دمشق القديمة: المال، سلطة التمييز بين “العتيق” و”الأثري”…

“مشروع ش.الملك فيصل” جمع أطرافا طالما كانت متنافرة أو مفتقدة للثقة فيما بينها أو معزولة قسرا عن بعضها البعض، حول قضية لا تزال منذ أسابيع الشغل الشاغل لتلك الأطراف، حتى ليشعر المرء بأن ما تشظى وتحلل على مدى عقود عاد فجأة للتلاقي ولو تماسًّا برؤوس الأصابع!

على الأرجح أن ذلك لا يعود للصدفة وحدها، ولا لكون القضية التي أثارت هذا الإجماع والحراك حولها، منفصلة عن حقل السياسة الملغوم دائما في سوريا. بل على العكس من ذلك، ربما كانت لتلك القضية أبعاد أكثر “حساسية” بما لا يقاس، من الخطوط العريضة للخطاب السياسي المعارض في سوريا. فأين يكمن سر هذا المشروع الذي استطاع تحريك ما لم تحركه معتقلات وأقبية تعذيب ومحاكم صورية؟

{{دمشق القديمة..}}

تنقسم المدينة القديمة التي تعتبر المدينة المأهولة الأقدم في التاريخ إلى قسمين. الأول ويوجد داخل السور الروماني القديم الذي يضم أبواب دمشق التاريخية السبعة ويمتد على مساحة كيلو متر مربع. أما القسم الثاني فيقع خارج السور ويضم عددا من الأسواق والحارات تعود في معظمها إلى العهدين المملوكي والأيوبي، وتمثل المراحل التاريخية التي شهدت فيها المدينة توسعا خارج سورها.

على أرض الواقع، ولمن ليس خبيرا بجغرافية المنطقة، يصعب التفريق بين القسمين الذين يجعلان من المدينة القديمة وحدة متكاملة لا يستوي فيها جزء بدون الآخر. خاصة وأنها رغم الإهمال المديد ومحاولات “التحديث” التي عبثت بجمالها، مازالت محتفظة بطابعها التراثي إلى حد بعيد، إن لجهة ما يطلق عليه الدمشقيون “بيت عربي” يحظى بـ”أرض ديار” وشجرة نارنج!، أو لجهة أسواقها التي يحمل كل منها قصة تاريخ وذاكرة، كالحميدية ومدحت باشا والمناخلية والعمارة، أو لبقاء جزء كبير من سكانها في أحيائهم وبيوتهم القديمة، ما حافظ على الطابع الاجتماعي والثقافي للمنطقة وحفظ خصوصيتها إلى حد بعيد.

لذلك لا يغدو غريبا أن دمشق القديمة أدرجت على لائحة التراث العالمي الإنساني عام 1976. فيما هي اليوم وبعد ثلاثة عقود، مهددة بالشطب من هذه اللائحة وفقا لما يؤكد عدد من المختصين والإعلاميين. المتهم الأساسي في ذلك، هو مشروع “شارع الملك فيصل”، المحاذي للسور الشمالي للمدينة القديمة، والذي يقتضي هدم الشارع وما يقوم على كتفيه من عمار، لعمل أتوستراد عريض بمحاذاة السور (وفقا لتصريح المسؤولين في محافظة دمشق، لن يتجاوز قربه من السور 70مترا!)، وإقامة مشاريع تجارية كبيرة على أنقاض ما سيتهدم.

{{إيكوشار متهما}}

“كان المخطط التنظيمي الأول لمدينة دمشق للمعماريين الفرنسيين دانجيه وإيكوشار عام 1936مقد اهتم بصورة خاصة بتخطيط شوارع رئيسية تصل بين ساحات ذات أشكال دائرية، وجرت تعديلات كثيرةعلى المخطط الأول دون أن يتغير جذريا،ً فأضيفت مقاسم أرضية جديدةلأبنية سكنية تتألف من طابقين أو ثلاثة، وأضيفت إلى المدينة ضاحية المزةوبقيت الأجزاء الجديدة في المدينة ملحقة بالمدينة القديمة، تعتمد علىالأسواق القديمة المعروفة مثل سوق الحميدية وسوق مدحت باشا والبزوريةوالحريقة والدرويشية والميدان. ثم كلف إيكوشار في عام 1963 بوضع مخططتنظيمي جديد لمدينة دمشق. وقام إيكوشار بوضع مخطط لمدينة دمشق يأخذ بعينالاعتبار حاجتها حتى عام 1984م فقط” ، (نقلا عن الموقع الالكتروني لوزارة السياحة في سوريا).

إيكوشار الذي ما تزال صورته محفوظة على جدار مديرية التخطيط العمراني في محافظة دمشق، يرى آخرون أنه سبب كوارث عمرانية وبيئية كبيرة للمدينة، كان آخرها مشروع ش.الملك فيصل الذي يستند أساسا إلى هذا المخطط، والذي رأى فيه صاحبه أن ما يستحق الحماية من دمشق القديمة هو المنطقة الواقعة داخل السور دون توسعاتها اللاحقة التي ترجع إلى مئات السنين.

جمعية أصدقاء دمشق ممثلة بالدكتورة ناديا خوست أكدت في تصريحات عديدة لها، بأن هذا المخطط “بات خارج الزمن وأثبت عدم صلاحيته”. مشيرة إلى أن «مهندسين فرنسيين حاليا قاموا بدراسات رفضوا خلالها هذا المخطط”.

إذن، واستنادا إلى هذا المخطط “أصدر محافظ دمشق قراره رقم 1553 بتاريخ 2-11-2004 القاضي بالموافقة على المصور الاستملاكي رقم 785 المعد وفقا للمرسوم رقم 20 لعام 1983 لاستملاك كامل العقارات في شارع الملك فيصل والعقيبة والعمارة ومنطقة مسجد الأقصابومنطقة باب السلام ….وقد أعطي هذا القرار صفة الاستعجال”.

تنفيذ هذا المشروع من المفترض أن يتم – وفقا لما جاء في الصحف الرسمية، على ثلاثة مراحل:

“المرحلة الأولى: هي جزء الطريق المستملك من منطقة سوق الهال القديم وحتى جامع المعلق قبلسوق النحاسين، وهي مستملكة بالمرسوم 315 لعام 1974.

المرحلة الثانية: هي جزء الطريق الذي يستمر من منطقة جامع المعلق حتىساحة باب توما، وقد صدر استملاكه مؤخراً بالقرار الوزاري رقم 1759 .

المرحلة الثالثة: هي مرحلةاعتماد الدراسة التفصيلية لمنطقة التنظيم المار منها مسار شارع فيصل، حيثتم وضع هذه الدراسة ضمن خطة هذا العام”. ‏

بتفصيل أكثر، فإن المشروع “يتطلب إزالة عدد من الأسواق والأحياء القديمة كسوق المناخلية وسوق العمارة والمحلات الممتدة من شارع الثورة مرورا بالمناخلية والعمارة وباب السلام وصولا إلى باب توما”. على اعتبار أن هذه الأحياء والأسواق ينطبق عليها وصف “العتيق” وليس “الأثري” وفقا لمحافظة دمشق.

{{في مقاومة هدم “القرماني”}}

بدأ تنفيذ المشروع أوائل العام الماضي بهدم سوق “القرماني” في شارع الثورة الذي يحتوي على أكثر من مئة وثلاثين محلا تجاريا.

هدم هذا السوق كان المحطة الأولى في إبراز ردود الفعل تجاه مخطط المحافظة، والتي بدأت بشكل عفوي ولم تصمد أمام “عنف” التنفيذ الذي ووجهت به.

فقبيل تنفيذ عملية الهدم، كان السوق يغلي غضبا مع إطلاق تأكيدات حينا و”تهديدات” حينا آخر، بأن أصحاب المحلات لن يتخلوا عن حقوقهم فيها بسهولة، بالإضافة إلى توجيههم الاتهام بشكل غير مباشر لروؤس الفساد السلطوي عبر الإشارة إلى أن المحافظة قد باعت المناطق المستملكة لأشخاص ذوي نفوذ ومال، وقد نقلت الصحف الرسمية وبعض المواقع الالكترونية المحسوبة على السلطة مثل ردود الفعل هذه بشكل كثيف. (في إحدى التحقيقات التي أجراها موقع سيريا نيوز حول الموضوع، ذكر على لسان بعض من التقى بهم من شاغلي المحلات بأن “تنفيذ هذا القرار سيكون على جثثنا” و أن بعضهم ” يهددون بمواجهة جرافات الهدم مععائلاتهم وأطفالهم حتى لو أودى ذلك بحياتهم فبعضهم لم يغادر محله منذ صدورالإنذار” سيريا نيوز-ماريا شحادة- 26-4-2006 ).
في اليوم الذي هدم فيه السوق – وقد تم ذلك مباغتة وخلال زمن قياسي- شوهدت كتيبتا حفظ نظام وأعداد غفيرة من عناصر البلدية وشرطة النجدة في محاولة لتطويق مقاومة شاغلي المحال التجارية الذين اضطروا في النهاية إلى ترك محالهم تحت هراوات الشرطة والغازات المسيلة للدموع والتهديد بالإجراءات القانونية ضدهم.

تكرر المشهد بعد عدة أشهر، حيث استكملت المحافظة مابدأته فقامت بهدم السوق العتيق وميتم سيد قريش. وعلى الرغم من الحشد الكثيف لعناصر شرطة مكافحة الشغب والنجدة، لم تشهد عملية الهدم هذه المرة مصادمات كسابقتها، وقد يكون ذلك بتأثير من تجربة واقعة الهدم الأولى وما واجهه المعترضون أثناءها.

لكن هدم السوق العتيق وميتم سيد قريش العائدين للعهد المملوكي، مهّدا لبدء حملة مناهضة للمشروع مازالت فصولها مستمرة حتى الآن. حيث ارتفعت أصوات لشخصيات عامة – ندر أن تلعب مثل هذا الدور خارج الإطار الرسمي- في التنديد بالمشروع ومنفذيه، ومن وراءه أيضا!. وإن بقيت هذه الأصوات في إطار المداورة والحديث غير المباشر حول ما يقال أنها الأسباب الحقيقية وراء هذا المشروع، إلا أنها شكلت ربما حافزا لحراك جماعي أكثر تنظيما من قبل المتضررين من تنفيذ المراحل التالية للمخطط.

{{“صحوة” أم رد فعل طبيعي؟!}}

تشهد الأسواق التجارية المهددة بالإزالة حركة محمومة من قبل أصحابها في سبيل وقف تنفيذ المشروع الذي ستكون نتائجه كارثية بكل معنى الكلمة.

ففي سوق “المناخلية” – حيث يهدد مئات التجار الشاغلين للمحال التجارية بالطرد بدون تعويض- تشكلت جمعية “المناخ” للمتضررين من مشروع ش. الملك فيصل. وقام هؤلاء باللجوء إلى مختلف وسائل الإعلام المحلية، التي حابت بعضها في مرحلة ما خطة المحافظة. وقد استطاعوا بالفعل تحريك الصحف والإذاعات الرسمية والمواقع الالكترونية المحسوبة على السلطة، فضلا عن تنظيم العرائض المختلفة وجمع التواقيع عليها والذهاب ضمن وفود إلى شخصيات عديدة من مختلف الوزارات والمؤسسات الحزبية والرسمية. فضلا عن التواصل مع مختلف الشخصيات الثقافية والإعلامية التي تقف ضد تنفيذ المشروع.

من الطبيعي أن يكون لتجار أسواق عريقة مثل المناخلية والعمارة، علاقات واسعة وشيء من النفوذ ولو المعنوي الذي يمكن استخدامه لخدمة قضيتهم في مثل هذه الحالة. من الطبيعي أيضا أن يبادر هؤلاء إلى الدفاع عن مصالحهم، خاصة إذا علمنا أن مصيرهم سيكون الإفلاس بعد أن رفضت المحافظة تعويضهم باعتبارهم شاغلين وليسوا مالكين، وأن مئات العائلات التي يعيلونها يتهددها مصير قاتم.

لكن ذلك لا يجعلنا غافلين عن بقية الصورة التي تمثلت في عمل منظم وجهد حثيث قلما شهدنا مثله على الصعيد الشعبي منذ زمن طويل للوقوف في وجه إحدى ممارسات السلطة التعسفية بحق المواطنين. هذه الممارسات التي يشكل تجاهل وجود المواطن ونكران حقوقه ومصالحه عمادها، طالما أن النتيجة مضمونة من حيث أن اعتراضا جديا لن يصدر عنه، وذلك بضمانة قانون الطوارئ وأجهزة الأمن وعقود الاستبداد المديدة. هذه “الضمانات” نفسها، التي عزلت المواطن عن جميع أدوات قوته ووسائل استرداد حقوقه، وأفقدته الثقة بالمؤسسات الرسمية بما فيها الإعلام المحتكر من جهة، وبنفسه وقدرته على مقاومة ما لحق به من عسف من جهة أخرى. هذا فضلا عن عزلة النخب الثقافية والاجتماعية والمسافة الشاسعة التي باتت تفصل بينها وبين المواطن السوري.

{{ضمن الحدود}}

كعادتها في الأحداث ذات الطابع غير المتصل مباشرة بعناوين سياسية، نأت المعارضة والمنظمات الحقوقية السورية بنفسها عن الحدث حتى اللحظة، فيما عدا مقالات متفرقة هنا أو هناك، ولم تجر حتى الآن أية محاولات للتواصل مع الحراك المحموم الدائر في حارات دمشق القديمة وبعض الأوساط المهتمة. ربما على اعتبار أن الحديث غير “السياسي” وفق رؤيتها للسياسة، لا يستحق جهدا يبذل أو طريقة مختلفة في الرؤية والتعامل، فضلا عن الحفاظ على المسافة البعيدة التي أقامها النظام بينها وبين المواطن السوري!.

حراك الشارع الدمشقي “القديم” بدوره، لا يدخل مباشرة بطبيعة الحال ضمن الفعل المعارض بمفهومه المتعارف عليه “أحزاب معارضة ومنظمات مجتمع مدني..”، بل أن القائمين عليه يحرصون في كل مناسبة على تأكيد “ولائهم” للنظام السياسي وتعويلهم على رئيس الجمهورية للوقوف ضد المشروع وإنقاذهم من تبعاته.

وعلى الأغلب، فإن السلطة تعي ذلك تماما. بمعنى أنها تدرك أن حدود الاعتراض على المشروع، لن يتعدى الاحتجاج على التخريب المتعمد للتراث الدمشقي القديم، أو الإجحاف اللاحق بشاغلي المحال والبيوت في تلك المنطقة، وبالوسائل والأساليب التي يمكن أن تعتبرها قنوات “للتنفيس” بدون أن امتلاك القدرة الحقيقية على التغيير أو التأثير.

فقد تركزت جميع الاحتجاجات حتى الآن على محورين اثنين:

المحور الأول، يتمثل في كون دمشق القديمة مدرجة على لائحة المدن الأثرية العالمية منذ عام 1976، وأن المخطط المنوي تنفيذه من شأنه أن يشوه وينتقص من القيمة الحضارية والأثرية للمنطقة، وقد أصبحت الرسالة التي وجهها مدير مركز التراث العالمي فرانسيسكو باندارين أوائل هذا العام إلى وزير الثقافة السوري، من الحجج الدامغة التي تدعم هذا الرأي، حيث جرى التأكيد على أن “حماية تراث مدينة دمشق لا يحدد بالمدينة التي تقع خارج السور لكنه يمتد إلى المناطق خارجه، و أن مشروع الطريق خارج السور لا يلغي أبدا التأثير الضار على المدينة القديمة وقيمتها كتراث”. مع الإشارة في نهاية الرسالة إلى أن السيد باندارين بصدد تقديم تقرير بهذا الوضع إلى البلدان الأعضاء في لجنة التراث العالمي التي ستجتمع في يونيو القادم.

ولم تكن حجة المحافظ بأن الهدف هو كشف سور المدينة الأثري وأبواب المناخلية والعمارة وباب السلام، لم تكن مقنعة على الإطلاق لمناهضي المشروع، خاصة وأن من شأن ذلك عزل المدينة القديمة عن محيطها الاجتماعي والثقافي وحصرها بأعمدة وأبواب أثرية تشذ ضمن محيط معماري حديث من المنوي تنفيذه في المرحلة الأخيرة من المشروع.

أما المحور الثاني، فيتمثل في معارضة الغبن الاقتصادي الذي سيقع على شاغلي المنطقة وخاصة التجار منهم، وتقدر خسائره بالمليارات، وهذا المحور هو أساس حراك تجار المنطقة المهددين بالترحيل وخاصة تجار سوق المناخلية القديم.

{{في النتائج غير المباشرة للمشروع}}

مع ذلك، فإن للقضية أبعادا ثلاثة أخرى يجري الحديث عنها بالهمس و ضمن الغرف المغلقة، وتنطوي على عمق لا ينبغي التهاون في تقدير آثاره السلبية على عدة أصعدة.

فمن جهة، والآراء التي أدرجها هنا هي خلاصة أحاديث مطولة لأيام عديدة مع أشخاص من غير المتضررين مباشرة من تنفيذ المخطط، ومن غير الدمشقيين أحيانا، فإن هناك اعتقادا راسخا بأن مَن وراء المشروع هم أصحاب رؤوس الأموال السورية ذات الصلة الوطيدة بالنفوذ والسلطة، وهو ما يثير حنقا واحتقانا أكبر تجاه هذا السلوك الاحتكاري الذي بدأ منذ سنوات ومازال مستمرا في خطوات حثيثة. أحد الأشخاص بادرني بالقول “فهمت أن يتاجروا بكل شيء وأن يحتكروا كل شيء، لكن المدينة القديمة، لماذا؟ لماذا هذه المدينة بالذات؟” وهو ما يقودنا إلى النقطة الثانية مباشرة.

حدثني أحد الشبان الجامعيين وهو يصنف نفسه على أنه شاب منفتح وعلماني و”معتدل” قائلا : لطالما أحببت دمشق القديمة، لكن بعد أن سمعت بمخطط الهدم هذا، أصبحت علاقتي معها مختلفة تماما، أصبحت إذ أمر بحاراتها أحس إحساسا غريبا بالملكية، أحس أن كل حجر هو ملكي أنا كدمشقي، وأشعر بألفة غريبة إذ أسمع اللهجة الدمشقية من حولي. لا أعرف كيف، ولكأن عصبية ما تلبستني فجأة”!

هذه الكلمات ليس من النادر أن تسمعها الآن وإن بعبارات وصياغات مختلفة، منها ما يكيل الاتهامات المباشرة إلى النية في إزالة ” كل ما هو دمشقي” من جهة وفق تعبير أحدهم، ومنها ما يعتبره “عداء لكل ما هو عريق ومديني” وفق تعبير آخر. وتذهب الأمور مناحيَ أبعد وأكثر حساسية فيما يتعلق بالنقطة الثالثة.

فما ورد في بعض وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية، من أن أحد أهداف المشروع هو توسيع وكشف مقام “السيدة رقية” على حساب المنازل والمحالالتجارية المحيطة به، لا يندر أن تسمعه بين الناس على سبيل البوح إن جاز التعبير.

وهكذا، فالصورة ثلاثية الأبعاد المرتسمة في أذهان الكثير من الناس، غير المعبر عنها صراحة حول ما يعتقدون أنه حقيقة هذا المشروع، تحمل ربما ما لا يقل خطورة عن نتائجه المباشرة، على صعيد تصاعد الاحتقان والمشاعر السلبية المتراكمة والتي لا يقيم القائمون على المشروع أي اعتبار لها. وما يزيد من حدتها، عدم تجاوب أية جهة رسمية مع شكاوى و مطالب معارضي المشروع، ويستوي في ذلك وزارة السياحة ووزارة الثقافة ومديرية الآثار ناهيك عن مجلس الشعب الذي لم يحرك ساكنا حتى قبل أن يدخل معمعة الانتخابات البرلمانية الحالية. هذا فضلا عن تجاهل الجهات القائمة على المشروع للقيام بأية مبادرات من أجل حوار معارضيه والمتضررين منه، أو نفي ما يشاع من أنه الأهداف الحقيقية وراءه، على قاعدة أن على المواطن أن ينفذ ثم لا يعترض كما هو الحال غالبا.

أخيرا، آخذين في الاعتبار كل ما سبق، لا يمكن إلا النظر بتقدير إلى الحراك الجاري حاليا من أجل حماية دمشق القديمة عمرانيا واجتماعيا وثقافيا، والذي تنخرط فيه للمرة الأولى أطراف طالما بقيت مشلولة الحركة ومعزولة عن بعضها البعض، مستخدمة وسائل مختلفة هي، على تواضعها، الوسائل المتاحة والممكنة. حتى ليبدو الأمر وكأن إحياء المجتمع المدني قد بدأ للتو فقط ومن شارع الملك فيصل.

وبدون أحلام كبيرة عن إمكانية أن يؤدي ذلك إلى نتائج ملموسة، فإن هذا الحراك الذي يمكن النظر إليه على أنه “عودة الروح” إلى المواطن السوري ببعض شرائحه ونخبه، جدير بالملاحظة والدعم. خاصة وأن المدينة القديمة المهددة بالهدم والعبث بأوصالها، بدت أكثر حياة من أي وقت مضى في ظل حرارة الدفاع عنها من قبل أهلها ومحبيها من أنحاء العالم كافة، وجعلتنا أكثر إيمانا بأننا إذ ندافع عنها فنحن لا ندافع عن ذاكرة وتراث فقط، وإنما عن حاضر ومستقبل أيضا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق