دراسة سريانية آرامية للقرآن

يمثّل صدور كتاب جديد للمفكّر الألماني كريستوف لكسنبرغ زاوية نظر جديدة في غاية الأهمية في مجال الدراسات القرآنية. أريد من خلال هذا النص إعطاء نبذة موجزة عن أطروحة الكتاب الذي كتب بالألمانية وترجم إلى الإنجليزية. ولا توجد له حتى اليوم ترجمة فرنسية ولا عربية، وربما يعود ذلك لجرأة أطروحة المؤلّف واغتنائه عن الأسلوب “الكرتوازي” الذي يميّز أسلوب المستشرقين الفرنسيين.

من باب الهزل: قيل في مطلع القرن19 إنّ اللغة السامية الأولى كانت الألمانية. يعود ذلك إلى اهتمام عدد كبير من الدارسين الألمان بالثقافة العربية الإسلامية وبدراسة التوراة. هذه الأبحاث القيّمة تنتظر اليوم من المثقفين الناطقين باللغة العربية مجهود ترجمة وبحث من شئنه فتح أبواب جديدة لتفكير. لا نستطيع اليوم غضّ النظر عن أكثر من قرنين من البحث في مجال اللغة العربية باتخاذ أبعادها الثقافية التاريخية التي نشأت فيها لغة القرآن وتكوّنت.

يحذق لكسنبرغ اللغة السريانية والعربية مستعملا علم الفيلولوجيا كأداة قراءة وموزع تفكير. ظهر علم الفيلولوجيا في أوروبا زمن التنوير عندما تمّ استعماله في إعادة قراءة النصوص الإغريقية واللاتينية ثمّ صار يشمل فيما بعد كلّ النصوص في مختلف اللغات الحديثة، عالمة كانت أو عامّية. تمّ تحليل الإنجيل في نسخه القديمة والحديثة تحليلا فيلولوجيّا باعتبار الفروقات اللفظية المختلفة الموجودة في النسخ القديمة وبالاعتماد على الشهادات.

وإذا انطلقنا من افتراض مناعة القرآن من التحريف، فمن البديهي الاستغناء عن هذا النوع من القراءات. ودراسات المستشرق الألماني T. Nôldeke, 1836-1930 “ندلكه” في “تاريخ القرآن” لم تنشر، ولم تترجم إلى اللغة العربية ولا إلى الفرنسية.

مثّل العثور على عدد كبير من النسخ القرآنية عام 1972 – حين تمّ ترميم الجامع الكبير في صنعاء- منها ما يعود إلى القرن السابع ميلادي، فرصة للدراسات الفيلولوجية القرآنية خاصة أنّ هذه النسخ تقدّم بعض الفروقات بالنسبة للنص الرسميّ من حيث ترتيب السور وأشكال الحروف. لا توجد، على حدّ علمي، دراسة عربية جادّة لهذه المخطوطات. تمّ نشر بعض المقتطفات في مجلات غربية نذكر منها:

(1) Gerd R. Puin, « Observations on Early Qur’an Manuscripts in San’a », S. Wild (ed), The Qur’an. As a Text, Leyde, Brill, 1996, P.107-111; H.-C. Graf von Bothmer, K.-H. Ohlig, G.R Puin, « Neue Wege der Koranforschung », Magazin Forschung (Universität des Saarlandes) 1, 1999, p.33-46

ويتمثّل الإشكال في أنّه توجد بين أيدينا ترجمات مختلفة للقرآن، منها ما يحاول الوفاء الخالص للمعنى الأصليّ للكلمات، منها ما يحاول احترام الإيقاع، ومنها ما يحاول التوفيق بين الاثنين، ومنها ما ترك ذلك كلّه ليقدّم كتاب من شأنه المنافسة في الأسواق. الحقيقة أنّ القرآن يباع اليوم بصفة باهرة ولا يزال يجذب المصدّرين ودور النشر في أوروبا. وما عليكم إلا التجوّل في الأسواق حتى تروا الظاهرة بأعينكم.

أحداث11 سبتمبر أثارت هزّة في أوروبا بإظهارها وجها عنيفا للإسلام حمل دور النشر على تضخيم حجم الكتب والدراسات في هذا المجال. وهذا لا يعني أنّ كلّ من يشتري البضاعة يقرؤها. رغم أنّ نسبة الأميين، خلافا على العالم العربي، قريبة للصفر. يبدو القرآن من حيث قدم لغته، وكثرة رموزه، وتكرار مقاطعه، وكثرة التناقض في مكوناته… عسير الفهم يحلّ للمترجمين والمفسّرين الوقوف على معنى دون الآخر حتى يفهم المقصود. وسواء كان انتشاره بقوّة السيف أو قوّة المعنى والمضمون فالنتيجة واحدة : لغة القرآن ليست لغة تخاطب، ويصعب على المثقّف والأمّي فهمها واستعمالها أداةً للتواصل(أستثني هنا المرضى بالهذاء إذ غالبا ما يستعملون اللغات المقدّسة للتخاطب المباشر مع الله)، وإنّ ترجمة القرآن إلى اللغات الدارجة الشعبية في مختلف البلدان العربية أمر في غاية الأهمية وهذا لا مجال للتخالف فيه (أنظر كتاب مصطفى صفوان: لماذا ليس العالم العربيّ حرّا). وهكذا تبقى للقارئ مساحة للتفكير حين يقف على مفاهيم وقوالب فكرية متناقضة المضمون، متناسقة أو بعيدة كلّ البعد عن واقعه وزمانه. لكن، في حال وجدت هذه الترجمات، فإنها لن تكفي لحلّ مشكل المعاني، والمصادر ومقاصد النص القرآني. من مصدر القرآن؟ الجواب الآليّ : الله هو المصدر الأوّل، أنزله شفويّا على نبيّه محمد لينقله للناس بدون تحريف. ثمّ نُقل الكلام الموحى من الشفويّ إلى الكتابيّ في زمن الخليفة عثمان بن عفان في شكل مخطوطة اختيرت من بين سبع نسخ. وقرّر الخليفة حرق البقية. يبقى السؤال مطروحا عن المعايير التي حسمت في الفرز والقياس بين نسخة مطابقة الأصل وأخرى محرفة أو ناقصة.

لم تؤخذ بعين الاعتبار المسافة الزمنية الفاصلة بين الفترة التاريخية التي أنزل فيها القرآن وفترة الكتابة والنسخ، 200عام تحوّل فيها حال العرب بفعل الإسلام كحضارة، واتّحاد القبائل العربية في فترة الفتوحات والتغيّر الجذريّ من “حال الرمل والقمل”، كما يقال، إلى حال الرفاهية، شمل هذا التغيّر الشرق الأقصى وحوض المتوسط والفرس والعجم. لم يهتمّ المسلمون بماضيهم إلا 200 سنة بعد التنزيل. كلّ هذه التغيرات السياسية الاجتماعية أبعدت المسلمين عن الماضي الذي في خضمّه نزل القرآن. لم يكن النحويون والمفسّرون من عرب الحجاز بل كانوا فرسا يعيشون ببغداد وليست لديهم فكرة موضوعية على حال المجتمع ومسالك عرب ما قبل الإسلام، ولم تكن لهم معرفة بلغات سامية غير لغة القرآن. وتفسيرهم -الذي يتواصل إلى يومنا هذا- مبنيّ على جهلهم للمحيط الفكري والاجتماعي الذي أنزل فيه القرآن. فهناك سؤال مثلا يبقى قائما: هل فهم عرب الحجاز لغة القرآن كما فهمها فرس بغداد؟ المصادر الإسلامية القديمة التي تشير إلى تاريخ بدء الإسلام لا تتجاوز القرنين في حين أنّ مصادر غير إسلامية تعطينا نظرة مختلفة عمّا زُعم أنّه حال عرب ما قبل الإسلام. بعض هذه المصادر موجودة حاليا وقد جمعت في مجلّد.
Robert G. Hoyland, Seeing Islam As Others Saw It. A Survey and Evaluation of Christian, Jewish and Zoroastrian Writting On Early Islam, Princeton, The Darwin Press, 1977, XVIII-872p.

تبدو المخطوطات القديمة للنص القرآني خالية من الشكل والتنقيط، ويصعب اليوم تحديد الوضع الزماني الذي وضعت فيه النقط، بحيث تميّز “ب” عن “ت” أو “ث”…وتنطق بشكل مختلف. كذلك الأمر بين: “ا” و”ى” وظهورهما المتأخّر في الكتابة. يقول لكسنبرغ: “لا نعرف بالتدقيق كيف وفي أيّ ظرف محدّد تمّ ضبط قوانين الشكل لتناقض الشواهد في هذا المجال”.
Luxenberg, p.296

كلّ هذه العوامل تجعل عملية القراءة امتحانَ ذاكرةٍ صوتيةٍ معقّدا. وبالنسبة إلى المؤلّف فإنّ افتراض مساهمة الثقافة الشفوية في تعدّي هذا الحاجز دون الإخلال بالمعنى الأوّل المقصود لا صحّة له ولا مبرّر. بالنسبة إليه (وهذه فكرة قوية الأبعاد) فإنّ وجود ثقافة من هذا النوع تضع محمد الرسول وأتباعه في مأزق حتميّ بحيث يصعب عليهم فهم القصص والآيات، وينفتح لهم مجال قراءات متعددة ومختلفة. بينما الوضع التاريخي والفكري الذي ظهر فيه القرآن طغت عليه سلطة الكتابة: “لسنا هنا في عالم الثقافة الشفوية بل في ثقافة الكتابة”.

السؤال يصبح : إلى أيّ مدى أثرت ثقافة الكتابة في تفسير القرآن من ناحية وفي تكوين اللغة العربية من ناحية أخرى؟
يزعم المفسّرون أنهم يفهمون الآيات القرآنية استنادا إلى أسباب النزول، في حين أننا لا نعلم شيئا عن هذه الأسباب. من الممكن أنّها قد اخترعت حتى تمكّنهم من فهم نصوص أصبحت غير مفهومة: “الكتب الإسلامية بنت قصة حياة الرسول حتى تفهم مقاصد النص القرآني ممّا يؤدي إلى هذه النتيجة: الألفاظ القرآنية المبهمة هي التي تفسّر القصص وليس العكس”.

شعر ما قبل الإسلام (الشعر الجاهلي) كان هو الآخر مستندا للمفسرين. فقد حاول هؤلاء فهم ألفاظ القرآن بالعودة إلى استعمالاتها في الشعر القديم الجاهلي والمسيحي، في حين أنّ النصوص الشعرية تعود إلى زمن بعيد. وصل طه حسين إلى نفس النتيجة في كتابه “الشعر الجاهلي” 1927ممّا أثار وقتها فضيحة. بهذا الشكل يفسّر اللفظ الغامض بلفظ أكثر منه غموضا، يفسّر مقطع من الشعر الجاهلي بمقطع من القرآن وكأنّ ألفاظ القرآن كانت في الأصل واضحة.

اللجوء إلى النحويين العرب يسوقنا من جديد إلى هذه الدوامة المغلقة. هؤلاء استعملوا النص القرآني مقياسا لغويّا، وكلّ المعاجم العربية تتضمّن شواهد من القرآن (لسان العرب مثلا).

وقد اعتمد الكاتب الفيلولوجيا أداةً لقراءة مقاطع غامضة من القرآن بغضّ النظر عمّا قدّمه المفسّرون في هذا المجال، وهذا لا يعني أنّه يتجاهلهم، بل بالعكس فهو يعود إليهم بعد أن يتّخذ اتّجاها معاكسا .
السؤال المحرّك لأبحاثه يبقى “بأيّ لغة كتب القرآن؟ باللغة العربية حتما، ولكن أيّة عربية؟ النقاش في هذه المسألة قديم، هل هي لغة التخاطب في مكّة؟ لغة الشعر؟ لغة القرآن عند كرستوف لكسنبرغ ليست العربية الرسمية كما ظهرت في ما بعد مع النحويين، بل هي لغة مركّبة نتاج اختلاط العربية والسريانية كانت تمثّل لغة الثقافة بمكّة/ مكة مثلا تعني حرفيا بالسريانية : المدينة السفلى.
خطأ المفسّرين يكمن في محاولتهم الانطلاق من النص القرآني كنموذج خالص للغة العربية، في حين أن هذه المصطلحات ليست بعربية معقدة بل سريانية بسيطة وسهلة الفهم.
ويعتبر الكاتب أطروحته امتدادا فكريّا لمستشرق سبق له أن جلب الانتباه إلى وجود مقاطع سريانية في القرآن وهو ألفونسو منغانا. Alphonse Mingana

Mingana A., Syriac influence on the style of the Kur’an, Bulletin of the John Rylands Library, 2, 1927, p.77-98

{{
نهج البحث:}}

تضمّنت طريقة الترجمة مراحل متعدّدة لا يمكن المرور من مرحلة إلى أخرى إلا إذا عجزت سابقتها عن فهم المعنى المقصود في النص القرآني : فأمام غموض المصطلح يدعو الكاتب إلى :
1- الرجوع إلى المفسّرين المسلمين (الطبري مثلا)، والتثبت فيما إذا وجدت مفاهيم لم تؤخذ بعين الاعتبار.
2- التثبت في المعاجم العربية الكلاسيكية إن كانت هناك مفاهيم لم تؤخذ بعين الاعتبار
3- البحث عن جذور سريانيه أرامية موازية في نطقها للجذر العربي ومختلفة من حيث المعنى المقصود.
4 – قراءة المخطوطات في النصّ القرآني دون الأخذ بعين الاعتبار للنقط ودون الخروج عن نطاق الجذر العربي.
5- تطبيق الطريقة في نطاق الجذر السرياني الآرامي.
6- إعادة ترجمة العربية إلى السرياني الآرامي والبحث عن المعنى المقصود.
7- البحث عن معاني مجهولة في اللغة العربية في المعجم السرياني الآرامي(القرن الحادي عشر).
8- التثبت فيما إذا نسخ اللفظ العربي على نفس شكل السرياني الآرامي

النتيجة: أنّ تطبيق هذا المنهج يعطي للنص القرآني معنى أكثر إقناعا. إذ تبدو الجمل للقارئ أكثر سلاسة وبعيدة عن التناقض. ما تخسره الكلمات من شحنة القداسة تربحه في وضوح المعنى، وأريد أن أعطي بعض الأمثلة دون الدخول في المراحل التي مرّ بها الكاتب حتى يقف على معنى دون الآخر. أخشى أن يظنّ القارئ أنّ المنهج المسلوك هنا اعتباطيّ أو أنّ المقصد الوحيد من البحث هو تكذيب ما قدّمه المفسّرون المسلمون.

ففي كتابه الصادر مؤخرا 2007 :”النزاع حول القرآن : حوار لكسنبرغ مواقف وخلافات”، يسلّط لكسنبرغ الضوء على مقطع يشرّع الحجاب الإسلامي، وهو محلّ نزاع سياسيّ واجتماعي في ألمانيا وأوروبا. قراءة فيلولوجية للنص من شأنها إعطاء مفاهيم جديدة وموضوعية للجدل :
يعود المشرّعون الإسلاميون إلى سورة النور الآية٣١ “وليضربن بخمورهن على جيوبهن”، ويرون فيها دعوة واضحة إلى فرض الحجاب الإسلامي على النساء المسلمات.
لنبدء بتحليل كلمة “خمورهنّ”
في كتابه “التفسير” يطرح الطبري المعنى : “خمورهن من المفرد “خمر” كلّ ما يكسو شعر، عنق وأذني المرأة” هذا التفسير لا علاقة له بالمعنى الأصلي للجذع “خمر” . الجذع “خمر” يعني بالآرامي “تخمّر (العجين) الخمر(الشراب) (يعود لكسنبرغ الى Siegmund Fraenkel, Die aramäischen Fremdwörter im Arabischen, Leiden 1886)
يشير المعجم الآرامي أنّ الكلمة باللغة العربية تعني “غطّى” ستر”، وفي “لسان العرب” يعود المعنى إلى الآرامي “العجين جعل فيه الخميرة”، الخمر شربه، “غطّى، ستر”، يشير هنا ابن منظور إلى حديث منسوب للرسول: خمروا آنيتكم “أي غطّوها”، كلّ ما يغطّى هو مخمّر. مقصد الحديث أنّ الخمار هو ما يغطّي الإناء حتى يسرع عملية التخمير(عجين، شراب الخ) إذا كان الخمار خرقة من القماش يغطّى به الإناء، فكيف انزلق المعنى إلى الحجاب النسائي؟ بالنسبة للآية 219 من سورة البقرة يعود الطبري للمعنى المتداول لخمر: كل ما يخمر محرّم لأنّ الخمر “يحجب” العقل. فمعنى الخمار حجاب، وهذا التفسير لا صحّة له. وفاء المترجمين لمفسّري القرآن ساقهم إلى هذا الخطأ اللغوي. أمّا إذا قرأنا “جمورهن” مكان “خمورهنّ” فعندها يستوي المعنى المقصود.

يعود هنا لكسنبرغ إلى الأدب الآرامي السرياني ما بين ألقرن الرابع والسابع ميلادي (فترة زاهرة)، ليشير إلى استعمال الجذع “كمر”، وحرف الـ “ك” يحلّ أحيانا مكان “ج” كما هو سائد في الدارجة عند بعض البدو ويعني”حزم”، من هنا اشتقّ “كمر” كمرة “كمارة”(حزم’ حزمة’ حزام”) هذه الكلمة موجودة حتى الآن ومتداولة عند بعض عرب الشرق الأوسط. بالآرامي يقال ڨمر بمعنى حزم، أحاط، أدار / كمر بمعنى حزم، العشب أو الحزام. النتيجة بالآرامية: جمار، كمار، ڨمار مفارقات صوتية لمعنى متشارك: حزام. من هنا يسوق المصطلح القرآني “جمور وليس خمور”.

سنضع الآن الآية القرآنية أمامنا ونعيد القراءة: “وليضربن بجمورهنّ على جيوبهنّ” : كلمة “ضرب” تؤكّد معنى الحزام، لأن العرب تقول “شدّ الأحزمة وضرب الأحزمة” على الجيوب أي على الوسط. وليس كما زعم تغطية الرأس وأعلى الجسد، الرقبة، الخ…

من أين تأتي الإشارة الرمزية إلى الأحزمة في حين أنها لا تخصّ تقاليد إسلامية مضبوطة؟
الرجوع إلى التفسير التاريخي من شأنه توضيح الرمز. يعود الرمز إلى الزهّاد والرهبان. وهناك إشارة في “اللسان” إلى أنّ الرسول محمّد فرض على الرجال لبس الأحزمة عند الصلاة ثم منعهم من ذلك في ما بعد. روي أنّ عائشة قد ذكرت أنّ نساء المدينة اللاتي اعتنقن الإسلام نزعن أحزمتهنّ وحولنها إلى “خمور”. اعتقد المفسّرون أنّ تحت هذا المصطلح الملغز “خمور” يوجد معنى الحجاب. في حين أنّ الإشارة هنا إلى “الحزام” الذي تحمله النساء حول وسطهنّ (لأنّ الحزام لا يتحوّل إلى حجاب!). ممّا يؤكّد مرّة أخرى أنّ المأزق الذي مرّوا به قبل أن يقدّموا معنى الحجاب هو مأزق لغويّ وقعوا فيه نتيجة قراءة خاطئة للكلمة. كلام عائشة يحتوي شيئا من الحقيقة التاريخية: تحمل النساء في زمن الرسول أحزمة. من هنا نفهم أنّ النساء دُعين إلى نزع الحجاب وتعويضه بالجمور، أي الأحزمة وليس العكس …هذا ما وصل إليه الباحث في معنى كلمة خمار.

ودون الدخول في مراحل البحث أشير هنا إلى مصطلح آخر : “حوريات الجنّة”، تعني “عنب أبيض”( اقرأ: روجناهم حوريات وليس زوجناهم حوريات).

{{
المرجع اليهودي المسيحي للقرآن:}}

ما هي مراجع القرآن؟ سؤال يعود إليه الكاتب بعد العبور بالغة السريانية ليقدّم جوابا تفرضه الترجمة: القرآن يعني حرفيا “مجمع فصول”
Lektinaire, Lectionnaire
بحيث هو مقاطع مختارة من الكتب المقدسة التي سبق أن ترجمت إلى اللغة العامية “القرشية” (لغة مركّبة نتاج اختلاط العربية والسريانية) لتقرأ بلغة مفهومة. لكسنبرغ يستند إلى سورة يوسف: تلك آيات الكتاب المبين (أي تلك آيات الكتابة مبينة) إنّا أنزلناه قرآنا عربيا لعلّكم تعقلون (أي تفهمون لكسنبرغ، ص 80) /في سورة فصلت : (تنزيل من الرحمان الرحيم1 كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون2) لكسنبرغ يقرأ : “كتابة ترجمت في مفاصل عربية”: “إنّ علينا جمعه وقرآنه17فإذا قرأته فاتبع قرآنه18ثم إنّ علينا بيانه19″(القيامة).

افتراض أنّ القرآن مختارات و”مجمع فصول” من الكتب والأناشيد القدسية يعني أنّه لا يزعم منذ الأصل أن يكون سوى كتاب قدسيّ يتضمّن مفاصل مختارة من الكتابات السماوية (العهدين الحديث والقديم) وليس بكتابة مستقلّة في حدّ ذاتها. ولهذا نجد في القرآن إشارات متعدّدة إلى لكتابات السابقة بدونها يبدو للقارئ أنّ الكتاب مغلق بسبع عقل”ص79
الكتاب الأصل كما ذكره القرآن هو “أمّ الكتاب” (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله….سورة آل عمران: “أي منها من هو مطابق للكتاب الأوّل وأخرى متشابهة من حيث المعنى. هذا يعني أنّ الكتاب الأوّل هو الكتاب المقدس”ص 83.

يبدو من هنا أنّ الرسول محمد “ليس إلا مذكِّرا” من جهة و”مترجما” من جهة أخرى.
شخص محمد كما يظهر من خلال مؤلفي السير يمثّل هو الآخر موضع شكّ. لنذكر أنّ اسم محمد لم يظهر في القرآن إلا مرّتين، ومكة ويثرب وقريش مرّة واحدة، فكلّ ما سرد عن الحياة والمحيط الذي عاش فيه محمد يسند إلى زمن لاحق. من هنا ، تاريخ ظهور الإسلام مشكوك فيه للغاية. مثلا: مكان منطلق الغزوات يثرب: يذكر المؤرّخون المسلمون وجود ثلاث قبائل يهودية في المدينة تبايع معهم محمد ثم أطردهم منها شرّ طرد، في حين أنّه لا توجد أيّ مصادر يهودية أو غيرها تشير إلى وجود يهود في المنطقة. هل يكون موقع هذه الأحداث شمال الجزيرة العربية؟ هذا ممكن خاصة وأنّ الإشارة في الآيات الشيطانية إلى ثلاثة من الآلهة النسائية قد وجد آثارها في منحوتة أردنية سورية، في حين لا توجد أيّ آثار في منطقة الحجاز.
من الممكن أن يكون محمد اسما منسوبا وأنّ بعض النصوص القرآنية سبقته.

سأكتفي هنا بذكر أهمّ ما جاء به لكسنبرغ في أطروحة شيقة، وكتابة في بعض الأحيان عسيرة الفهم لطول الجمل وكثافة الأفكار. يقول الكاتب في حواره مع “كرستوف برغمر” إنّه يخشى استعمال أبحاثه من قبل أهل السياسة والإعلام، وأنّ القصد الأوّل هو البحث الموضوعيّ في النصوص القرآنية. أمّا مشروع دار النشر فإنه يسير في منهج مخالف، أعني تبسيط الأطروحة حتى تصل أكبر عدد ممكن والتعريف بها خارج حدود ألمانيا.

فكرة التلاقح المطروحة هنا (تلاقح اللغات والأديان) تفتح المجال إلى سؤال الأصول كجمع لا الأصل بالمفرد. السلطة الكلية تفرض فسخ تاريخ اللغة (العربية) بفسخ تاريخ تلاقحها مع اللغات الأخرى بقوّة البوليس السياسي والنفسي. كلّ السلط الكلية في حاجة للغة مضبوطة القواعد و”واقفة على وجهها” كما يقول “فرنسيس بنج” حتى تضمن شرعيتها. أي إنّ الرسم والنسخ والقراءة تخضع إلى قوّة الجبر. ليس صحيحا أن نقول إنّ الإسلام كدين قاوم الأصنام والصور لينشر ثقافة الكلام، أظن أنّ العكس أصحّ. في الثقافة الإسلامية، الشعراء والمفكّرون هم الذين قاوموا (كلّ بطريقته) ثبوت اللغة على وجهها ليسمعوا (وليس ليقرؤوا) كلاما يتحدّى جمود الحروف وانغلاق الفكر.

كتاب مصطفى صفوان(انظر أعلاه) يلقي الضوء على أهمّ نتائج ركود اللغة العربية وتزامن الظاهرة مع الدكتاتورية في العالم العربي. يبدو من خلال أطروحة لكسنبرغ أنّ ثقافة الكتابة هي التي هيّأت المجال لظهور كتاب القرآن كمرجع وحيد ونموذج “خالص” للغة العربية. من هنا تأتي فكرة أنّ اللغة العربية نشأت كاملة وكأنها لم تمرّ بفترة طفولة ولا تكوين. الإشارة في القرآن إلى أنّ المسيح تكلّم في المهد ربما تكون صورة مجازية لنشأة اللغة العربية كما يمليه قانون الجبر(“اقرأ ” أوّل آية قرآنية).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق