دعه يفكّر دعه يعتنق…

 ما هو المنطق الذي يمكن أن نستند إليه حين نمنع النّاس من حريّة الفكر والمعتقد؟

إن أيّ منطق يقدّم في هذه الحال لن يكون إلا منطقا إقصائيّا، واستعلائيّا، ومغلقا. ويستحيل إثبات وجاهته. إذ كيف نبيح لأنفسنا ـ كأصحاب سلطة زمنية أو روحية ـ أن نكون أوصياء على عقول غيرنا من بني جلدتنا من البشر؟ لا لشيء إلا لمجرّد اعتقادنا أنّنا على صواب وهم على خطإ؟ أنّنا المؤمنون وهم الكافرون، أنّنا على الحق وهم على الباطل. إنّ البهائم التي نربّيها ونتحكّم في حياتها ونذبحها لنأكلها ما كانت لترضى بذلك لو عاد الأمر إليها، ولا السمك الذي يستخرج من البحر براض عن تحوّله إلى طبق من أطباقنا، ولو نطق لدافع عن نفسه بأبلغ بيان وأقوى حجة، فما بالك بالبشر وعقولهم وأفكارهم ومعتقداتهم واختياراتهم في الحياة؟ كيف يستقيم لبعضنا أن يجعل عقله وحكمه ورأيه قانونا يقيس به عقول الآخرين وآراءهم؟ 

فما وافقه قبله وقرّبه، وما لم يوافقه أقصاه وأبعده. إنّ حريّة المعتقد حقّ من حقوق الإنسان، مكفول في شريعة الكون قبل أن يكون مكفولا في شريعة الأديان، لا يملك أيّ إنسان أن يمنعه عن إنسان آخر، وقد تمتّع كلّ إنسان بعقل، وكانت له إرادة وحواس يميّز بواسطتها الخير والشرّ، الصّالح وغير الصّالح، وإن انشغل بكلّ دين طائفةٌ من النّاس فهي لحكمة الاختلاف والتميز، وهي من أعظم الحكم الطبيعيّة، فليس الجميع ذئابا ولا الجميع أرانب… وإلا لكنّا ببساطة جميعا مسلمين أو جميعا مسيحيين أو جميعا بوذيين أو جميعا وثنيين، أو كنّا جميعا سودا أو كنّا جميعا بيضا… لكنّنا لسنا كذلك، فالإنسان إرادة وعقل، ويستتبع الإرادة الحريّة، ويستتبع العقل التّقدير، وإلا فلا معنى للحساب والجزاء دونهما، فأنت إن خيّرت إنسانا ثم منعت عنه ما اختار تكون قد سلبته حريّة الاختيار وأبطلت إرادته ومنعت بذلك مسؤوليته، فهو أراد شيئا وأنت منعته وأردت له شيئا آخر، فإذا كان الله لم ولن يمنع البشر ـ منذ أن وجدوا ـ من أن يكونوا مسيحيين أو يهودا أو صابئة أو شيعة أو ملحدين أو لادينيين أو أن لا يفكروا أصلا… فلماذا يصر بعض الخلق من المتسلطين ـ من دون الله ـ أن ينصّبوا أنفسهم وكلاء حصريين للإله؟ يتكلمون باسمه ويتخذون القرارات عنه، ولماذا تتدخل الدولة وتضع قوانين ـ لم يضعها الله نفسه ـ لتردع هذا المواطن وتحاسب هذا المواطن وتزج بهذا المواطن في السجن بسبب المعتقدات الدينيّة.

لقد قرأت في الصحف بأسف قصة بعض المواطنين الجزائريين الذين اعتنقوا المسيحية أو أولئك الذين بدّلوا عقيدة أهل السنة والجماعة بعقيدة أهل العصمة والعدالة (الشيعة) ، أو أولئك الذين أفطروا في شهر الصيام .. الخ، وما تعرضوا له من محاكمات ومتابعات، وهو موضوع / حدث لا يزيد صورتنا في الخارج إلا سوادا على سواد، ويجعل من بلادنا فكريّا وحضاريّا قطعة أثريّة من زمن القرون الوسطى وفكرها، فما المشكلة ـ في ذهن السلطة ـ أن يتحول مواطن حرّ وراشد من دين إلى دين، من عقيدة إلى عقيدة، إذا لم يكن ذلك متبوعا بعدوان على النظام العام أو قوانين البلاد وأمنها؟ وهل يا ترى ضمنت الحكومة العيش الكريم لمواطنيها في الحياة الدنيا حتى تفكر بضمان الجنة لهم في الحياة الآخرة عبر سن القوانين الرادعة أو كما تسميها القوانين المنظمة لممارسة الشعائر الدينية؟

إنّ الدّين والتديّن والعقيدة والاعتقاد شأن شخصيّ، وقرار شخصي، واختيار شخصي، وهو لا يُفرض ولا يُورث، وقد جاء في القرآن أن “لا تزر وازرة وزر أخرى”، وأنّ الله لن يحاسب إنسانا مكان إنسان، ولن يختفي إنسان وراء إنسان بحجة أنّه هو من فكّر له ودبرّ وأمر، فكلّ إنسان مسؤول عن اختياره، فإذا كنت مسيحيّا، وحاسبني الله على مسيحيتي، فلن أتخفّى وراء دولتي أو البابا أو صديقي وأتحجّج بهم، وإن كنت مسلما شيعيا، وحاسبني الله على شيعيتي فلن أجد المبرّر في آل البيت، أو المهدي، أو الأئمة، أو المراجع المعصومة، وإن كنت مسلما سنّيا وحاسبني الله على عقيدتي فلن يفيدني في شيء القول بما قال به معاوية والأشعري وابن تيميّة وابن القيّم الجوزيّة…

إنّ الإنسان لم يوجد إلا وقد وجد معه عقل وإرادة، وامتلك الحرّية ليفعل ما يشاء، ويعتنق ما يشاء، ويفكّر كما يشاء، لكي يكون الحساب عادلا وفي محلّه وله معنى. ..ولا يلزم بتاتا هذا التزمّت الذي تبديه السّلطات في هذا الشأن، وهي التي فتحت البلاد على الليبرالية واقتصاد البازار، وأيّهما أولى وأكرم وأجدر بالتطبيق “دعه يمر دعه يعمل” أم “دعه يفكر دعه يعتنق” ؟ أين هو إسلام الدولة يا ترى من القوانين التي تبيح صناعة الخمر واستيرادها؟ وأين هو إسلام الدولة من البنوك الربويّة وفوائدها؟ وأين هو إسلام الدّولة من مظاهر السّفور والعري في الشوارع؟… وأين هو إسلام الدّولة من تولّي المرأة القضاء؟ بل لو طبّق الإسلام ـ كما فهمه الخليفة أبو بكر مثلا ـ لأقامت الدّولة حدّ الردّة على كل من يخرج من الإسلام وهو الإعدام، بل لأقامت هذا الحد على من لم يدفع الزكاة وإن صلّى وصام.

إنّ الدّولة دولة وفقط… مجرّد كيان سياسي واختراع بشري متحوّل، ليست له أيّة قداسة إلهيّة أو تفويض إلهي أو سلطة روحيّة، ولا يصحّ وصف هذا الكيان السياسي بأيّ دين، ولا ربطه بأية معتقدات ميتافيزيقيّة، وإلا فرض هذا الكيان على مواطنيه دينه ومعتقده الضيق، والسيئ وما يمكن أن تقوم به الدولة من وظائف وأخطرها وأكثرها فشلا وغباء.

إنّني كإنسان اعتاد ممارسة التفكير، أقف مع حريّة الاختيار بشكل مطلق، وأمامك أيّها القارئ العقائد كلّها، والأديان كلّها، والفلسفات كلّها، لا يوجد دين أو معتقد قابل للبرهنة العلمية، وإلا لكان النّاس على دين واحد واعتقاد واحد، فالمسألة مسألة اقتناع وإيمان وشعور، فاقرأ وناقش واقبل وارفض واعتنق واجتهد وتخطّ وتجاوز وتحاور… فقط كن أخا لأخيك الإنسان مهما اختلفت معه، وتفرقت بكما السبل، فلا فضل لعربي على عجمي ولا أحمر على أسود، ولا أشقر على أصفر، ولا بوذي على يهودي، ولا مسلم على مسيحي، ولا أمريكي على صومالي إلا بما يقدّمه كلّ منهم لخير البشريّة وتقدّمها.

إنّ الإنسان لا يولد مسلما ولا يهوديّا ولا مسيحيّا ولا شيعيّا ولا سنياّ ولا وثنيّا ولا ملحدا، بل يولد إنسانا فحسب، فمتى فرضتم على النّاس لون دين ما وقد ولدتهم أمّهاتهم كالصّفحة البيضاء؟

كما أنّه لا معنى لتحجّج البعض بالحفاظ على الهويّة الوطنيّة أو القوميّة، وكأنّ هذه الهويّة ثابتة ومرتبطة بدين معين وبمذهب معين منذ الأزل، فإذا اتفقنا أنّ الجزائري مثلا هو من يسكن هذه الأرض وينتمي إليها، عرفنا أنّه كان يوما بدائيّا يسكن الكهوف، وأنّه كان يوما بربريّا، وأنّه كان يوما فينيقيّا، وأنّه كان يوما قرطاجيا، وأنه كان يوما نوميديا، ثم صار رومانيا بزنطيّا، فأمازيغيّا متعرّبا مسلما، فسنيّا أمويّا، فعباسيا، فشيعيا فاطميا، ثم سنيا مالكيا، فطرقيا صوفيا، فمسلما اشتراكيا قوميا، فمسلما سلفيا، فمسلما ليبراليا… ومن يدري غدا ماذا يكون؟ فإذا عرفنا ذلك كلّه، عرفنا أنّ الهويّة ليست صنما يعبد، وأنّه لا لون ثابت لها، وأنّها ليست شيئا محدّدا جامدا لا يخضع لسنة التحول، ولا تجري عليه قوانين الكون وسننه، وأنّ ما يسمّى بالثّوابت مجرد أسطورة سياسية، ووهم أيديولوجي لا يستقيم مع حقائق التّاريخ المتواترة والسنن الكونيّة، فالهويّة ـ لدى أيّ شعب أو مجتمع ـ هلاميّة تؤثر وتتأثر، وتتبدل وتتحوّل، وتنقص وتزيد، وتصفر وتخضر، وتطرى وتجف، وتفعل وتتفاعل، وتتطور وتتدهور…

 ويفعل فيها الزّمان فعلته، وتجري عليها الحوادث وتمتحن، فمن السّذاجة البالغة حصرها في قوانين وحمايتها بمراسيم. ثم التمترس بها، وصناعة خطاب سلطوي كامل، يحجر على المواطنين الاستناد إليها.

إنّ الدّين لله والوطن للجميع كما قال أهل الفطن، فالدّين وجد في الأصل لراحة الإنسان ويقينه، وهو حرّ في أن يجد هذه الرّاحة وهذا اليقين حيث يشاء، وإن كانت الغالبية العظمى بل الساحقة تبقى على دين الآباء والأجداد، فمن كان أبواه شيعيين أو سنيين، كان على الأرجح كذلك طيلة حياته، وقل هذا على بقية الأديان والمعتقدات، وهو ما أسماه العلامة ابن باديس بالإسلام الوراثي، حيث إنّ الفرد لم يختر أن يكون مسلما، فهو نشأ في أسرة مسلمة ومجتمع مسلم فتعود منذ صباه على هذا الانتماء. فالدّين بهذا المعنى هو عادة اجتماعيّة أكثر منه اعتقاد مبني على رؤية وتفكير وبحث واستقصاء. وهو ما يتعارض مع حقيقة الدّين أصلا، الذي يطالبنا بالتدبّر والتفكّر وإعمال العقل وملكة الفهم. وإلا كان موقفنا لا يختلف كثيرا عن موقف سادة قريش الذين رفضوا التّفكير في دخول الإسلام بحجّة عدم ترك دين الآباء والأجداد.

    وبما أن الدّين قائم في أصله على القناعة والفكر والتأمّل والتدبّر والحريّة أفلا يتعارض هذا التصرف منا مع بعض مواطنينا الذين قرروا أن يختاروا لأنفسهم دينا غير الإسلام مع حقيقة الدين وأنه ليس جبرا، بل ألا يتعارض ذلك مع أحكام الدستور وبنوده التي تنصّ على احترام الحريّات الفرديّة، وما هي الحريّات الفرديّة إن لم يكن على رأسها حق الاعتقاد وحق الاجتهاد والحق في التفكير بحرية؟

لكن جرت العادة والعرف أن يقوم البعض فيتعصبون لدين ما أو عقيدة معينة، فيحاولون فرضها بالقوّة على الآخرين وكأنّها الدين الوحيد والعقيدة الوحيدة أوالعكس. وهل أورثت الحروب الدينيّة والنزعات الطائفية عبر التّاريخ في العالم أجمع إلا الخراب والبؤس والأحقاد؟ وهل نجح الاضطهاد الديني يوما في إثناء مؤمن وزجره عن دينه ومعتقده؟ ولو كانت الحروب تنفع ولو كان الاضطهاد والقمع ينفعان، لنجح الرّومان الوثنيون في وأد المسيحيّة، ولنجحت قريش في وأد الإسلام، ولنجحت فرنسا في تنصير الجزائريين أو التخلص منهم، ولكن هيهات… لن يقضي السني على الشيعي ولو قضى الدّهر كلّه في محاربته، ولن يقضي المسلم على المسيحي وإن كان بعضهم لبعض عدّوا إلى يوم الدّين، ولن يقضي السلفيون على العلمانيين وإن قتلوا منهم كلّ يوم… إنّها معارك عبثية دنكيشوتيّة، فلماذا لا نريح أنفسنا من الآن ونتخلص من أدبيات الفرقة الناجية التي أورثتنا كل هذا البلاء، ونتعلم أدبيات الحوار الهادئ والمنطق العقلاني السليم، ونتربى من جديد على احترام الآخر واحترام خصوصيته وحقه في أن يكون مختلفا، أليس الله هو القائل : “”لا إكراه في الدين”، وأنك “لست عليهم بمسيطر”، وقال : “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، وأن نسمح للجزائريين من المسيحيين بأن يبنوا في بلادهم الكنائس إذا شاؤوا بكل حرية، بالمنطق نفسه الذي نسمح فيه لأنفسنا باستغلال قوانين الغرب لنبني في بلدان المهجر مساجدنا ومصلياتنا، ومثلما نطالب غيرنا هناك من أهل البلاد الأجنبية باحترام مواعيد صلاتنا وأعيادنا وصيامنا وحتى حجابنا ونقابنا، ألا نكون مطالبين بالشيء ذاته في بلادنا؟ ومثلما نسمح لأنفسنا بممارسة الدّعوة إلى الإسلام في بلاد الغرب، ونفتخر كثيرا بل ورسميا بتحول العديد من المسيحيين إلى الإسلام، يجب أن نتحلّى بقيم الشجاعة واليقين والعدل والنبل والتسامح، لنجيز للآخرين ممارسة دعوتهم الدينية في بلادنا بكل حرية، فالجزائر حين خلقها الله أول مرة لم يطبعها بالطابع الإسلامي السني المالكي، وإلا لوجب تحويل تسمية الوزارة من وزارة الشؤون الدينية إلى وزارة الشؤون الإسلامية السنية المالكية، ومن لم يدخل في هذا الإطار فلا مكان له بيننا .

هذا الفهم الثبوتي الكهنوتي المتحجر عن الهويّة والدين والوطنية هو ما يوقعنا في أخطاء كبيرة في فهم الظواهر الجديدة كالردّة، والفتنة الطائفية، والانتحار، والحراقة، فالحرّاق مثلا وهو يحاول الوصول إلى الضفة الأخرى لا بد أنه يمتلك مفهوما مختلفا تماما للوطن عن مفهوم ذلك السياسي القديم المخضرم الذي يشرح الوطنية وهو يدخن سيجارا كوبيا في فندق” شيراطون “جالسا في صالون فاخر محميا مصانا، لا يعاني البتة من مشكلات الحياة اليومية، ويقوم بتصريف شؤون حياته المريحة بالهاتف النقال، فالوطن ـ وبعيدا عن كل الأدبيات الرومنسية التي لا تغني من جوع ـ هو في النهاية قطعة أرض حدودها الحالية موروثة عن الاستعمار، وهي حدود طالما لعبت فيها التوازنات والتاريخ والسياسة والظروف وحتى المصادفات ألعابها مدا وجزرا، فالحرّاق هو من وصل في تفكيره إلى أن يصبح الوطن في ذهنه بهذا المفهوم البسيط والبريء في آن، أي مجرّد قطعة أرض، فإذا كانت هذه الأرض لا تقدّم ما يحتاجه ساكنها فإنّه من المنطقي أن يفكر بالرحيل عنها، مهما حاولنا إقناعه بجمال الوطن وخيراته وروعة شمسه وزرقة سمائه، ومهما أسمعناه من أغان وطنية ورفعنا أمامه أعلاما ملونة وشعارات سياسية، فهي كلها لا تعني له شيئا طالما أن الجيب فارغ، والبطن خاو، والقلب حزين، والسعادة مفقودة، والشعور بالمساواة والعدل بعيد المنال، والأمل في غد أفضل معدوم…

 إن الوطن في الحقيقة ليس إلا أرضا نحبّها، وكيف نحبها وهي لا تقدّم لنا شيئا، ولا تسمح لنا بأن نقدّم لها شيئا؟ هذه هي المأساة… إنّ الفهم الصّنمي الوثني للوطنية هو ما يبقي الهوة قائمة بين الشباب الجديد والخطاب السياسي المتقادم، فالثورية والحماسة والوطنية على شاكلة الخمسينات لا مكان لها في الألفية الجديدة، فمقابل الوطنية القديمة هناك العولمة والانترنت والحكومة الإلكترونية والإعلام الفوري والفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي…

 إنّ الشباب لا يبحث إلا عن الملموس، عن الحلول الفوريّة العاجلة، وهي عاجلة لأنّ فترة شبابه عاجلة، فهو يريد السكن والعمل والزّواج والسيّارة الآن، وليس بعد عشرين أو ثلاثين سنة حين يكون كهلا أو شيخا، وقد يقول أحدهم إن شباب الخمسينيات لم يكن لديهم شيء ومع ذلك وطنيتهم دفعتهم للثورة وخوض حروب التحرير، وهذا صحيح… لكن مع ذلك يجب الاعتراف بأن الثوار ـ ومعهم الشعب ـ قاموا بالثورة ليس حبّا في الثورة، ولا رغبة في استعراض البطولة، بل بحثا عن حياة أفضل، ومستقبل أفضل، وطلبا لحقوق ضائعة وحريّات مسلوبة، لم يقم أحد بالثّورة ويستشهد في سبيلها لأنّه يكره الفرنسيين ويحب جبال الهقار، بل لأنّ هؤلاء الفرنسيين احتلوه وظلموه وجوّعوه واستبدوا بخيرات بلده وأذلوه وحرموه من أبسط حقوقه سنين طويلة… ولو لم يقم بالثورة شباب الخمسينيات لربما قام بها شباب الستينيات أو السبعينيات… فمطلب الحريّة إذا اقترن بالأحلام العريضة يصنع المعجزات ويدفع النّاس للنّضال والتّضحية… حتى فرنسيو القرن الثامن عشر أنفسهم قاموا بالثورة على ملكهم حين أنهكهم الجوع ورغبوا في الحرية والعدالة، وصدّروا للعالم شعارات الثورة وأدبياتها المعروفة، ولكن ما فائدة هذا النّقاش بالنسبة إلى شاب يريد الوصول إلى الضفّة الأخرى مخاطرا بنفسه بحثا عن وطن بديل يرى فيه حريّته وتحقق أحلامه؟ فالوطن مفهوم فلسفي مادي ونفسي، الوطن هو ما نملك فيه عنوانا، الوطن هو ما نشعر فيه بقيمتنا وإنسانيتنا، هو ما يجعلنا نشعر فيه بالأمان والعدالة… وحين نشعر فيه بالقيمة الإنسانية والأمان والعدالة سنحبه حتى ولو كان قطعة صحراء.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This