دفاعا عن المواطنة

في ظلّ الحروب الطائفية والقبلية في عديد أقطار الوطن العربي، وما ينجرّ عنها من ابتعاد عن قيم ومبادئ مدنية صاغتها الشعوب والأمم، ودفعت ثمنا باهظا في سبيل إرسائها ولازالت. وفي ظل تغوّل القبيلة والطائفة كبنى سياسية ذات مرتكزات اجتماعية تقليدية وأسس ثقافية أبوية – ما هي إلا “حظائر مغلقة وغيتوات دينية أو اثنية ينعدم فيها وجود المجتمع المدنيّ أو يتحوّل إلى سوق لعقد الصفقات والتسويات بين طوائف محبوسة في هاجس هويتها وتجانسها”(جورج طرابيشي)- بات من الضروريّ والملحّ تقديم إجابة فكرية ذات بنيان مواطنيّ، بغية صياغة عقد اجتماعيّ وسياسيّ ينتج مجتمعا مدنيا علمانيا وحديثا لا يقوم على التوازن الطائفيّ أو القبليّ أو الدينيّ، بل يتأسّس على أساس صلب وحديث محرِّرٍ للفرد من الانتماء القسريّ إلى بنى عضوية متخلّفة، ومحرّرٍ للمجتمع من تذرره واقتتاله قصد إيجاد انتماء حرّ ومستقلّ للفرد، ونحو تأسيس أطر ومؤسّسات سياسية تتنافس فيها القوى الاجتماعية، لا على قاعدة العرق أو المذهب أو القبيلة أو الطائفة، بل على قاعدة برنامجية أساسها المواطنة.

إنّ النظر إلى القبيلة أو الطائفة كنواة تاريخية غير متغيّرة وغير نسبية بل مطلقة وثابتة ما هو إلا افتراض لا علميّ ولا تاريخيّ معطّل لنشأة المواطنة. ذلك أنّ هذه البنى العضوية تبقى معطلة لاستقلالية الفرد فهي تقاوم حريته، تنطق باسمه وتحدّد خياراته وحاجاته وتدفعه غصبا إلى حروب مع بنى قبلية أخرى. فالفرد يعرف بانتمائه القبليّ أو الطائفيّ ويتحدّد وعيه الاجتماعيّ والسياسيّ وفقا لعلاقات القرابة والأب المشترك. فهو غريب خارج إطار جغرافية قبيلته، وهو هجين خارج إطار دم قبيلته، وهو منبوذ ومطارد إذا تمرّد على عادات قبيلته أو طائفته وأعرافها، وهو خارج التاريخ لأنه لا يدافع عن تاريخ القبيلة.

إنّ انحلال الأساس الماديّ للقبيلة عبر انحلال بنيتها الاقتصادية المغلقة، أي تفكيكها كسوق تتمّ فيها المبادلات التجارية لا يعني انحلالها التامّ وانقلاب الأفراد إلى مواطنين، بل عادة ما يعاد إنتاجها على أساس اجتماعيّ وسياسيّ عبر إنتاج مؤسسات سياسية على أساس قبليّ أو طائفيّ. هكذا إذن تتواصل فعالية هذه البنى ما قبل الحداثية ضمن صيرورة مجتمع تقليديّ، حيث تصبح القبيلة أو الطائفة واسطة بين الفرد والدولة. فالعلاقة بين الفرد والمواطن والدولة ليست مباشرة، بل هناك وسيط يتكلّم باسم الفرد ويفكّر عوضا عنه وهو المحدّد لخياراته ما قبليا، الفرد هنا غائب كمواطن وكمشارك في الشأن العامّ، وحاضر كفرد لحضور القبيلة أو الطائفة.

لم يخطئ الأنصاري حينما اعتبر أنّ الدولة في التراث العربي الإسلامي لا تقابل مصطلح” الدولة” بالانكليزية بما هي كيان سياسيّ يشمل الأرض بحدود الحكم والشعب. بل اقتصرت الدولة عند العرب على جماعة حاكمة تنتسب لقبيلة.

هكذا قيل دولة أموية وأخرى عباسية وأخرى حسينية…

إنّ هذه الأطر السياسية من أهمّ سماتها “سيطرة الأب في العائلة شأنها شأن المجتمع، فالأب هو المحور الذي تنتظم حوله العائلة بشكليها الطبيعيّ والوطنيّ، إذ أنّ العلاقة بين الأب وأبنائه وبين الحاكم والمحكوم علاقة هرمية، فإرادة الأب في الإطارين معا هي الإرادة المطلقة، ويتمّ التعبير عنها في العائلة والمجتمع بنوع من الإجماع القسري الصامت المبنيّ على القمع والطاعة “(هشام شرابي: البنية البطركية، بحث في المجتمع العربي المعاصر).

فالقبلية والطائفية وغيرها من البنى ما قبل الحديثة، منشأة للاستبداد، لأنّها انتماء قسريّ لا طوعيّ قائم على اللامساواة، لأنها ذات بنية هرمية متخلّفة، أمّا مسارها فهو لاتاريخي لأنه محبّ للثبات والإطلاق غير مقرّ بالتحوّل والتغيّرات، أمّا وظيفتها فهي قمعية بامتياز!

أمّا المواطنة فهي متجاوزة لكل هذه البنى العضوية، لأنها رابطة قانونية حديثة لا تمييز فيها بين الأفراد على أساس الدم أو العرق أو المذهب… فالمواطن هو عضو في الدولة لا في القبيلة أو الطائفة، تتحدّد حقوقه وواجباته على قدر من المساواة مع غيره. أما التعددية السياسية فهي تعددية مواطنية لا طائفية: فالمواطنة تسهم إسهاما فعالا في إنشاء اتحادات طوعية وتنظيمات تقوم على التعاقد بين أطراف، وهو ما يساهم بدوره في إرساء علاقة فرد – دولة، أما الوسيط بينهما فليس سوى المواطنة والحقوق.

إنّ قيام رابطة المواطنة في الوطن العربي يفترض تفكيك البنى القبلية وغيرها من البنى المشابهة، من أجل قيام مجتمع من المواطنين ملتزم بمرجعيات حقوقية وسياسية مواطنية ديمقراطية حديثة وعلمانية…

لذلك فالمطلوب عدم مهادنة البنى المفوّتة لإغراض سياسوية أو تحت شعارات بالية، كالحفاظ على الوحدة المجتمعية المرتكزة على التوازن الطائفي أو المعادلات القبلية والعشائرية، لأنّ هذه الوحدة تبقى مهددة بحروب قبلية أو طائفية سرعان ما ينفك التحالف القبلي أو الطائفي، فهي وحدة ليست بصلبة، بنيانها ليس براسخ ولا دائم بل مؤقت ومهدد.

إن مطلب الحداثة يبقى مطلبا راهنا وملحا، ذلك أن الحداثة بما هي بناء للمجتمعات على أساس العلمانية والديمقراطية والمواطنة، هي تقويض لجذور الاستبداد القروسطي وإعلاء لقيمة الفرد قيميا وسياسيا واجتماعيا.

ولكن كيف الانتقال من مجتمع أهلي إلى مجتمع مدني؟

كيف يمكن إقناع قبلي أو عشائري بالمواطنة؟

كيف للعقلانية أن تنتصر وللعلمانية أن تنتشر وللحداثة أن تنتقل من حيز خاص بالنخب إلى الحيز العامّ، إلى فضاء جمهور مؤمن بالخرافة ومتشبث بالتقليد، غير واع بطاقة الخلق والإبداع داخله؟

إنّ المواطنة كواقع حقوقيّ مرتبط بتوازن بين الحقّ والواجب ضمن إطار سياسيّ يصطلح عليه باسم “الدولة”، لا يمكن أن يقوم دون رؤية وبرنامج حداثيين. فالمواطنة هي نتاج صيرورة تطوّر تاريخيّ يدعى الحداثة، التي لا يمكن إنتاجها دون حداثيين حقيقيين لا مجرد متباهين بها أو مظهرين تبنّيها عبر إتباع أساليب ديمقراطية من اجل تكريس واقع غير ديمقراطي. كذلك المواطنة كمحمول نظريّ تبقى في حاجة إلى حامل اجتماعيّ حتى تتحوّل من وجود بالقوة إلى وجود بالفعل.

إنّ هذه المقاربة النظرية تحوي في داخلها نقدا جذريا للتحديث المشوّه المختصر في استيعاب التقنية دون فهم لمقدماتها النظرية والمعرفية التنويرية، ونقدا للحداثة في وجه. فهناك وراء التزام محدد للحداثة التزام بمعقولية تاريخانية نسجها الغرب وفقا لحاجات مجتمعاته، وبالتالي فميلاد الحداثة في مجتمعاتنا يبدأ حين تتخلص من واحديتها لنعيد اكتشافها في إطار مختلف لا نسخها من نموذج واحديّ يدّعي الإطلاق.

لقد بدا النزوع إلى المواطنة في أروبا ضمن حروب دامية بين”الكاثوليك” و”البروتستانت” وتحولات عميقة على كل المستويات، ثمّ سرعان ما تمّ توسيعها عبر تجاوز حصرية الانتخابات وتمتع النساء والمهمشين بها، وهي بصدد التوسع لتشمل الحقوق الاجتماعية والثقافية.

إنّ المطلوب في الوطن العربي ليس الدفاع عن المواطنة كمسألة وعظ وإرشاد، بل لا بدّ من إيجاد مداخل عملية لها لتجسيدها ضمن رؤية حداثية متكاملة ذات مرجعية وطنية لا مرجعية خارجية، بمعنى تبيئة قيم الحداثة الكونية ضمن الأطر الوطنية بفعل حداثي داخلي. فالدفاع عن المواطنة يبدأ بتجذير الحداثة ضمن الأطر التعليمية والجماهيرية ونشر قيمها وربطها بما هو سياسيّ واقتصاديّ.

صحيح أن المواطنة عمليا لم تتجسّد بعد في مجتمعنا العربيّ، إلا أنّ تفاؤل العقل وتفاؤل الإرادة لقادران على هزم كلّ أعدائها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق