دعاة الوهابية / حلمى النمنم

لم تهبط علينا الوهابية من السماء ولا جاء بها وحى، لكنها نتاج عوامل وتفاعلات عديدة فى مجتمعنا، جاءتنا فى البداية وافدة أو غازية، ثم قام السلفيون منا والمنبهرون بالثراء النفطى بالعمل على تمصيرها وأوغلوا فيها، وحاولوا أن يصبغوا المجتمع بصبغتها، وما ظاهرة النقاب فى المجتمع المصرى، والنقاش المحتدم حوله، إلا واحد من تجليات الوهابية المصرية.

وفى مصرنا الآن جماعات، ولنقل مؤسسات، تعمل فى إطار شبه رسمى على نشر الوهابية بيننا، تأمل- مثلاً- معاهد إعداد الدعاة، المنتشرة فى أنحاء مصر، سوف تجد أن بينها ما يتبع وزارة الأوقاف، ويقوم عليها عدد من مسؤوليها مستعينين ببعض رجال الأزهر، لكن هناك نوعاً آخر منها لا يتبع الأوقاف ولا علاقة للأزهر به، حيث تقيمه بعض الجمعيات المسجلة، فى وزارة التضامن الاجتماعى، تجد جمعية يفترض أنها خيرية أو تقوم بعمل اجتماعى ودور إنسانى لكنها تتجه إلى إنشاء مثل هذه المعاهد، وسوف نجد أن رموز السلفية وقادة التشدد الدينى من دعاة الفضائيات الدينية يقومون عليها، ويصبح الهدف لدى القائمين عليها اجتذاب أكبر عدد من الأطفال والشباب إلى أفكارهم ونشر النقاب بين السيدات والفتيات، والحقيقة أن التسمية بذاتها «إعداد الدعاة» فى حاجة إلى وقفة، فقد كان المفهوم أن الدعاة يعدون لنشر الإسلام فى المناطق التى لم تصلها الأديان فى أفريقيا وغيرها، أى نشر الإسلام بين غير المسلمين فى المجتمعات التى لا تزال وثنية، وعرفت مصر مفهوم «داعى الدعاة» فى العصر الفاطمى.

وكان الغرض هو الدعوة إلى المذهب الشيعى ونشره، والواقع يقول إن مفهوم «إعداد الدعاة» ظهر فى مصر منذ السبعينيات حين بدت الرغبة فى القفز على الأزهر لنشر الأفكار والتيارات المتشددة التى لم يكن الأزهر يقرها مثل الوهابية وغيرها.. لكن تطورت الأمور وتدخلت وزارة الأوقاف بتأسيس معاهد إعداد الدعاة، وتجنباً لأى ازدواج مع الأزهر، استعانت الأوقاف ببعض شيوخه وعلمائه.

المشكلة فى تلك المعاهد التى تنشئها الجمعيات، حيث يدرس بها شبان وفتيات، بعضهم لم ينل حدوداً معقولة من التعليم، ولم يحصلوا على الحدود الدنيا من الثقافة. معاهد الأوقاف تشترط فى الملتحقين بها أن يكونوا من خريجى الجامعات، لكن فى معاهد الجمعيات يكفى التعليم المتوسط وأحياناً ما دون المتوسط.. ويقوم بالتدريس فيها بعض الهواة والمنتحلين صفة العلماء والوعاظ، ولا أحب أن أذكر بعضهم بالاسم فى هذا السياق.

حدث أن زميلا مرضت والدته واقتضى الأمر وجود سيدة تساعدها، خاصة أنه يعمل هو وزوجته، ويعيشان فى مدينة السادس من أكتوبر، أى أن الأقارب ليسوا بجانبه، وأخيراً دله أحدهم على سيدة يمكن أن تقوم بهذه المهمة. جاءت السيدة منتقبة، وصحبها فى المرة الأولى شابان ملتحيان، تبين أن الأول زوجها والآخر شقيقها، هما جاءا معها حتى يطمئنا، فقد كانا قلقين، واطمأنا بالفعل، لكن زميلنا قلق هو الآخر وانتابته وساوس عديدة، لكن الظروف حكمت،

بعد أول يومين طلبت هذه السيدة أن تنصرف مبكراً من البيت ثلاثة أيام، لأنها تدرس، شجعها الزميل وسعد بها، لكن كانت المفاجأة أنها خريجة معهد لاسلكى، وأنها تدرس بإحدى الجمعيات الدينية فى مسجد بمنطقة السيدة عائشة، والجمعية لديها معهد إعداد الدعاة، واستسفر الزميل وجلس يستخرج منها التفاصيل.. هى لم تجد عملا، فكانت تذهب إلى تلك الجمعية لتتلقى بعض المساعدات، هناك أقنعوها بارتداء النقاب، أو شعرت هى بأن النقاب سوف يجعل الحصول على المساعدات أسهل،

وتطور الأمر كى تدرس بالمعهد، كما استمع منها إلى قشور فى علوم الدين، وأفكار جد متشددة، والهدف هو أن تنشر تلك الأفكار وأهمها نشر النقاب، وأن «النقاب» يمثل عندهم صحيح الدين، بينما المحجّبة التى تمشى فى الشارع وجهها مكشوف يمكن أن تثير الغرائز، والأخطر من كل ذلك أن الجمعية لديها دار حضانة يعلّمون فيها الأطفال ذلك كله.. والأسر تريد مكانا يريحها من عناء الأطفال، فإذا أعلن المكان عن تحفيظ الأطفال القرآن الكريم فإن ترحيب الأسر سوف يتضاعف والاطمئنان يتزايد، لكن تحت هذه اللافتة يغرسون فيهم أفكار التشدد وروحه فى الدين.

هذه الجمعيات والقائمون عليها مثلهم الأعلى شيوخ بعض الفضائيات، وتسمع أسماء غريبة، ليس بينهم أحد علماء الأزهر ولا متخصص فى علوم الدين من تفسير وحديث، فضلا عن الفقر، وهؤلاء هم الذين يطلقون الفتاوى الصاعقة، مثل أن الزوج إذا ضاجع زوجته وهى عارية يكون قد ارتكب كبيرة «الزنى»، وأنها إذا أنجبت فى هذه الحالة يكون الوليد «سفاحا»، إذ لا يجوز له- طبقاً لهذا الفهم- أن يرى زوجته عارية.

وقد تسلل كثير من هذه الأفكار- الوهابية- إلى عموم الناس، فهناك آلاف الزوايا التى تنتشر فى أركان العمارات، شقة فى الدور الأرضى، أو حتى غرفة من شقة، تتحول إلى زاوية للصلاة، وفى يوم الجمعة تمتد البسط البلاستيكية فى الشوارع المحيطة، ومكبر صوت ضخم، ثم خطيب لم يتم إعداده، يصب فى آذاننا ما يريد من كلام أقله ينتمى إلى صحيح وروح الدين، فقد استمعت من أحدهم قبل شهور أن الله ابتلانا بأنفلونزا الخنازير انتقاماً وعقابا على التبرج فى الشارع وضحكات الفتيات و…، والكل يشهد بأن الشارع المصرى امتلأ بالمحجبات وليس فيه تبرج، لكن الأهم من ذلك كله، أن الخطيب الهمام لم يدقق فى مدى انتشار أنفلونزا الخنازير بيننا، والواقع أنها لم تنتشر، بل إن ما ظهر منها هو عدد قليل جداً من الحالات، هؤلاء الخطباء لا يخضعون لإعداد علمى وفقهى، بل هم هكذا أو خطباء «بالعافية» وبمن يسبق إلى المنبر.

الغريب أن كثيراً من هؤلاء الخطباء والأئمة يعجزون عن أن ينطقوا آية قرآنية نطقاً سليماً، وفقا لعلم القراءات.. فإذا احتججت عليهم أو طالبت بمنعهم لانعدام الكفاءة أقاموا الدنيا. وعبر هؤلاء لم يعد غريباً أن تجد أسرة وضعت نقابا على وجه طفلة لم تبلغ الخامسة من العمر، وزيارة إلى مسجد السلام بمدينة نصر يوم الجمعة وغيره من بعض المساجد ترينا مثل هذا المشهد لطفلة صغيرة وقد لفها والدها من الرأس إلى الإخمص بالقماش!! وهذا اعتداء على طفولتها وبراءتها، فالتكليف فى الإسلام يأتى مع بلوغ الحُلُم أو الوصول إلى سن البلوغ.

ولأن الوهابيين ينتشرون ويعيشون فى قلب المجتمع، لذا دخلت أفكارهم إلى المدارس، خاصة فى مراحل التعليم الأولى، ويدهش المرء حين يجد مدرسة للبنات، كل من فيها سيدات وفتيات وقد امتلأت بالمنتقبات، ومن ذلك أن تجد فى حمامات السباحة بالنوادى يوما مخصصا بالكامل للسيدات ولا يسمح لأى رجل بالاقتراب ومع ذلك تجدهن بالنقاب.

وإذا كان النقاب اختيارا فردياً خاصا فلا بأس، أما أن يصبح تيارا أو توجها عاما، تقف من خلفه مؤسسات وجمعيات وفضائيات، لديها ميزانيات تبلغ مليارات الجنيهات، فالأمر هنا يختلف تماماً.. ومع ذلك فإن النقاب ليس سوى مظهر من مظاهر الوهابية المصرية.. صحيح أنه أبرزها، لكنه ليس الوحيد فى حياتنا ومجتمعنا.

مصادر نشر الوهابية فى مصر كثيرة وعديدة، نراها جميعاً أو يراها بعضنا، وقد وصل الأمر إلى الجامعات، ويتبنى أفكارها بعض من أساتذة الجامعات ويبشرون بها بين تلاميذهم وتلميذاتهم، لا فرق فى ذلك بين جامعة الأزهر أو جامعة القاهرة، فضلاً عن الجامعات الإقليمية، ولنتذكر أن فتوى إرضاع الكبير صدرت عن أستاذ بجامعة الأزهر.

 

عن جريدة المصري اليوم 8/7/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق