دمُهنًّ … شُرفات عارنا / خالد الحروب

دمُهنًّ … شُرفات عارنا / خالد الحروب

"دفعها عمها الغاضب بيده نحو منتصف الشارع. وقعت، أفلتت فردتا حذائها، وسقطت حقيبة يدها بعيدا، لكن الرعب الذي سكن عينيها لم يمنعها من رؤية تلك الراية السوداء تخفق فوق الباب. نهضت حافية، وقد أدركت أن حكم الإعدام عليها قد صدر". عمها المزمجر ينادي على شقيقها المرتبك ويدفع إليه بالمسدس ويطلب منه قتلها وسط الشارع، وسط الحارة، لتغسل شرف العائلة. يتقدم إليها أخوها لكنها لا تهرب. يريدها أن تهرب كي يطلق عليها الرصاص في الظهر لكن لا تهرب. تنظر في عينيه. هو يعرف وهي تعرف. يرتبك. يريدها أن تبكي وأن تتوسل. لكن عينيها البريئتين صار فيهما لهب طافح يكاد يحرقه. صراخ أمها يأتي من داخل البيت ويملأ الشارع، وترى أباها المقعد على كرسيه المتحرك يكاد يشهق بالموت وهو يرى لحظات "مناره" الأخيرة. يتقدم أخوها المرتبك ويضربها بكعب المسدس، تتأرجح قليلا، ثم تعود تحملق فيه، تحرقه بنظرتها الملائكية. يصرخ في وجهها أصرخي، لكنها لم تصرخ. يطلق عليها النار، تسقط، يفرغ المسدس في رأسها، ثم في جثتها السابحة في بحر الدم الأحمر. تتلصص على المشهد الجبان عيون الحارة جميعها، من وراء الشبابيك، من خلف الأبواب، ومن فوق الشرفات … شرفات العار. كما لا نعرف إن كان هناك شرطة أو دولة، الكل يختفون في ثوب الخزي المتواطئ. يتخثر الدم ويتطحلب فوق النعنع الطري المسفوح في عرض الشارع، ويتخثر العار في عيون أهل الحارة. تموت منار، ويعيش مغتصبها، ويعيش أخوها وعمها وكل رجال الحارة الذين تلملموا على لملمة عارهم بقتلها.

 

بلغة الشعر الذبيح، وبراعة صانع الحكايات الحزينة، يفجعنا إبراهيم نصر الله الروائي الفلسطيني/الأردني بعمله الأخير "شرفة العار". يعرينا جميعا، يعرّي الحارة وأهلها، يفكك ادعاءات التطهر، يقزم تشاوف الرجولة الرخيصة، ويكشف زيف الشرف التافه. من أول صفحة وحتى آخر حرف في هذه الرواية الطافحة بالمرارة والأسى نظل مشدودين لمنار، خائفين عليها من النهاية المحتومة، نعرف مصيرها الذي يُسرع إليها، ويحاصرها من كل الطرقات، ويطلع إليها من كل السطور. يقتلنا عدم انتباهها، عفويتها، إذ تكبر على عين النجمة، وبراءة الطراوة. نصر الله الذي يكتب النص الروائي بريشة الفنان التشكيلي، وبذائقة الشعر المرهف، يوقعنا سريعا في حب منار. نصير نخشى عليها من تقليب الصفحات، من اشتداد سواد الذكورة، وانحطاط الحارة ومجتمعها.

 

 

 

"منار" ابنة سائق التاكسي أبو الأمين نبتة ندية. بؤبؤ عينه كانت. روحه التي ينتشي بها، وعصفورة قلبه الصافي. طيلة شهور حمل زوجته بها اشتهاها أن تكون بنتا. كان يقول لزوجته: "إذا كان الله يحبني فعلا، فسيرزقني بنتا". وجهز لها اسم "منار" لأنها ستكون كذلك. كان متأكدا من ذلك: مناره ومنار العائلة كلها. لما كانت بالكاد تمشي كانت تنظر إلى النجوم في السماء وتقول "أريد نجمة". يجلسها أبو الأمين على ركبتيه ضاحكاً يقول لها: "النجمة بعيدة". تقول له: "نركض إليها بسرعة .. بسرعة". تقول: "عندي فكرة … أصنع جناحين وأطير". يزداد ضحكا ويقول: "تريدين مساعدة". تقول: "لا" ثم تقفز عن ركبتيه وتحرك ذراعيها بتسارع إلى أن تحس بأنهما تحولا إلى جناحين. عندما كبرت منار كان أبوها الطيب قد ترك العمل في مصنع الإسمنت وأشترى سيارة وصار يعمل سائقا بهدف أساسي وهو أن تدخل منار الجامعة، وأن يبقى إلى جانبها، يأخذها كل صباح، ويعود بها في المساء. تلك كانت حياته البسيطة والجميلة التي نذر نفسه إليها. أخوه الذي نقم على دلاله لمنار، ونقم عليه وعليها أكثر عندما رفضت الزواج من ابنه، كان يحتقر الاثنين. يوم تخرجت وأقام لها أبوها حفلة بهيجة في البيت الصغير، دبت الحياة في ساقيه وظهره فرقص كأنما صار شابا من جديد. اندهشت أم الأمين واندهش كل الحاضرين.

 

 

 

أبوها يكاد يكون الوحيد الذي يسورها بالحماية يوم كان قادرا على ذلك. لما أنهكته السنون والعمل وصار قعيدا، صار أخوها وعمها، وأقاربها، وشيوخ الحارة، وكل ذكورها أولياء أمرها. صار شرفهم المتضخم كبطن ثعبان نفخه حتى الثمالة ماء أسود من بركة آسنة يدور حول بطن منار الذي يكبر يوما إثر يوم. أخوها أمين، ويصر نصر الله هنا على لعبة الأسماء، يخلو من الأمانة والشجاعة. يعرف تماما أنه السبب وراء اغتصاب شقيقته، وأن مغتصبها فعل فعلته انتقاما منه، ولدين لم يسدده، وتنفيذا لوعيد نذل بأن يلطمه في "شرفه". كلهم يعرفون القصة، كلهم يعرفون براءة منار، وكلهم يعرفون المجرم. لكن كلهم يعرفون الحل. أخوها أمين ورغم زواجه كان على علاقة مع أرملة في نفس الشارع. كان عمه وكل ذكور العائلة يعرفون. لكن ليس هنا شرف مهدور، فالحارة كلها، بعاداتها، وتقاليدها، ودستورها، تقوم على غرور الذكورة.

 

 

 

شرفات عارنا الذكوري يعريها نصر الله شرفة شرفة. فمنار ليست الوحيدة التي يلتف دمها حول أعناقنا ويخنقنا. "منارات" كثار يمررن في الرواية، وعلى هامش السرد الرئيس، وكأنهن فواصل لا قيمة لها في حياة الدفاع عن الشرف المُدّعى. خيوط دمهن الأحمر تطلع من عيون الذكور الغاضبة، تفضح الغضب المزيف، وتقول هذا الإحمرار هو نحن. قصص "قتل الشرف" في مجتمعات الشرق البائسة تتشابه في تفاصيلها، ونهاياتها. في موت البريئات وإفلات المجرمين.

 

 

 

كيف تنام الحارة هانئة ودم منار يسيح في طرقاتها، شعرها الأسود مخلوط بترابها المدمي، وجسدها الغض منخول برصاص الذكورة المتعجرفة. كيف تنام الحارة وقوانين دستورها تنبح في وجوه شبابها الأرعن: اقتلوهن، اقتلوهن، اقتلوهن، ولا سجن لكم. شبابها الأرعن اولئك هم القتلة المعروفون، السر المعلن، المجرمون الذين يريدون إزاحة الضحية من مسار رؤيتهم، هم الفاعلون الحقيقيون، آثار جرائمهم تتكور في بطون البريئات، كما تكورت بطن منار. ليس ثمة توقع حل سوى ما تشجعه القوانين: اقتلوهن واغسلوا الشوارع بدمهن. دستور الحارة يقول: لن تنزل الرايات السود التي ترفع فوق شرفات العار عند "اكتشاف الفضيحة" إلا عندما يلعلع رصاص الانتقام، أو عندما تنزل السكين وتطلع، تنزل وتطلع، في صدور البنات. دستور الكون يقول: ستبقى شرفات العار تجللنا جميعاً طالما بقي في شرقنا قانون يجيز ذبح الإناث، ويعلق نيشان بطولةِ فاجرٍ على صدور المغتصبين والقاتلين.

 

 

 

 

 

عن جريدة الأيام 12/4/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق