دمشق عاصمة للثقافة العربية عام 2008: دمشق.. الذاكرة معصوبة العينين

المدينة لا تشبه نفسها. ينسب إليها البعض فعل خيانة للذاكرة القريبة منها والأكثر بعدا. يأسفون لحالها، أويغضبون منها أولأجلها، أويتعالون على الحاضر بوصفه “طارئا”. يتحدثون عن غربة واغتراب. يسترسلون في سرد ذكريات غابت ربما عن ذاكرة المدينة نفسها.

كثير من المفكرين والمبدعين العرب، تحدثوا عن “ترييف المدينة أو بدونتها”، عن تهميش أو تغييب القيم الحضارية والثقافية المدينية في أغلب المدن العربية، وعن فقدان تلك المدن للهوية والخصوصية. تحدثوا عما رافق ذلك من تراجع في مستوى الفكر والثقافة والإبداع ككل، وعن مدن أصبحت “قرى كبيرة” في مقابل أرياف لا تزال أسيرة الفقر والتخلف والنسيان.

دمشق ليست استثناء مما سبق، بل لعلها الانعكاس الأكثر وضوحا وفجاجة له. أبناؤها الدمشقيون منهم والوافدون إليها الذين عشقوها وتمثلوا قيمها وسحرها الماضي، بعضهم يوازن ما بين ذاكرته وواقعه. آخرون من الأجيال الأحدث سنا، كفتهم حداثة سنهم عبء موازنة من ذلك النوع، اللهم إلا بالنسبة لمن اصطنع ذاكرة من أحاديث الآباء والأمهات، أوعبر الإكثار من قراءة شعر نزار قباني! بين أولئك وهؤلاء، من يستمر بالحديث عن مدينة “كانت حقيقية” وأصبحت اليوم “بلا هوية”، وعن “تحديث” له طابع التشويه والعبث، وعن حاضر غير قابل للتصالح مع الأمس!

إلى ماذا أدى ما يسمونه “غربة” على صعيد خياراتهم الشخصية؟ كيف يتعاملون مع ما يرونه “طارئا” وغير حقيقي. وكيف يؤثر ذلك كله على طبيعة علاقتهم بالمكان وسكانه؟

{{الدمشقي والسائحة}}

يستحضر عمر ابن مدينة دمشق، وهو اليوم في أواسط عقده السادس، بعضا من خيالات دمشقية لما كانت عليه المدينة كما يتذكرها في الماضي:”في سوريا ما بعد الاستقلال كان النمط العمراني على الطراز الايطالي أوالبحر شرق المتوسطي عموما، أي بناء لا يتجاوز الثلاث طوابق وتصميم عمراني متناسق مع ألوان محافظة نوعا ما في جرأتها، والمدينة بقيت على نسيجها الاجتماعي على الرغم من انتقال جماعات من منطقة إلى أخرى جديدة. النسق المعماري متناسق إلى حد كبير، والفارق كان واضحا بين الأبنية التي اصطفت على خط الشوارع الكبيرة، شارع بغداد و شارع حلب مثلا، وأخرى التي بقيت داخل الشوارع الفرعية والأزقة المتفرعة عنها. أما طريق بيروت المحاط بالأشجار اليانعة فكان هادئا، منفتحا ومستقبلا”.

ويتابع:”أمي نقلت لي حبها لهذه المدينة، من المتحف الذي كان يستقبلنا فيه حراسه بعبارة “مرحبا بوران خانم” إلى الجامع الأموي وهذه الأزقة التي بقيت رائحتها في صدري مدة طويلة”.

قد يكون مجرد حنين شخصي مفهوم إلى ما مضى، لكن للحاضر كلمة أخرى. سألت السائحة البريطانية الشابة ونحن نتمشى في التكية السليمانية-المتحف العسكري وسوق المهن اليدوية حاليا، كيف تجدين مدينة دمشق؟ “لديكم مناطق جميلة وروحانية مثل المدينة القديمة، لكن دمشق بشكل عام، تبدو وكأنها مكب قمامة كبير، والتلوث والضجيج والفوضى!”. أغضبني جواب السائحة، ليس لأنه يجانب الحقيقة، بل ربما لأنه يفتقر إلى “اللباقة”. لكن صديقتها الجميلة هدأت من غضبي عندما قالت: “المدينة القديمة ساحرة. يجب أن تحافظوا على مثل هذه الأماكن، فالسائح لن يأتي لمشاهدة فندق خمس نجوم وإنما للإحساس بالروح المميزة للمكان الذي يزوره”. لكن ماذا عن المدينة “الجديدة”؟

دمشق القديمة لا تزال الأجمل، ولا تزال تقاوم محاولات “تحديثها” وتغريبها بعناد، تقول سعاد (35سنة) من حي القيمرية، وتسكن حاليا في إحدى ضواحي دمشق: “على الرغم من المطاعم التي غزت المدينة القديمة، والتي غالبا ما شوهت الدار القديم الذي تحتله، وما يزعق منها من أغان “معاصرة” جدا، وما ألصق على جدرانها من الشاشات العريضة لمشاهدة الفيديو كليب. على الرغم من أن جزءا كبيرا من سكانها قد رحل، وأن انعدام النظافة في الحواري والأزقة لا ينقصها، وعادي جدا أن يتناول الناس “الشاورما” جالسين على عتبة جدار الأموي ثم يرمون فضلات طعامهم وراءهم قبل أن يرحلوا. على الرغم من أن الأزقة الضيقة لم تعد تعبق برائحة الياسمين والنظافة، على الرغم من ذلك كله، فهي لا زالت الأجمل”.

بعض الترميمات والإصلاحات أجريت في المدينة القديمة مؤخرا، لكنها في معظمها طالت الأماكن الرئيسية فيها، كسوق الحميدية والساحة المجاورة للجامع الأموي. وحتى في هذه الأماكن، يعجب المرء لتعامل المقيمين فيها والزائرين لها: “أشعر كأنهم يرمون القمامة في قلبي ولا أستطيع أن أفسر سلوكهم. ولا ألحظ فرقا كبيرا بين صاحب المحل الذي ورثه عن جده وأبيه وبين من جاء للتبضع أو للسياحة، من غير الأجانب طبعا. جميعهم يتعاملون مع المكان بازدراء!” تضيف سعاد بغضب، وهي تؤكد بأن الأوقات المفضلة لديها لزيارة دمشق القديمة، تنحصر فيما بعد منتصف الليل، حيث تصبح المدينة نظيفة، وروحانية، ولا يزورها إلا من يعشقها ويحترمها بالفعل.

هذا في الوقت الذي لا يزال فيه الخوف على محيط المدينة القديمة كبيرا، من مشاريع “التحديث” التي كادت أن “تأكل” شارع الملك فيصل مؤخرا.

إذا توجهنا إلى دمشق “الجديدة، تصبح الصورة أكثر قتامة، خاصة كلما اقتربنا من مركز المدينة. من شارع الثورة إلى المرجة وجسر فكتوريا، تتناقض المشاهد إلى حد مدهش. “ليس الحديث هنا عن الفوضى المرورية ودخان السيارات والازدحام الخانق، بل عن المدينة في شكلها ورسمها، عن بؤس العمران وفوضويته وعدم تناسقه. عن شحوبه وبؤسه. وعن الخليط العجيب وغير المتجانس لسلوكيات البشر المتدافعين في الطرقات”. تقول سعاد. ولعل كثيرين من سكان المدينة، يمرون مرات عديدة من تلك الأمكنة ولا يلاحظون ما تلاحظه سعاد، التي صنعت ذاكرتها عن دمشق كما تقول، من بقايا ما تتذكره أيام طفولتها ومراهقتها، ومما قرأته عنها شعرا ورواية وحكايات.

عيون الغرباء تلتقي في وجهة النظر مع عيون أولئك أحيانا. لورا شابة بريطانية من أصل سوري، زارت سوريا هذا الصيف. بعد جولة في عدد من المدن، أخبرتني أنها مغرمة بمدينة حلب. “لكن دمشق هي الأجمل”، زعقت صديقتها السورية. “كلا، هناك شيء في حلب غير موجود في دمشق، لا أعرف كيف أعبر عن ذلك، لكن هذا ما أحس به”، أصرت لورا. لم تستطع صديقتها مداراة غضبها، وأخذت تحاول إقناعها بأن دمشق لم تكن كذلك في الماضي، وأنها – أي المدينة- لا بد ستتجاوز “سلبياتها” وتعود كما كانت!

تلوث بصري!

يقول ناظم حمادي، الذي قدم إلى دمشق من إحدى قرى إدلب عندما كان في السابعة من عمره، وهو الآن في نهاية عقده الرابع: “أسعد الأوقات التي قضيتها في دمشق، كانت عندما أنزل من مكان سكني في الضواحي إلى البلد، وخاصة بعض الأماكن مثل التكية والشام القديمة وباب توما. كانت هادئة بشكلها وبساطتها، وتشعرني بالسكينة. اليوم أحن إلى تلك الأماكن. فقد انقطعت علاقتي بالمدينة كمكان، بعد أن أصبح عمري تقريبا 25 سنة. تلك الأمكنة والمدينة ككل تغيرت. الوسخ شيء عجيب. حتى الشجر أصبح غير نظيف. هناك قبح معمم في المكان”.

تعاني المدينة من تلوث بيئي كبير، جعل هواءها خانقا ومياهها شحيحة. لكن أيضا من ذوق سقيم في النمط العمراني السائد، مع استثناءات قليلة جدا.

“كنت أذهب إلى الحديقة المجاورة للمكان الذي بني فيه حاليا فندق الفور سيزنس، وأبقى هنالك ساعات أقرأ وأكتب. الآن المشهد تغير، لا الجسر جميل ولا الحديقة بقيت كعهدنا بها، كثير من الأمور أصبحت عشوائية وكثير من الأمور تم تخريبها. الشارع انفتح على الحديقة والحديقة انفتحت على البناية.. الخ. هذا كريه، لم يعد هناك فرق بين مناطق دمشق المختلفة، كلها خاضعة للمقاييس غير الجمالية نفسها. نمط بناء المدارس كلها موحد، مدهونة باللون البني ومسورة كالسجون. جميع محلات البلد يجب أن تكون أغلاقها مدهونة بلون محدد. التعميم لنموذج عمراني واحد على النهج الاشتراكي سبب تشوه العمران. من المقبول أن يكون هناك أنماط عمرانية وفقا للمناطق وليس أنماطا معممة في كل البلد. اليوم المدينة شمولية لا خصوصية لها” يتابع ناظم.

تصدق صحة هذه الملاحظة بشكل أساسي إذا نظرنا إلى المباني التي أنشئت ما قبل العهد الاشتراكي، مثلا مدرسة جودت الهاشمي وهي بناء مختلف ويعود في نمطه العمراني إلى الخمسينيات، وكذلك مدرسة اللاييك وغيرها، نلحظ الفرق الهائل من الناحية الجمالية، عمرانا واتساقا مع المحيط.

يقول الدكتور حسام السعد المدرس في كلية علم الاجتماع (40سنة)، وهو فلسطيني ولد وعاش في ضواحي دمشق: “سألني سائق تكسي مؤخرا، بعد أن أخبرني بأنه قادم حديثا من مدينة درعا، ماذا حصل للشام، لماذا تبدو كأنها “مزبلة”، حفر وقذارة، أين شام أيام زمان؟، ولا أخفي أنني شعرت بالإهانة، لأنني أحس أن دمشق مدينتي. من حيث المبدأ يفترض أن المدينة تبنى بشكل يعكس ثقافتها المعاصرة، وهو ما يعطيها هويتها وخصوصيتها الثقافية. هذا غير متوفر في دمشق”.

ويتابع: “الأبنية الضخمة الجديدة، لا تعبر عن روح المدينة ونمطها المعماري المميز الذي بدأ يظهر أول ما يظهر في الخمسينيات من القرن الماضي، حين بدأت البرجوازية الوطنية تبني دمشق الحديثة. كانت هناك رؤوس أموال وثقافة منفتحة، و شهدت سوريا انفتاحا ثقافيا وفنيا واقتصاديا ومحاولة إرساء نمط مديني عصري. بعد استلام حزب البعث السلطة وتطبيق النهج الاشتراكي في الاقتصاد، هربت رؤوس الأموال خارج البلد. مع إصدار قوانين الاستثمار في عقد التسعينات، وظهور من أثروا بشكل مفاجئ أو مشبوه، بدؤوا بالمشاريع الربحية التي لا تعبر عن هوية معينة وليس لها طابع ثقافي مدني. هدف رأس المال ذاك كان الربح فقط، فهو رأس مال لا يعبر عن ثقافة دمشق ولا ينتمي لها”.

يعي هذا الواقع، أكثر من غيرهم، أولئك الذين تفتحت ذاكرتهم على دمشق مختلفة كليا أو جزئيا، والذين يعتبرون أن توسع المدينة وتطوير نمطها العمراني لا يعني طمس هويتها وجعلها بلا ملامح: “أنا أشعر بالحنين إلى تلك الأماكن والمشاهد لأنني وعيت عليها، لكن الجيل الحالي استيقظ على نمط عشوائي جدا فلا يشعر بوجود أزمة. يمكن بوضوح ملاحظة عدم وجود حس جمالي لدى الأجيال الحالية، وبالتالي لا يوجد لديها إحساس بالمكان الذي هو أساسي للإحساس بالوطن والانتماء إليه” يقول د.حسام.

وفي هذا الإطار، حاولت محاورة بعض طلبة وطالبات الجامعات من مواليد منتصف عقد الثمانينات الذين ولدوا وعاشوا في دمشق، وبغير أن أزعم أن هؤلاء يمثلون جيلهم كله، فلم أستطع حثهم على التفكير والمشاركة في الموضوع، الذي بدا غريبا عليهم وغير مفكر فيه. أبدوا تذمرهم من واقع المدينة المتردي وافتقارها للتنظيم والنظافة، لكن بدت لهم فكرة هوية المدينة وخصوصيتها بلا معنى إن صح التعبير.

على النقيض من ذلك، أبدت وداد وهي دمشقية في العقد الخامس من عمرها، “غضبا” من تفاصيل دقيقة لا تخطر في البال: “أشعر بالاكتئاب كلما نظرت إلى أرصفة دمشق بلونيها البرتقالي والأصفر، لا أفهم أي ذوق هو الذي يجعل أرصفة مدينة بمثل هذه الألوان!”.

في معرض التحضير لدمشق كعاصمة للثقافة العربية العام القادم، يجري العمل على بعض المناطق الحيوية في دمشق، وتغيير بعض معالمها نحو الأفضل. وأن أتت متأخرة سنوات طويلة خير من أن لا تأتي أبدا. وفي هذا الإطار جرى رصف الشوارع المحيطة بالتكية السليمانية وساحة يوسف العظمة بالحجر، كما يجري العمل على تجديد طرفي نهر بردى “أصبح الآن مجرد مجرى خاليا إلا من القاذورات” وسط المدينة، وغيرها من الأعمال هنا وهناك، تهدف إلى تجميل وجه المدينة، ولكن..

تقول أميرة وهي مساعدة مهندس في عقدها الرابع، تنحدر من قرية في قارة، وتعيش في دمشق منذ طفولتها: “من الناحية العمرانية والجمالية، المدينة في تميزها وإبداعها وتناسقها. هؤلاء مثلا الذين بنوا فندق “سميرا ميس” بلونه البحري الغامق، ألم يلاحظوا كم أنه غير متناسب مع ما حوله، وقبالته وزارة الداخلية بعمرانها المميز العائد إلى عقود مضت، ووراءها وزارة السياحة وهي مثل الأولى في الجمال والتميز، وإلى جانب هذه الأخيرة، التكية السليمانية ..الخ. أقصد أن هذه المساحة تشكل نسقا معينا له تميزه الخاص وروحه الخاصة، وأتى مثل هذا الفندق ليبدو مثل “العين المقلوعة”؟ هؤلاء الذين بنوا منذ سنوات قليلة الواجهة الجديدة لكلية الحقوق التي تعود في بنائها إلى أكثر من مئة عام، ألم ينبههم ذوقهم إلى أن الواجهة لا علاقة لها من قريب أومن بعيد بطبيعة بناء الجامعة ونمطه المعماري؟ ما قصة هؤلاء المهندسين والمخططين؟ أنا أجزم أن من يتولون عمليات الهندسة والتخطيط العمراني لا علاقة لهم بمدينة دمشق، فينظرون إلى كل زاوية فيها على حدة، بدون وضعها في إطارها العمراني والتخطيطي الشامل”. تشعر أميرة بغضب عارم تجاه رؤوس الأموال “الطارئة” التي تستبيح جمالية المدينة “بوقاحة” كما تقول، معتبرة أن أية إصلاحات وتجميلات هنا وهناك، لن تصلح ما أفسده “الذوق المفتقر للذوق ورأس المال الجشع”.

{{دمشق بائسة وحزينة!}}

يرفض عمر الحديث عن علاقته الحالية بالمدينة، بغير الرجوع إلى الأحداث التي صنعت المدينة على ما هي عليه حاليا كما يراها: “عاشت سوريا في الفترة ما بين 1958وحتى نهاية السبعينات، تغيرات وتحولات طالت كافة المستويات الحياتية. لكن التغيير العمراني لمدينة دمشق لم يبدأ إلا منتصف الستينيات، فنتيجة مجمل التغيرات السياسية والاقتصادية، وشح الموارد المالية لدى الدمشقيين بعدما رحل من تبقى من المستثمرين الدمشقيين، وتخصيص ميزانية الدولة لمشاريع “النهوض بالاقتصاد الوطني المستقل” بتعبير السلطة، هذا كله جعل من مدينة دمشق مدينة ثكلى، متواضعة وبائسة وحزينة”.

يرى عمر أن هجرة أهل الريف إلى المدينة بدأت خجولة ومحددة في محاور معينة، وعلى الرغم من ذلك فقد أعطت للمدينة تعبيرا أقرب ما يكون إلى القرية الكبيرة منه إلى مدينة ذات شأن! ويرى في كل ما سبق قسوة مورست بحق دمشق: “بالنسبة لي، هذه القسوة التي مورست على دمشق، كنت أقابلها دون دراية واعية مني، بالتجوال المستمر في المدينة القديمة فكنت أشعر بوحدة حال بين الدمشقيين لما هم فيه من تعاسة و شقاء”.

ويتابع:”توالت زيادة الهجرة من الريف وبناء تجمعات سكانية جديدة على أطراف المدينة اتخذت الطراز الريفي البسيط باستخدام تقنيات البلوك الخام الرديء. تحولت منطقة دمشق الجنوبية من الزراعة إلى مشاريع بناء جمعيات سكنية والبدء بمشروع دمر كتجمع سكني واسع، والمنشآت الصناعية البسيطة من ورشات بلوك وأخشاب وسيراميك تأكل الغوطة. جمهور دمشق أصبح أكثر تلونا، تغلب عليه الصفات الريفية، دمشق بدت غريبة وغير أليفة. هذا كله ولد شعورا داخليا من” النوستالجيا” تجاه المدينة، ترحما على الأيام الماضية، صمتا كبير في الصدر، الشوارع أصبحت غريبة فعلا، أم أنها تنتج الغربة في النفس. من الذين أعرفهم، قلة قليلة بقيت ولا مكان للحميمية إلا في العائلة الضيقة”.

عمر نفسه غادر منذ سنوات إلى الغربة، ليعود إلى دمشق كل بضعة أشهر في إجازة قصيرة، يحصي ما تغير وفي أي اتجاه، ربما كي لا تفاجأ الذاكرة بتحولات الواقع!

{{دمشق..السينما والمسجد}}

“أنا أعيش الآن في حي يبلغ سكانه تقريبا ما لا يقل عن ثلاثمئةألف نسمة، وهذا الرقم يسجل من كبريات المدن في القرن التاسع عشر.. فباريسلم تكن تزيد عن ثلاثمئة ألف في القرن التاسع عشر، ومع ذلك أنا أعيش في حيليس فيه ناد ثقافي، وليس فيه ناد اجتماعي، وليس فيه سينما، وليس فيه مسرح،ولا حديقة.. ليس فيه أي مكان للإنسان أن يقابل جاره ليحييه، المكان الوحيدالمتاح للقاء الجيران هو في المسجد. هذا المسجد هو المكان الذي أجبرتناالقرية الجديدة على اللقاء فيه، وبذلك تحولنا إلى هذه القرى المتعايشة. الناس تعرف بعضها في المساجد، وليس في المقاهي ولا النوادي ولاالكازينوهات ولا المسارح ولا السينمات، كل مظاهر المدينة الحديثة لا توجدفي مدينتنا التي يسمونها مدينة الآن”. من حوار مع الروائي خيري الذهبي نشر في صحيفة القدس العربي بتاريخ 13-12-2005.

الحديث عن دمشق كحاضن جغرافي واجتماعي للثقافة والإبداع، يأخذ منحى رثائيا في الوقت الحالي. تقول أميرة:”قبل أن أدخل مقهى الهافانا للمرة الأولى-منذ سنوات قليلة، كانت مخيلتي تزخر بالأحلام الناتجة عن روايات من ارتادوا هذا المكان في الماضي. لم أكن أنتظر مشاهدة مكان موغل في الصمت لا روح له”.

والحقيقة أن مقهى الهافانا اليوم، مكان أنيق ولطيف..وأسعاره مرتفعة إلا بالنسبة لفئة محددة من المثقفين والصحفيين! ولعل أميرة تتحدث عن افتراقه اليوم عما كان عليه أيام كان ملتقى الأدباء والمثقفين. ولعلها أيضا تقصد بالضبط، أدباء ومثقفين بعينهم، هم من كانوا يضفون تلك الأجواء التي قرأت عنها أو سمعت بها، وافتقدتها على أرض الواقع. وهذا بطبيعة الحال يرتبط بمجمل تطورات الوضع السياسي وما أنتج من آثار طالت الحياة الثقافية السورية على مدى العقود القليلة الماضية.

د.حسام يقول:” فللنظر مثلا لبعض الأماكن التي كانت موجودة في دمشق، مثل قهوة أمية – كانت موجودة على طريق مقهى الروضة حاليا في شارع العابد- وكانت ملتقى للشباب والمثقفين. مثل هذه القهوة كانت تعبر عن الروح الثقافية لدمشق، وقد أزيلت قبل نحو عقدين من الآن. وبالمثل، مقهى القنديل المعروف في شارع 29 أيار (مايو)، كان ملتقى المثقفين والمبدعين، تحول حاليا إلى “كلوب”. نادي العمال في الشارع نفسه الذي كان ملتقى الشعراء والشباب المهتمين بالحقل الثقافي أغلق هو الآخر منذ سنوات. معظم تلك الأماكن التي تمثل الروح الثقافية للمدنية إما أغلقت أو تحولت إلى “ديسكو” أو مطاعم”.

يعتبر مقهى الروضة في شارع العابد من الأماكن القليلة التي لا تزال تعبق “بالروح” إن صح التعبير، والتي يرتادها بعض المثقفين والصحفيين …والمعارضين! مؤخرا، ثارت شائعة عن أن مقهى الروضة تم بيعه إلى أحد أصحاب رؤوس الأموال السلطوية في البلد. “وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فالأسعار لم تعد مقبولة أبدا، والمكان أصبح شيئا فشيئا مكانا سياحيا أو ترفيهيا لمحبي مثل هذه الأماكن، بينما لا يستطيع واحدنا تحمل تكلفة شرب فنجان قهوة مع صديق بين يوم وآخر بمثل هذه الأسعار” يقول السيد سعيد، أحد مرتادي المقهى السابقين.

تخبرني إحدى الصبايا الصغيرات، أنها تعشق الذهاب إلى “لاكاسا”-وأرجو أن لا أكون قد هجيت الاسم خطأ- لأنها قهوة الفنانين! وأستفسر منها أكثر، فتحدثني عن بعض الممثلين الشبان الوسيمين الذين يرتادون هذه الكافتيريا! لكن عشقها هذا يختلف ربما بطبيعته، عن مثيله لدى من يكبرها سنا، ممن وعي للمقاهي التي جمعت يوما كبار الشعراء والكتاب والمثقفين والسياسيين. وإلى جانب المقاهي، يثور الحنين إلى السينمات، والنوادي الثقافية و…

يقول د.حسام: “دمشق أيام زمان هي معرض دمشق الدولي، ونهر بردى، وكازينو دمشق، وكلها زالت عن الوجود. أذكر كازينو دمشق الذي كان مكان فندق الفور سيزن حاليا، ومنذ عرفته كان مغلقا، إلى جانبه كشك يصدح دائما بأغاني فيروز. من أمامه يمكن رؤية لافتتين كبيرتين تشيران إلى الأفلام السينمائية الرائعة التي كانت تعرضها وزارة الثقافة. وراءه مقهى الشرق ومقر مجلة الثقافة، المكان بأكمله كان مكملا للضفة الثانية ومتناسقا مع ما حوله. الكازينو الذي غنت فيه أم كلثوم وعبد الحليم وفيروز، أزيل عن الوجود، ألم يكن يكفي للحفاظ عليه أنه يعبر عن مرحلة ثقافية معينة من تاريخ المدينة؟ سينما الكندي أصبح من غير الوارد الذهاب إليها لرداءة ما يعرض فيها وما يحتّمه ذلك من طبيعة مرتاديها، ومعظم السينمات على قلتها ينطبق عليها الشيء نفسه، فقدنا حتى طقوس الذهاب إلى السينما مع العائلة”.

جدير بالذكر أن السينمات المتبقية حاليا فيما عدا سينما الشام، مخصصة لعرض أفلام الكاراتيه والإثارة الجنسية، بل إن الصور التي تعرض على واجهة السينما للإعلان عن فلم ما، لا تستقطب إلا مراهقين من طبقات اجتماعية معينة، ومن لف لفهم. وعودة إلى محدثي، فقد حصلت منه على وصف مفصل للكازينو الذي لم أعلم قبل الآن أنه كان موجودا في ذلك المكان، الذي يقبع فيه حاليا واحد من أضخم الفنادق في دمشق. وتساءلت فيما إذا كانت رغبة البعض في الإبقاء على القديم وحنينهم إليه، هو أمر محض شخصي يرتبط بذاكرتهم وذكرياتهم، أم يرتبط بدمشقيتهم بالذات إن صح التعبير.

بعيد نشر بعض المقالات التي كتبتها حول مشروع الملك فيصل في دمشق القديمة منذ أشهر، وردتني ملاحظات وتعليقات عديدة على بريدي الالكتروني، بعضها يعتبر أنه لا قيمة على الإطلاق للحجارة، وأنه من الأفضل أن “تتحول دمشق إلى دبي”، على أن تبقى على ما هي عليه. عدت إلى تلك الملاحظات أثناء إعداد هذه المادة، ووجدت أن أصحابها ومعظمهم من الأصدقاء، ليسوا من مدينة دمشق، بل من أريافها وضواحيها أو من مدن سورية أخرى، وتتراوح أعمارهم ما بين العشرين والثلاثين عاما. وأن معظم الرسائل الرافضة للمشروع والداعمة لإلغائه، كانت من دمشقيين، تجاوزت أعمارهم الأربعين سنة!

تقول وداد: “ليس الأمر مسألة قديم وحديث، بل هي مسألة جميل وقبيح، مناسب ومتناسق وغير مناسب ومتناسق، حضاري ومديني أو العكس، وبطبيعة الحال فمن لم يعرف المدينة كما كانت لن يدرك عن ماذا نتحدث”.

أما د.حسام فيقول: “إذا جاء سائح إلى بلدي إلى أين آخذه في العاصمة؟ إلى مركز المدينة؟ ما هو مركز المدينة؟ دمشق فقدت وجودها كعاصمة، ما هي مدلولات العاصمة؟ أبنية أنيقة وشوارع نظيفة ومكاتب مهنية ودور نشر وسينمات… أين ذلك من مركز دمشق؟”

{{قرية كبيرة؟}}

“عندما أعود إلى الضيعة في زيارات متباعدة، لا أشعر بغرابة من سلوكيات الناس هناك، فهي قرية على أية حال. بل على العكس، سيبدو من غير اللائق أن يرتدي عمي الذي يعمل في الأرض بذلة رسمية، ولا شيء يخرج عن المشهد هناك ويقلقل حميميته بقدر بعض السيارات الفارهة والفيلات الكبيرة التي بناها أصحابها مؤخرا بعد أن اغتنوا خارج القطر. أما في المدينة، فلا أستطيع أن أفهم كيف يمكن للمرء أن يشم رائحة فضلات بشرية في بعض الحواري، أو أن يرى بعض الطرقات والحارات بمثابة مكبات زبالة، أو أن يقذف شخص من نافذة سيارته المرسيدس بعلبة الكولا. حتى مسألة “التلطيش” والتحرش الجنسي بالفتيات، غالبا ما يكون أصحابها من الوافدين إلى المدينة، من أكثر أريافها فقرا وتهميشا، وليسوا من أصحابها أو المقيمين فيها والمتمثلين لقيمها” تقول أميرة.

فيما عدا مناطق محددة لا تخلو بدورها من استثناءات، فإن نمط السلوكيات السائدة في المدينة، هو نمط فوضوي لا يقيم احتراما للآخر ولا للمكان. رؤية الأشخاص يتدافعون بين السيارات إلى جانب جسر للمشاة، ومشاهدة “البصقات” التي تشكل خارطة على الرصيف، أو الأم التي تحيط بابنها في زاوية الشارع ليقضي حاجته، بل مشهد الناس يقضون عطلة يوم الجمعة على الجزر المزروعة بالعشب التي تفصل بين الطرقات، إلى جانب السيارات المسرعة والضجيج والتلوث، وبما يعرض أطفالهم بشكل مباشر لخطر السيارات، ذلك وغيره كثير، يولد شعورا مناقضا تماما لما يجب أن تكون عليه المدينة. وإن عزا البعض تلك النزهات “الطرقية” إلى غياب أو ندرة المتنزهات الملائمة لأصحاب الدخل المحدود، فكيف يمكن تبرير ما سبق إيراده من سلوكيات؟

يصف ناظم بدايات قدومه إلى المدينة ووعيه للأنماط السلوكية الجديدة التي واجهها: “بداية قدومي إلى دمشق كان مميزا جدا. وجدت في المدينة مكانا جميلا ونظيفا، مكانا للعب واللهو بطريقة أقل قسوة. ومع بلوغي سن الشباب، كان إحساسي بالمدينة يأخذ اتجاها آخر. كنت أشعر بالحياة والحرية، وأحاول تهذيب نفسي في هذا الإطار، لأنني لست في الضيعة. أجبرت نفسي على تبديل سلوكي من الريف والبداوة إلى المدنية. يمكن أن أطلق على ذلك الخضوع الإرادي للأفضل إذا جاز التعبير. وحكمي بأن هذا الجديد هو الأفضل ناتج عن مجموعة المعارف التي حصلتها من العادات والخبرة الاجتماعية والثقافية التي أضافتها إلي المدينة. هنا يمكن القول أن ضرورة بل ومنطقية تغيير السلوك أصبحت إرادية، والمدينة خيار”.

ويضيف: “وكنت أسخر من بعض الأصدقاء الذين يشعرون بحساسية تجاه كلمة ريفي أو يتحفظون بخجل على تغيير عاداتهم. ومع الإطلاع والقراءة عن الثقافة المدينية بشكل عام وما تعنيه من حضارة في الفن والأدب والفلسفة والاجتماع والسياسة والقانون..أصبحت على يقين بأن هذه الحضارة لا يمكن أن يصنعها ابن الريف إذا لم يخضع كامل منظومته الفكرية والاجتماعية لإمكانية النقد والتغيير والتخلي عنها أو عن جزء منها”.

ربما تجدر الإشارة هنا إلى أن قدوم وافد إلى دمشق منذ أكثر من ثلاثين عاما، عندما كانت الثقافة المدينية لا تزال هي الطاغية، يختلف عن الحال منذ سنوات قليلة وحتى اليوم، مع الزيادة الديموغرافية الكبيرة، والنزوح المستمر نحو المدينة، التي- لأسباب عديدة- لم تجار هذا النزوح في تطورها الخدماتي والحضاري المؤهل لاستيعاب الوافدين الجدد ودمجهم في ثقافتها وأنماط سلوكها، هذا إذا لم نتحدث عن النزوح المعاكس لأبناء المدينة نحو الضواحي أو الغربة لأسباب مختلفة.

{{“غربات” متعددة!}}

البرامكة هي المنطقة التي تضم العديد من الكليات بما فيها كلية الفنون الجميلة! ومقر بناء وكالة سانا للأنباء، وعلى بعد شارع واحد هو جسر الرئيس، يفصلها عن منطقة أبو رمانة المخملية الطابع والسكان. في هذه البرامكة، وأمام كلية الحقوق وحولها، وتحت جسر الرئيس المحاذي لها، تصدح الأكشاك المتناثرة على جانبي الطرق بأغان تسمع عبر “البفلات” الكبيرة، وهي أغان أبعد ما تكون عن أجواء المدينة وأذواقها، حتى ليخيل للمرء أنه يحضر حفلة عرس في ضيعة تقام فيها حلقات الدبكة!

يقول الدكتور حسام: “تكّون هوية محددة لمدينة، يحتاج إلى مدة طويلة وتجربة معينة، الهوية هي نمط سلوك وعلاقات اجتماعية. حتى بداية السبعينات ربما، كانت ثقافة المدينة هي الطاغية، ومع هجرة الريف إلى المدينة ونزوح ثقافة المدينة إلى خارجها، لم تتأسس ثقافة بديلة. دمشق في الماضي تقبلت أنماطا متعددة من الثقافات والسلوكيات. لكن في الوقت الحالي، الأمر مختلف.هناك تلوث لغوي وبصري كبير في مدينة دمشق. المدينة لا تعبر عن أشكال مهلهلة من الثياب، هذا لا يشبه المدينة. وفيها أيضا لا يجوز أن أسمع أغاني ريفية تصدح من الأكشاك وسط المدينة. وفيها من المفترض أن أسمع اللهجة الثالثة محل التقاء مختلف اللهجات السورية. من يفد إلى المدينة عليه أن يتمثل سلوك ثقافتها في كل شيء. أي مدينة كبيرة تحتوي ثقافات متعددة، تكون الثقافة السائدة فيها هي المحترمة. عدم حصول ذلك يدلل على أن الوافد يتعامل مع مدينة بلا هوية”.

أولئك الوافدون الذين يشكلون “الهوية” الحالية للمكان الموصوف، قادمون في معظمهم من أرياف المدن المختلفة. المتواجدون في المكان بشكل دائم، بعضهم يستثمر أكشاكا، وبعضهم يفرد بضاعته على بسطة فوق الرصيف. يانصيب وسجائر بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى عربات الفاكهة والذرة المسلوقة وغيرها. العديد منهم عناصر أمن، يمكن تمييزهم فقط في حال قدمت شرطة البلدية لمصادرة بسطات البائعين، فيهرب البعض إن استطاع، ويبقى “الآخرون”! فيما عدا ذلك، لا فرق فيما بينهم في بؤس الحال وشظف العيش الذي يظهر باديا للعيان.

يروي لنا حسام كيف أن عمه عندما كان يذهب من المخيم إلى الشام-المدينة، كان يرتدي لباسا معينا يتناسب مع ما تفرضه المدينة من سلوك، ويتابع:”معظم الوافدين إلى المدينة تعاملوا معها كأنها لا شيء. ومن ناحية أخرى، هذا الواقع يكرس نمطا معينا من السلوك، بحيث أن الوافدين الجدد، عندما لا يجدون شوارع نظيفة تدفعهم لتكريس الحفاظ عليها على سبيل المثال، لا يكون هناك شروط موضوعية تؤهلهم لسلوك معين”.

تدفعنا المدينة إلى التساؤل مرات عديدة في اليوم: الجمال والنظافة، أم لقمة العيش؟ عندما تأتي بين حين وآخر شرطة البلدية لمصادرة بسطات الباعة، ترى عبارات الاستجداء لتركهم يرحلون من المكان، وقد ترى رجلا بشاربين عريضين، يبكي وينشج إثر مصادرة عربته، ومراهقين يركضون بين السيارات والذعر على وجوههم، خوفا على القداحات التي يبيعونها من المصادرة..ويدرك المرء أن المعادلة أصبحت بالغة الصعوبة والتعقيد.

{{مدينة مجهولة}}

د.حسام يعتبر أن من شأن الحال الذي آلت إليه المدينة، أن يؤدي إلى الفصل بين الثقافات الموجودة وعدم توافر أي انسجام فيما بينها، بحيث تبقى كل منها منغلقة على نفسها، وتؤدي بابن المدينة إلى أن ينكمش على دمشقيته ويرفض الآخر في دخيلة نفسه.

بينما يقول ناظم أنه مازال يحتفظ للمدينة بصورة جميلة وحميمة إلى قلبه، “لكن هناك فرق بين أن تكون لدي في الواقع مدينة وأن تكون لدي ذكرى مدينة فقط. هذه المدينة كانت حقيقية، وأشعر أن ما يحدث اليوم طارئ وغير حقيقي”.

وترى وداد، أن ضياع أية خصوصية للمدينة، يولد لديها شعورا مزمنا بالغربة “بحيث لا يختلف الأمر كثيرا عندما أكون في دمشق أو خارجها، ولو تركت نفسي على سجيتها، لشعرت بغضب ورفض شديدين لكل الوافدين إلى المدينة. لكنني أعقلن الأمور وأراها في أبعادها المختلفة، وأعرف أن هذه مشكلة تعاني منها معظم المدن العربية ودمشق واحدة منها، لكن إلى أي حد يؤثر ذلك على انتمائي للمكان تسألين؟ إلى درجة بعيدة جدا، تخيفني أنا نفسي أحيانا”.

يقول زكريا تامر في لقاء أجري معه في آذار من العام الماضي في جريدة السفير (منشور في موقع رابطة أدباء الشام تحت تاريخ 17-3-2006)، بعد أن يقدم وصفا مسهبا ومؤلما لما آلت إليه حال المدينة اليوم في أدق تفاصيلها: “…دمشق اليوم هي مدينة أجهلها كلياً، ولا صلة لها بدمشقي التي أعرفها وأحبّها، وقد اقتنعت أن المدن كالبشر تحيا وتشيخ وتموت. ومن المؤسف أن دمشق الخمسينيات والستينيات المفعمة بالإنسانية والباهرة الجمال لم تمت ميتة طبيعية بل قتلت شر قتل، وقتلتها معروفون لا يطالهم أي عقاب، ويتباهون بجرائمهم على أنها نقل لدمشق من ظلمات القرون الوسطى إلى أنوار القرن الحادي والعشرين. ولو كانت المرحومة جدتي ما زالت حية وسمعت تلك الدعوة الغريبة إلى الإكثار من زرع الياسمين في دمشق لبادرت إلى ترديد مثل عامي شامي، ملخصه بالفصحى هو:زبال ويتزين بوردة…”.

بعد عدة أجيال قادمة، ستكون الذاكرة المتبقية لما كانت عليه المدينة، قد رحلت، فيما عدا ما جرى تسجيله شعرا أو نثرا أو تأريخا. لا نعرف كيف سيكون وجه المدينة حينذاك، ولا كيف ستكون علاقة سكانها بها. ربما تولد المدينة دائما عشاقها بغيرتهم المجنونة عليها. وربما يصبح لديهم مفهوم آخر للمدينة، فهي تنتمي إليهم بقدر ما ينتمون إليها، طالما أنها تحقق شرطهم الإنساني والجمالي، بغض النظر عن اسمها وتاريخها وموقعها في هذا العالم، إنها المدينة المعولمة بعد تلك المريفة والمبدونة!

يتابع زكريا تامر:” وكل ما قلته عن دمشق لا يعني أنها باتت عاجزة عن تحريضي على كتابة المزيد من القصص عنها وعن أحوالها الراهنة الغريبة العجيبة، فالرجل الحقيقي لا يكره أمه إذا شاخت وشوّهتها الأيام”. ولعل هذا حال عشاق دمشق جميعا اليوم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق