دعوةٌ إلى عشاءٍ

اعتقدتُ أنّهُ عشاءٌ، فإذ به طاولةٌ فارغةٌ إلا من الكلام.

مائدةٌ مغريةٌ طالما علّقنا عليها أنا وأصدقائي آمالاً، جائعون لم نأكلْ منذُ عام . نحلم بكلِّ أنواعِ الطّعامِ والشراب. تخيلنا مذاقه قبلَ أن نصلَ المائدة. أجسامُنا هزيلة. بطوننا تلتصقُ بظهورنا. لم يكن بيننا أحدٌ تبدو عليه النّعمةُ سوى واحد أو اثنين. المائدة المستطيلة التي جمعتنا قبلَ أن ننتقل إلى أخرى مستديرة ،كنّا ضيوفاً عليها. فاجأنا الإعلامُ المرئيُّ والمكتوب عندما أتى إلينا مستنفراً. كنّا قد أنهينا قزقزة البزر للتوّ.

وبدأنا بشرب عبواتِ الدايت الغازية الباردة. اعتقدنا أنّ الأمر لا يتجاوز تسليتنا قبل أن تأتي الوجبة الرئيسية، بدأ مذيعٌ يتحدث مع نفسه، ويجيب على أسئلته . خطفَ الميكرفون من يده متحدّث أراد التّعبير عن نفسه. جرت معركة بينهما حول من يسأل نفسه ويجيبها بحماس. لا خلاف بين المذيع والمتحدّث. كلّ منهما يرغب أن يثبت عظمته. عندما يوجِّه الكاميرا والمكرفون تجاهنا. نهتفُ باسم من يديرها لنا. على أمل وجبة ساخنة ، أو مشروبٍ ساخن حلو يدفئنا في الشتاء!

المائدةُ التي جلسنا عليها ليس فيها طعام. بعضُ البزرِ والمشروباتُ الغازية للحميةِ، وبعضُ الأيدي المصنوعةِ من عظام. نركبّها بواسطةِ أزرار. تصفق من تلقاء نفسها.

انفضَّ الجميعُ بعدَ لحظاتٍ. بقينا في العراء. اعتقدّتُ أنّ سبب انفضاض النّاس كان ذلك الشّجارُ بين المذيعِ وصاحب الطاولة. اكتشفنا على الفور أنّهُ ليس بعيداً عنّا يجتمعون على مائدةِ طعام وحفلِ شواء. يضربون الكأس بالكأسِ، والقلمَ بالقلم.

عرضوا مأدبتنا على الفضائيات. لم نظهرْ عليها مع أنّهم ذكروا نفسَ الأسماء. كلّ الذين ظهروا تبدو عليهم آثارُ النّعمة، طاولةٌ مستديرة عليها ماءٌ زلال، ورائحةُ عطرٍ، ونظافةٌ تنطلقُ من الوجوه المغطّاة باللحى المحناة، أو الذّقون الحليقة جيداً، والنّاعمة أكثر من ذقون النّساء. من أين جاؤوا بهؤلاء؟

كلّهم ليسوا جائعين مثلنا. متشابهون في نكهةِ الحديث ولونِ الجلدِ، وأسلوب الدعاء!

ركضتُ في يومِ الطاولة المستديرة – سيئة الصيت – مع رفاقي تجاه رائحة اللحم والأرز. وصلتُ قبلهم. أمسكتُ بقطعةِ خبزٍ مرميةٍ على الأرضِ. قبّلتُها – تعلمتُ من أمّي أن الخبزَ نعمه. كانت تحلفُ برغيف الخبز- حاولتُ أن أضعَ فيها قطعةَ لحم، وخزني سيّافٌ برأسِ سيفه في خاصرتي سلّمت رقبتي له طوعاً. لم يقتلْني. فقط أفهمني أنّ هذه الطاولة ليستْ لنا.

-عفوكَ سيدي. أكادُ أموتُ من الجوع. أطعمني لقمةً من ذلك الطعام. لعابي يسيل. وبطني خاوٍ.

أشارَ عليه سيده: أعطِها. وقلْ لها أن تمتّعنا.

– اعجني لنا عجين الفلاحة!

– حاضرْ سيدي. أين الدقيقُ والماءُ والخميرة والملح؟

– فقط عليك أن تمثّلي ذلك!

الأمرُ في منتهى السّهولة.

كلما أنهيتُ شوطاً. كان السّيدُ يقهقه، وبعدَ أن يقاربَ على إنهاء ضحكته يستمرُّ السّيافُ في الضحك إلى أن يقلب على قفاه، ثم يعودُ ويستلُّ سيفه ببطولة. يجلبونهم إليه مكبّلين بالأصفاد. يقطعُ رؤوسهم في ثانية. ما أسرعه! ما أبرعه! وما أغباني!

– يا صديقي السّياف. أرغبُ أن أجلبَ ربعي ليعجنوا عجين الفلاحة أمام سيّدكَ، ويأكلوا بعض الخبز!

– لماذا لم تقولي؟ “سبقَ السيفُ العزلَ”

أيّها الحاجب: اجمعْ جثامينهم. لنقمْ على أرواحهم الصلاة. هم شهداء. لا ندري من قتلهم. ربما كان خطأ صيّاد، لو كانَ هناكَ نملة تقرصُه في رجله في اللحظة التي أطلق فيها النّار لأخطأ الهدف. الذّنب يقعُ على النّملة.

– سيدي. ماذا نحن فاعلون بهم الآن؟

– وزّعْ صدقةً على أرواحهم. أقمْ احتفالاً كبيراً من أجلهم. هم شهداؤنا، وأبناؤنا الأوفياء.

– يا إلهي! السّيد والسّياف يبكيان. لن أبكيَ. 

 من قتلَ أصدقائي؟

 ماتوا جائعين!

 رأيتُ السّيد وبيدهِ بارودة صيد. هل كان هونفسه من أسميته الصّياد؟

ويأتي الصدى إليّ من الأبعاد…

السّياف هو نفسُ السّياف!

الصّيادُ هو نفس الصّياد!

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق