديقة إلى تجنب صديقتها بسبب هذه الحادثة. لكن المسألة تتعدى هذا المجال إلى مجال آخر. في وسعنا أن نظن أن الزي الوطني حجاب أمام العين.

ليس حجاباً على النحو الذي يجعل الأصوليين الإسلاميين أفرادا وذوي مزاج، بل حجاب يريد أن يقدم الهوية على الاختلاط. يهجس بالهوية هجاساً مقيماً ولا يتسنى له أن يغادر منطقة الإعلان عنها قيد أنملة. هذا الهجاس بالهوية يبدو مكلفاً على المستوى الفردي. لكننا نستطيع أن نحدس بأهميته على المستوى الاجتماعي العام. يبدو في وجه من الوجوه رفضاً لتعيين الهوية وتحديدها بالنظر العابر والسائر. يتطلب المرء وهو يهجس بالهوية على هذا النحو أن يتعرف إليه الآخر تحت الثياب الحاجبة. وتالياً ان يستحق التعرف إليه. ان يجتهد اجتهاداً في محاولة التعرف عليه. إذاً لا يبدو الزي قناعاً بمقدار ما يبدو سلطة من نوع ما. هو سلطة لأن صاحبه، حين ينتسب إلى الحشد المختفي في زوايا البيوت، يستطيع أن يرى ولا يُرى. فانتسابه إلى الحشد يخفيه عن البصيرة الباصرة، لكنه لا يمنعه من ملاحظة أن الناس أمامه ضبطوا وهم يتلبسون أقنعتهم على نحو لا مراء فيه.

قد يكون من الضروري ملاحظة وجوه السلطة التي يتيحها الزي الوطني للمواطن على المقيم والزائر، فثمة وجه قانوني وآخر أخلاقي، وآخر يفترض أن المواطن يملك الحق في قول الكلمة الأخيرة في أي موضوع. لكن هذه الوجوه كلها تبرز دائماً أكثر من حد واتجاه.

في الوجه القانوني يتمتع المواطن بأحقية أن يملك ويتملك، وتالياً أن يكون سيداً على الجغرافيا. لكن الجغرافيا في هذا المجال في وسعها أن تتحول صحراء وفي سرعة قياسية. من حق المواطن أن يموت في المكان. حقه في الموت والدفن هو حق جغرافي، وهو تالياً يستطيع أن يتكاثر وينمو وينتسب ويصاهر، لكنه دائماً يفعل ذلك في الرمل العميق الذي يتشكل منه المكان برمته. لنقم المعادلة التالية: للمواطن حق الدفن في الرمل، وللمقيم والزائر حق العيش في المكان. الحقان لا يستقيمان من حيث الأهمية، لكن المقيم والزائر يصنع للجغرافيا العذراء شبهة العيش في الأماكن الكثيرة التي تتغير وجوهها من الصحراء إلى المدينة. ليس ثمة تعارض كبير بين الصحراء والمدينة من حيث المعاصرة وأسباب الاتصال بحداثة ما، أو ليس ثمة سبب يدعونا لمناقشة هذا الموضوع في هذا المقام بالذات. ما يجدر بنا الالتفات إليه يتعلق بترفع المواطن عن تنكب العيش السهل الذي تتيحه المدينة، وترك الزائر والمقيم ليحيا في هذا المكان المعمور، انما ليحيا فقط، تماماً كما لو كانت الحياة ليلة واحدة. المآل والمستقر لأهل الجغرافيا، الأرض والرمل.

في الملمح الأخلاقي يبدو المواطن وهو يتمسك بزيه ويوفي هويته وفاء منقطع النظير كما لو أنه يملك السلطة التامة على إدانة كل سبل العيش ومساربه. لكنه بالسماحة واللين والعفو والعطف يدع الناس يحيون ويعيشون، من دون أن يعكر خفة عيشهم بسلطانه المحسوم. من هذا الباب في وسعنا أن نعود إلى حكاية الصديقتين. فمرد التجنب الذي تبديه الصديقة لصديقتها يتعلق تعلقاً شديداً في تلبس الصديقتين معاً وفي آن واحد في شبهة العيش الخفيف. أي في توسل العيش وسؤاله. كما لو أن المرء حين يود أن يعيش فإنما يتنازل عن حق أرفع وأعلى قدراً. وهو بذلك يخسر أصلاً وجذراً هو الرمل ليربح فرعاً وغصناً هو العيش الخفيف.

والمواطن أخيراً يملك الحق الذي لا ينازعه فيه أحد في قول الكلمة الاخيرة والفصل في هذه الشؤون، لكنه يتجنب قولها على الدوام. يتجنب اللجوء إلى هذا الحق وممارسة هذا السلطان، لأنه ما إن يباشره حتى يجد نفسه وفي صورة مباشرة أمام الموت. إذن في وسع المواطن أن يضرب بسيف سلطانه الأخلاقي والجغرافي والعائلي، لكنه ما إن يشهره حتى يخسر المادة التي يقع نصل السيف على جسمها.

هذه بلاد يجري فيها البترول، ذهباً خالصاً. النفط رافعة لا تضارع من روافع البلاد وانتقالها من حال إلى حال. بين أجيال ثلاثة، كان لهذه المادة الثمينة الدور الرئيس في تبدلات وتحولات لدى هذه الأجيال. جيل الخمسينات وأوائل الستينات كان الجيل الذي أسس هذه المجتمعات في علاقتها بالخارج والآخر. صلاته بالعالم محدودة وكان قادته ومقدموه يبذلون جهوداً مضنية لربط مجتمعاتهم بأسباب المعاصرة من دون خيانة تقاليدهم ومحاولة قطع حبلها الغليظ. أبناء هؤلاء كانوا الجيل الذي انتشر في كل الجهات ليتعرف أفراده فرداً فرداً على هذا العالم الواسع. الجيل الثالث هو الجيل الذي اكتشف فجأة أن لا شيء لدى العالم المعاصر يخوله الحق بالتشاوف والترفع والادعاء. بين الأجيال الثلاثة ثمة قفزات كبيرة ما كان ممكناً لهذه المجتمعات قطعها لولا الثروة التي أمنها النفط. كانوا جميعاً يعبون المعارف والاتصال بالعالم عباً ومن دون روادع. يحرقون المراحل على نحو لا يكفون فيه عن مفاجأة الآخرين. دائماً يملك أهل هذه البلاد ما يفاجئونك به. دائماً يختبئون ولا يظهرون مفاتنهم أمام العين السيارة والعابرة. لكن الاحتكاك الحقيقي بهم يجعل المراقب والملاحظ في حيرة من أمره. بين جيلين أو ثلاثة قطع أهل هذه البلاد مسافة شاسعة من تأسيس الهوية وتثبيتها في العلاقة مع الآخر إلى تذررها في المهاجر وفصامها بين حالين وحضارتين، وصولاً إلى عصبية المواجهة مع الآخر، وإقامة الحجج والدلائل التي لا تدحض على ثبات الهوية وصلابة عودها.

للثروة النفطية في هذا المجال أثر لا يخفى على السرعة الهائلة التي اجتازت فيها هذه البلاد مخاضات عسيرة أدت في بلاد أخرى إلى خرابها التام والعميم. لكن لعنة النفط ليست خافية. هذه الإنجازات السريعة، وكل الإنجازات في هذه البلاد سريعة وخاطفة، من شق الطريق إلى افتتاح الجامعة وصولاً إلى استجلاب “صين صغيرة” تقيم في دبي، هذه الإنجازات جعلت حوار الأجيال عسيراً وشاقاً. وأكثر من ذلك جعلته باطنياً وغير معلن. للمراقب الخارجي، ليس ثمة ما يظهر على سطح الجدال. لكن من يلمس الأمور من داخل، من خلف الزجاج الذي لا يعكس للزائر غير صورته، يعرف أن ثمة الكثير الكثير من الزوايا التي يصعب تدويرها. لهذا تبدو الهوية معلقة بخيط خارجي. هي هوية تريد أن تظهر متماسكة ولا شقوق فيها. تحجب شقوقها وتغضناتها عن العين العابرة. كل شيء يزان ويقيّم في هذه البلاد باللمس والاختبار. العين قاصرة، لأنها لا تكشف إلا الظاهر.

هذا من جهة أولى، ومن جهة ثانية، يجهد أهل هذه البلاد في رتق الشقوق التي قد يلاحظها المشاهد. أول خبر قد يثير الاستغراب والاستهجان أن يكتشف الزائر إن ثمة أحياء شديدة الفقر في هذه المدينة أو تلك. الفقر في هذه البلاد اختصاص الآخرين. بلاد تراقبها العيون من كل حدب وصوب. (استغرب الان غريش انتشار الفقر والبطالة في السعودية، ذلك أن هذه البلاد مطالبة على طول الخط بمحو الفقر عن مواطنيها ومقيميها وزوارها على حد سواء).

المستقبل المأجور: العيش في بطن التمثال

حكاية:

“كنت دائماً أضيق بالزي الوطني. دائماً اشعر انه مقيّد. لكنني ذات يوم اتخذت قراراً غريباً. قررت وأنا في باريس أن أتجول في أنحائها وأنا أرتدي الزي الوطني. النتيجة تستحق أن تروى.

اخذ الناس هناك يعاملونني كما لو كنت اصمّ. يتحدثون إلي بأعلى نبراتهم، كما لو أن الكوفيةتسد أذني. بعضهم بدأ يخاطبني بفرنسية ركيكة تتخللها إشارات وحركات من أيديهم. كانوا كما لو أنهم يخاطبون اصم. يجاهدون بالإشارات وعلو النبرة ليفهمونني ما يريدون قوله. جعلهم الزى الوطني أشبه ما يكونون بحمقى. لكنهم كانوا كما لو أنهم يريدون إفهامي أنهم يقدرون جهلي بلغتهم، ويحاولون المستحيل من اجل أن يتواصلوا معي.

بالزي وحده أصبحت أصم، وجاهلاً باللغات. ما إن أعلنت انتمائي البيولوجي والجغرافي حتى تحولت إلى كائن أدنى.

جيلي الذي انحدر منه هو جيل حاول الثورة على الزي. ثورة على التقاليد التي جعلتنا إلى حد بعيد أسرى الجغرافيا والعادات والهوية الملتبسة. كنا نتخفى بين الحشود في أوروبا وبعض بلاد العرب، وننكر أصولنا في السير (من السيرة) والموضة واللسان. ننكر أصولنا فلا طاقة لنا على إتيان مهمتين بالغتي الصعوبة: أن نتعلم، كما فعل آباؤنا من قبل، ونعب من المعارف وأنماط السلوك والثقافات، وأن ندافع عن هويتنا في الوقت نفسه. أصلا كنا ما إن نعلن عن أصولنا حتى يتخذ محدثنا جانب الحيطة. لا يعود راغباً بإقامة علاقات حميمة معنا، ولا يعود قادراً على التصرف على سجيته. وأكثر من ذلك، لا يعود قادراً على النظر إلينا كأناس نتمتع بقدر من الذكاء يكفينا لتدبير شؤوننا بأنفسنا. إنها لعنة الصحراء تنتقل معنا أينما حللنا. كان الفرنسيون يعاملونني كما لو أنني تائه في صحراء لامتناهية. هل كتب علينا أن نحمل الصحراء في جيوب أثوابنا وننشرها أمامنا أينما حللنا؟”

التعرف إلى الآخر ومحاولة التواصل معه ليست مهمة يسيرة. ينبغي على المرء أن يحسن الإصغاء جيداً. وهذا يفترض أن يتحول المرء إلى كائن لا تحركه غير رغبة واحدة: الفضول الذي يجعل المرء كائناً أجوف ومستعداً لاستقبال أي شيء شرط أن يكون هذا الذي يستقبله قادراً على أشعاره بالامتلاء. هل نتحدث في هذا المقام عن شغف الفضولي بالعلامات والأنصاب؟ في هذه الحال لا يكف الفضولي عن استعراض ما يخفي هويته. يستعرض الموسيقى الحديثة وأسماء المحال اللامعة، ومصممي الأزياء الكبار، والفنادق الأشهر ولأفخم والسيارات الأحدث والأغلى. ثمة تعويض لا بد منه. ضرب من مقاومة الشعور بمواجهة الموت عبر الإنفاق. لكن الإنفاق في هذه الحال يترافق مع نشاط بالغ. واجتماع الإنفاق والنشاط في جسم واحد يجعلان الموت قريباً منه وبعيداً في آن واحد. يجعلان المرء كما لو أنه يستدعي الموت ليتسنى له أن يهرب منه.

لكن التعرف إلى الآخر ومحاولة استنطاق تجربته وتمثلها في وقت واحد لا تستقيم إلا بالخيانة. لا بد وأن المرء وهو ينفق وقتاً ومالاً في محاولة استنطاق تجربة ما، يتعلم أن لا يقيم اعتباراً لنفسه. في لحظة واحدة تختلط الأحوال اختلاطاً مريعاً: يكون المرء منتسباً ومنسوباً وذا أصل ونسب واضحين لكنه في الوقت عينه يتهجى نسباً وانتساباً آخرين. يكون المرء نفسه دليل الآخر على تمسك هذا الآخر بهويته، ودليله على احتمال نكرانها. على هذا تصبح البلاد قابلة لأن ننتسب إليها إذا امتلكت ما يكفيها لصناعة مستقبل مستقر. النفط في هذا السياق بالغ الأهمية، فهو الوسيلة التي يتواطأ عليها الطرفان، (نحن والآخرون)، على تلمس معالم ما للمستقبل.

النفط الذي يتحول نقداً ويجعل هذه البلاد مقررة في التجارة والتبادل العالميين، يجعل المستقبل ممكن الاستقرار، لكنه هذه المرة مستقبل مأجور، بمعنى أن المستقبل يصنع بالواسطة. ضرب من استئجار الخبرات والمهارات لصناعة مستقبل للبلاد يجعل منها بلاداً معاصرة بالمعنى الذي يفرقها عن غيرها من البلاد من دون أن يضعها في مجاهل التاريخ. هذا الضرب من الخيانة يبدو كما لو انه يهدف أولا وآخراً إلى استقدام المهارات نحو الصحراء، إعمارها على النحو الذي يجعل المقيمين فيها أحرص في الدفاع عنها من دفاعهم عن بلادهم الأصلية. إطلاق العنان لمخيلاتهم في العمارة والطرقات وفي التصميم والترتيب إلى حد يجعلهم يدافعون عما صنعوه كما لو كان تحفاً فنية. كأن استئجار صناع المستقبل ينقلهم جميعاً من صفاتهم التي اكتسبوها، فأصبحوا مهندسين ومعلمين وأطباء وحرفيين ليحولهم دفعة واحدة إلى فنانين. هذا يجعل المواطن متفرجاً على الأرجح كما لو أن بلاده تمر أمامه على الشاشة، ولا يعيش فيها. وإذ تستحيل هجرة أهل البلاد من البلاد، كان المواطنون يهاجرون إلى ما يشبه السر. إلى الداخل والبطن فلا يعودون مرئيين لكنهم دائماً يستطيعون أن يروا التحفة التي أصبحت عليها بلادهم، وأن يشاهدوها من الداخل إلى الخارج، تماماً كما لو كانوا يعيشون في بطن التمثال.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق