دفاعاً عن الرقيب الرسمي العربي / سلام الكواكبي

تناقلت الصحف، منذ أيام، خبراً مقتضباً يشير إلى أن الرقابة المصريّة على المطبوعات الخارجية أوقفت أربعة طرود آتية من بيروت بسبب محتوياتها «الخطيرة». وقد صودرت الترجمة العربية لروايتين من أعمال سلمان رشدي، إضافة إلى كتاب «طبائع الاستبداد» للنهضوي السوري عبد الرحمن الكواكبي، الذي سبق أن نشر في القاهرة في طبعته الأولى بداية القرن الماضي، ومراراً وتكراراً منذ ذاك الحين. فالكتاب بحد ذاته ليس ممنوعاً بقانون أو بقرار أو بفتوى، حتى الآن على الأقل، والأمر إذاً لا يتعدى سوى مصادرة لعنوان أرهب الرقيب الطيب، وما أدراك من هو هذا الشخص.

إنّه ذاك الجالس على مقعد مهترئ أمامه طاولة تقاوم السقوط على أرجل ثلاث، وتحيط به جدران اسودّت بفعل كل المصادر المسرطنة للرئة والعقل، ولكن دون أن تنسى صورة الزعيم أن تتوسطها وهي وحدها تخضع للتنظيف خشية واتعاظاً.
وبين أصابع يده، لفافة تبغ نسيها فأطفأت نفسها بنفسها واعتلت أنفه الخشن نظّارات أثقلتها الدهون الطبيعية، وتلك المتأتية من لفافات الفلافل. هذا المسكين يقوم بعمله، بل أكثر من ذلك، فهو يجتهد منعاً وقصّاً وتحريماً، حتى لا يمنع عنه أحد وظيفته، أو يقص له راتبه أو يحرمه حقه في أكل الفول صباحاً وفصفصة الفستق ظهراً. طموحه محدود إن لم يكن معدوماً، وهو قد نسي، إن كان قد تعلم بالأساس، ما تعلمه على مقاعد المدرسة والجامعة الأكثر اهتراءً من مكتبه الحالي. جلّ مهمته «الوطنية» يكمن في ممارسة مهنة وضيعة تدخل في صلب عقلية استبدادية تأسست عليها عديد من المجتمعات، إن لم يكن جلّها في وقت من الأوقات، وتخلصت من هذا الداء أغلبها، وبقي مستعصياً على الشفاء قليل منها، تمثّل المنطقة العربية بؤرته.

الكتاب إذاً ليس ممنوعاً في مصر التي خطّ فيها الكواكبي جلّ أعماله وبرزت من خلال صحفها في بداية القرن الماضي، أهم مساهماته الفكرية، وحيث أوعز الراحل جمال عبد الناصر ببناء مسجد يخلد ذكراه في وسط عاصمتها، وحيث مثواه في أرضها الكريمة، على الرغم من الإهمال والتحطيم اللذين اعترياه. ويمكن الراغب أن يحصل عليه في مكتباتها إلى جانب كتابه الآخر «أم القرى»، أو أن يقتني الأعمال الكاملة التي حقّقها للمرة الأولى محمد عمارة قبل أن يميل نحو التزمت ويصبح شبه منظّر للرقباء ومن شابههم. ومن المؤكد أن الرقيب المسكين قد أفرج عن الطرود التي تحتوي على الكتاب أو أنه في طريقه إلى ذلك بعدما استشار الباب العالي، وحصل على راحة الضمير ورفع عن نفسه المسؤولية. وأي مسؤولية؟ كتاب يحمل عنوان «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» في هذا الزمن الرديء، وبعد مئة عام ونيف من نشره لأول مرة، لربما مثّل عامل تحريض على التفكير بأننا ما زلنا نعيش في مرحلة الاستبداد وتمارس بنا طبائعه ما اشتهت من استعباد. ولربما ظن الرقيب المسكين أن الكتاب قد خطّه أحد الثوريين المعارضين الشباب، ولم يرتح له بال إلا عندما تأكد، بعد مراجعة السجل المدني، من تاريخ وفاة المدعو عبد الرحمن الكواكبي في مثل هذه الأيام من شهر حزيران / يونيو سنة 1902.

ألم يسألني زميل له، في بلد عربي آخر، عن مكان إقامة المدعو هنري ماتيس بعدما قدمت لأعماله الفنية في محاضرة أردتها ابتعاداً عن السياسة، فحملتني إلى الانغماس بالكافكاوية الرقابية؟ وألم يسألني زميل ثالث لهما يوماً عن مضمون الحوار في فيلم وثائقي عرضته عن الدببة في جبال البيرينيه؟ فما بالك بالكواكبي وكتاباته التحريضية والموهنة للعزائم، إن بقي من هذه الأخيرة شيء؟
صديقي الرقيب المسكين، مهما علت رتبته أو تحسن وضع مكتبه أو سما بطموحه، يظل منغمساً إلى أخمص أذنيه في ممارسة أنكأ الوظائف التي يتقاسمها إلى جانبه في أيامنا هذه بعض العاملين على حسابهم. فهو على الأقل، موظف مأمور ومسكين مقهور، مثله مثل أي مواطن في هذه الأصقاع المتمتعة بالحظر والمنع. أما الفئة الأخرى من الرقباء فهي «قطاع خاص»، مرتبطة بالسلطة الدينية أو بالاجتهادات القومجية أو بالديماغوجية، ومصابة بالإعاقة الذهنية. وهو، أي الرقيب المسكين، «قطاع عام» يجتهد بأن يزيد من عدد الأوراق الممزقة من مجلة أو أن يمنع كتاباً شك ولو لبرهة باسم كاتبه أو بعنوانه أو حتى بوزن غلافه.

أما المجتهدون من رقباء «القطاع الخاص»، فهم أشد خطراً وتفلسفاً، وهم قادرون على استلال أقلامهم ليكتبوا ما طاب لهم ولمخيلاتهم المصابة بأمراض عدة، بحق كتّاب ومفكرين ومبدعين على مختلف أنواعهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم. هؤلاء الرقباء ليسوا بمساكين، بل هم خطرون ومهيأون للتنكيل بأصحاب الفكر النهضوي. والكواكبي ذاق من مرارة عملهم الكثير، فقد انبروا لمفكرين نهضويين حاولوا إحياء ذكراه منذ سنوات، وكالوا لهم ما لذ وطاب من الشتائم والاتهامات، ولكنهم ما لبثوا أن تداعوا للاحتفال رسمياً بذكراه عندما شعروا بتوجه رسمي لذلك. هؤلاء هم الخطر القادم الذي يتطور باطّراد في منطقتنا وفي ثقافتنا، وليس من الضروري أن يكونوا أصحاب لحى فحسب، ويمكن أن تجدهم في أوساط العلمانية المدّعاة، أو الأكاديمية الانتهازية أو حتى في بعض الوزارات المعنية بالفكر وبإنتاجه وبتطويره.

هم كما ذاك الحيوان الزاحف الذي يغيّر لونه بحسب الجو المحيط به. أما «صديقي» الرقيب المسكين، فهو في نهاية دوامه، يخرج من دائرته ليقف منتظراً وسيلة نقل لن تصل، وسيلقى ممن يعلوه شأناً في الاستبداد، إهانة تتوّج نهاره، وتجعله يعود إلى منزله المتواضع في ذاك الحي الشعبي ليفرّغ ألمه وحقده بزوجته وبأولاده، والحبل على الجرار.

طبائع الاستبداد لم تتغير، ولربما ترسّخت. وما كان عبد الرحمن الكواكبي قد كتبه قبل قرن، يعود اليوم ليذكرنا بأننا نعيش واقعاً مماثلاً، وربما أسوأ من الذي عاشه وحاربه واعتقد أن الأجيال التي ستليه ستتجاوزه بسرعة وبنجاعة.

في تعليقه على خبر ما قام به الرقيب المسكين بحق كتاب الكواكبي، كتب لي الصديق والمعلّم نصر حامد أبو زيد: «إنه البؤس الفكري والإفلاس الثقافي، خسارة يا مصر».

عن جريدة الأخبار – 13/7/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق