دنيا الفتاوى الإسلامية على شبكة الانترنت / بقلم فيديل سبيتي

لا يحفل القائمون على المواقع السياسية الإسلامية الاصولية على شبكة الانترنت بما يحصل مع غير المسلمين في العالم، ولا تطال أخبار تلك المواقع ومقالاتها سوى المسلمين والجماعات والاحزاب الاسلامية المنتشرة في العالم أجمع. غالبية هذه الاخبار تحفز قارئها والمطلع عليها على محاربة “اعداء الاسلام” اينما وجدوا، وقبل ذلك عدم الاختلاط بهم والتشبه بأفعالهم والأكل من أكلهم وتهنئتهم في مناسباتهم، في حال كان هذا المسلم أو ذاك يعيش في دولة مسيحية مثلا، وهي “دار كفر”، وفق التعبير المستخدم في هذه المواقع. فالاصولية الاسلامية تعتبر أن كل من هو غير مسلم أو من هو مسلم إسلاماً مغايراً لدعوتها، من الكفّار، ولا همّ له ولا شاغل الا محاربة العقيدة والدعوة الى الجهاد في سبيل الله وفي إرساء مجتمع السلف الصالح. لهذا الخطاب دعاماته التحفيزية، من قبيل صور الاضطهادات والملاحقات والحروب والمجازر التي يتعرض لها المسلمون في العالمين العربي والاسلامي وفي الغرب تحت غطاء “الحروب الصليبية” الجديدة، على ما تروّج تلك المواقع الاصولية الاسلامية لجمهورها العريض على شبكة الانترنت، وهو ما يطلبه هذا الجمهور وما يستسيغ سماعه وقراءته وما يجعله متيقنا من كونه الضحية في هذا العالم الفاني.

هذا الجمهور ضيف دائم على مواقع الانترنت الاسلامية التي تقدم الفتاوى للسائلين عن الحلال والحرام في حياتهم ومعيشهم، من التفصيل الصغير الى الكبير، مهما عظم شأنه. الفتوى الدينية، التي تحلّل وتحرّم، نهائية، ويصدرها المرشد بحزم ومن دون تردد، مستندا الى آيات قرآنية وأحاديث نبوية ومرويات تتشابه مع موضوع السؤال الذي يطلب منه الافتاء فيه. على السائل في النهاية ان ينفذ ما جاء في الفتوى حرفيا، والا خالف تعاليم الدين والشرع وأصابه إثم كبير. الفتاوى السياسية الإسلامية وفتاوى التفاصيل الحياتية التي تمنع الاثم عن منفذها، تدير حياة ملايين البشر، وما عدد الزوار الهائلين لهذه المواقع وطوفان الأسئلة، الا دليل على قوة الفتوى في حياة البشر الذين يحيون على هديها، ودليل على ما للمرشد المفتي من سلطة وسطوة في تسيير حياة طالبي الفتوى، سواء أكان موضوع الفتوى سياسيا ام دينيا.

تدير مواقع الانترنت الاصولية الاسلامية احزاب وجمعيات بعضها محظور وبعضها يعمل سراً، منها جماعات ذات أسماء دينية تكوّنت على شبكة الانترنت وبقيت داخلها لتعمل على نشر دعواها السياسية والدينية بين زوار الشبكة. هناك أيضاً مواقع أنشأتها السلطات في الدول الاسلامية لمواجهة مدّ التطرف الاسلامي بإسلاموية ليست أقل أصولية من الافكار التي تواجهها. وتتوجه مواقع الاحزاب والجماعات الاصولية الى مسلمين مؤمنين لديهم قابلية كبيرة للالتحاق بـ”ركب الجهاد ضد الصليبيين الذين يريدون الفتك بالاسلام واحتلال الدول الاسلامية وسرقة ثرواتها وتغيير ثقافتها”. او تتوجه الى مسلمين مؤمنين ومسيّسين يحملون موقفا واضحا من “ثقافة الغرب الفاسدة”. هؤلاء جميعهم حين يشاركون في كتابة تعليقات وآراء عبر الانترنت في موضوع يتعلق بالاسلام والمسلمين في العالم، يكونون أكثر راديكالية وفجاجة من موقع الانترنت نفسه ومن مديريه والقائمين عليه وكتّابه المداومين. فزائر موقع الانترنت، من أجل إعلان موقف ما من قضية إسلامية، لا قيود على أقواله ولا يتحرج في إبداء الرأي طالما أنه مواطن مغفل الهوية لا صفة محددة له، وطالما أن راديكاليته تخدم قضية أصحاب الموقع.

واذا افترضنا ان زائر هذه المواقع لم يزر غيرها على شبكة الانترنت منذ ولادته، فإن هذا الزائر سيتصوّر العالم على النحو الآتي: عالم للمسلمين وعالم للكفرة. المسلمون كانوا يسيطرون على هذا العالم سياسيا وعسكريا ويتفوقون حضاريا على أصحاب الديانات الاخرى، ثم جاء الصليبيون ليحتلوا ارض الاسلام وليحطّوا من شأن الدين الاسلامي او ليمنعوا اقامة دولة الخلافة او ليجعلونا على مثالهم من الانحطاط والفساد الاخلاقي. وهؤلاء الصليبيون يكنّون العداء للإسلام منذ فجره الاول وما زالوا يفعلون حتى الان.

حرب دائمة

أليست هذه هي حال رجل الغابة طرزان الذي ولد فيها ولم يعرف ان عالما آخر يدور خارجها، ويحيا فيه بشر على خلاف عيشه؟ فصغير غابة مواقع الانترنت الاسلامية الاصولية، كصغير الغابة الحقيقية: كلاهما لا يعرف ماذا يجري خارج عالمهما المقفل.

لن يطول الامر بزائر المواقع الاسلامية الاصولية الذي تربى تربية اسلامية في منزله او في المجتمع، حتى يتأكد من صحة الصورة التي تحشو بها المواقع مخيلته عن العالم. صورة عالم يتعذب فيه المسلمون المؤمنون ويشقون، كما كانت حال اقرانهم الذين اعتنقوا الاسلام عند نزول الوحي على الرسول. وهؤلاء يعذبهم ويذلهم “المشركون”، أي الكفرة من اصحاب الاديان الاخرى، او اصحاب السلطان الجائر من المسلمين الذين خضعوا لإرادة الكفار فصاروا على شاكلتهم يقهرون رعيتهم، بحجة تطور العصر وتبدّل الحياة عما كانت عليه قبل 1500 سنة.

تنقل هذه المواقع اخبار المذابح التي يتعرض لها المسلمون في الشيشان واذربيجان وفي البوسنة والهرسك سابقا وفي فلسطين والعراق وأفغانستان حاليا، وفي جميع اصقاع الارض اينما وجدوا، ولن تخلو من المعارك الطاحنة في مواجهة “السويسريين الكفرة” الذين أيدوا في الاستفتاء منع بناء المآذن في بلادهم، كما كانت حال المعارك “الانترنتية” مع الصحف الدانماركية التي نشرت رسوم الكاريكاتور الموجّهة ضد الاسلام، او المعارك مع النظام المدني الفرنسي الذي منع المظاهر الدينية في المدارس والمؤسسات الحكومية، وكان حجاب المسلمات من بين هذه المظاهر الدينية، كحال الصليب المسيحي والقلنسوة اليهودية. لكن زوار مواقع الانترنت الجهادية يقتنعون ان القانون الفرنسي يستهدف الاسلام وحده من دون غيره من الاديان.

تتفنن هذه المواقع وهي تعدّ بالآلاف، ومنها مواقع تتألف من صفحة واحدة يستطيع المرء الواحد من منزله أن ينشئها بسهولة، في نشر صور القتلى المسلمين الذين يسقطون في معارك طائفية ومذهبية او في حروب عسكرية في اكثر من مكان في العالم. ويتم التعليق على هذه الصور بما يكفل استثارة عزيمة القارئ، وتحويله طالب جهاد، ولو من على كرسيه القابع امام شاشة الكومبيوتر. مجاهد يريد ان ينتصر للمسلمين الذين يشقون في دول الغرب ولا يتمكنون من بناء دولتهم المسلمة، على ما كان يطلب الشيخ ابو حمزة المصري في لندن.

حمية المدافعة هذه عن مسلمي أوروبا، يقابلها سكوت إذا كان ثمة مسلمون يتعرضون للاضطهاد والقتل في دولة عربية (دارفور في السودان على سبيل المثال). فبين الضحايا وعمر البشير صاحب الدولة شبه الاسلامية في السودان، لا بد من اختيار الثاني لأن الغرب يريد محاكمة الرئيس السوداني وسرقة نفط السودان في دارفور واسقاط الدولة الاسلامية فيه. ينطبق هذا الموقف على مسلمي الصومال وموريتانيا واليمن. فالمعادلة بالنسبة الى أصوليي مواقع الانترنت هي الآتية: انظمة وشعوب مقموعة من هذه الأنظمة، أفضل من أنظمة تابعة للغرب وشعوب متحررة.

مدمن الانترنت الذي ترعرع في غابة المواقع الاسلامية الاصولية، يظن ان التاريخ بدأ في السنة الهجرية الاولى وامتد حتى نهاية دولة الخلافة العثمانية. التاريخ هذا، لا معنى له إلاّ في ظل “الخلافة”. أما تاريخ الحضارات الأخرى وشعوبها فلا وجود له إلاّ في علاقته بالإسلام، أي بالمعارك التي خاضها المسلمون ابان الفتح الاسلامي ضد الشعوب “الجاهلة والكافرة”، والمعارك التي خاضوها ضد الصليبيين، ثم ضد “الفتوحات الصليبية” الجديدة منذ قيام دولة إسرائيل منتصف القرن الماضي. ذكر هذا الامر ليس من قبيل السخرية او الانتقاص من قيمة ما يؤمن به هؤلاء الاصوليون الاسلاميون. فالتاريخ العربي السابق على نزول الوحي والمسمى “جاهلية”، محذوف نهائيا من مخيلة تلك المواقع، وهو ليس سوى رمال صفراء يهيم فوقها الناس كالعميان تحت شمس حارقة في انتظار الخلاص.

الخلافة وغياب الجغرافيا

ما يمكن ملاحظته ان القطاع الاصولي الاسلامي على شبكة الانترنت واسع وهائل ويبدو مستقلا داخل الشبكة. فزوار هذه المواقع لا يزورون مواقع أخرى وهم يعرفون بعضهم البعض وكأنهم داخل دولة إفتراضية.

القطاع الالكتروني الاسلامي، عالم موازٍ للعالم الحقيقي، خصوصا لدى الذين يدعون الى اقامة الخلافة. فهؤلاء لا يعترفون بالحدود بين الدول الاسلامية كما هي حال شبكة الانترنت التي تزيل الحدود بين الدول والجماعات، فيطلقون على كل دولة اسم ولاية، كولاية لبنان وولاية فلسطين وولاية العراق وولاية افغانستان …الخ، داخل دولة الخلافة الافتراضية.

الجغرافيا مغفلة لدى اسلاميي الانترنت الاصوليين. وهم يستخدمون الانترنت وسيلة لمحاربة العولمة والهجمة الغربية على العالم الاسلامي. الحدود التي تفصل بين الدول الاسلامية هي حدود وضعها المستعمر الغربي، وتعمل الانترنت الاسلامية على ازالتها. يشعر زائر المواقع الاسلامية أن الدعاة الى اقامة الخلافة ينظرون الى العالم الاسلامي نظرةً تبدو فيها الارض الاسلامية متواصلة ومتشابكة ومتداخلة تغيب الحدود الفاصلة بينها، كغيابها في دولة الخلافة التي يعمل الاسلاميون على اقامتها بجهد حثيث.

العاملون على اقامة الخلافة (سنّة) او منتظرو الامام الغائب الذي سيملأ الارض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا (شيعة)، ليسوا في حالة انتظار لإقامة الدولة وممارسة الحياة التي عاشها الرسول واصحابه، بل هم يمارسون فرادى وجماعات ما يتطلبه عصر الخلافة الآتي من اعمال وقواعد تسيّر الحياة في مختلف قطاعاتها. فيبايع بعضهم امير الجماعة السلفية المنظمة، السياسية والمسلحة، التي تقاتل في الجزائر وافغانستان والشيشان والعراق. وبعضهم يتصرف في حياته اليومية على انه في عصر الخلافة، فيرتدي الرجل ملابس يعتقد ان “السلف الصالح” كانوا يرتدونها، وترتدي المرأة ما يغطي جسدها بأكمله فلا تظهر منه سوى عينيها. وتمارس داخل العائلة الاصولية كل الفرائض الدينية بتفاصيلها وتطبق على الاولاد والاخوات والاهل والزوجات. ولن ينقص تلك العائلة أي معلومة تتعلق بأي عمل تريد ان تعرف ما اذا كان مخالفا لاوامر الدين ونواهيه.

فتاوى أمة الشتات

الاشخاص الذين لا يستطيعون التواصل مع جماعة دينية معينة في البلدان التي يعيشون فيها، بسبب حظر تلك الجماعات او لكونهم ممنوعين من التواصل مع غيرهم (النساء والفتيات)، هؤلاء يستخدمون شبكة الانترنت كبديل من التواصل الفعلي والواقعي. تكثر الاسئلة الدينية المتعلقة بالحياة اليومية، وتكثر الفتاوى التي بدورها لا تتأخر عن ارساء الحياة الاسلامية ولو على صعيد الافراد المشتتين على رقعة كبيرة من الدول التي يعتنق اهلها الاسلام أو الدول الغربية التي يهاجر اليها هؤلاء المسلمون. الفتوى لا تكرّس وحدها النمط الحياتي الاسلامي، بل يتضامن طالبو الفتوى والنصيحة مع المفتين لتكريس هذا النمط. فهم حين يسألون يكون ذلك بشغف وبإصرار وباستعجال الجواب، وكأن طالب الفتوى لن يقوم بما يطلبه الافتاء الا بعد ورود الجواب اليه. وفي احيان كثيرة يكون طالبو الفتوى اكثر قلقا واصرارا من المرشد المفتي نفسه. كأن يطلب احد المؤمنين من المفتي فتوى حول حرمة تصوير النساء بواسطة الهاتف النقال، او يطلب آخر فتوى بعدم جواز الاختلاط في المدارس، او بعدم جواز ركوب المرأة السيارة وحدها مع سائقها، لئلا يركب معهما الشيطان. فطالبو هذه الفتاوى لا يطلبونها لأنفسهم بل لأقرانهم من المؤمنين او غير المؤمنين بغية تثبيت رأي الاسلام (كما يرونه ويعرفونه) في ما يتعلق بالحياة اليومية الآخذة في التبدل والتغيّر نتيجة التطور التقني وتطور عالم الاتصالات. ولا بد من ملاحقة نتائج هذا التطور المتسارع على المؤمنين والمؤمنات خوفا من ارتكابهم المعاصي، سواء دروا أم لم يدروا.

ما يخافه زوار المواقع الاسلامية على الانترنت هو المواقع غير الاسلامية التي قد تنشر بين المسلمين والمسلمات “افكار الكفر”. وما يخافه الاسلاميون الذين يتصلون بالمحطات الدينية عبر الستالايت هي المحطات الاخرى، وكأن الانغلاق على الذات الاسلامية هو الموضوع الاثير على قلوب الاسلاميين والاسلاميات. ويقوم حراس الاسلام الأصولي باستخدام وسائل الانفتاح (الاتصالات) من اجل الدعوة الى الانغلاق. وتنطبق هذه الدعوة اكثر ما تنطبق على النسوة المسلمات زوجات الرجال الاسلاميين او بناتهم.

تسمح المواقع الالكترونية الاسلامية لزائريها بأن يتناقشوا في ما بينهم حول موضوعات جلّها تتناول الهوان والذل اللذين يصيبان الدول، وهي تسمح ايضا للزائرين بطرح الاسئلة على القائمين على تلك المواقع الالكترونية. ويجيب عن تلك الاسئلة مسؤول اعلامي في جماعة اسلامية أو شيخ سلفي أو مفتٍ.

الفتاوى السياسية

في رسالة أرسلها أحد “الإخوة” من لندن الى موقع إسلامي متشدد هدفه استعادة دولة الخلافة ومجدها، يروي صاحب الرسالة أن صدمة أصابته، او هو استيقظ فجأة من نوم عميق ومديد ثم انتبه الى أنه “من الواضح أن الهجمة الشرسة على الإسلام تمادت كثيراً وخرجت عن نطاق الصبر. فما الاقتراح المناسب للتحرك بسرعة؟”. كانت الإجابة على الشكل الآتي: “جزاك الله خيراً على رسالتك. نود أن نخبرك أن العمل الصحيح هو العمل الذي جاء به الشرع، صحيح أن المسلم من أمثالك يحترق بسبب هذا الواقع السيئ ويريد الخلاص منه بأي شكل، ولكن يبقى الحكم الشرعي هو المسيّر للأعمال، ونحن تبنينا العمل السياسي طريقة لإقامة دولة الإسلام، وننصحك بقراءة كتاب منهج الحزب في التغيير”.

زائر موقع هذا الحزب اكثر تحرقا للخلاص من هذا الواقع الذي “خرج عن نطاق الصبر” ولإقامة دولة الاسلام، من المسؤول السياسي في الحزب الذي يهدئ من روع الزائر، وينصحه بقراءة كتاب منهج الحزب في التغيير. هذه ليست الحالة الاستثنائية، بل هي الحالة العامة، أي أن يكون الزوار والقراء أكثر راديكالية ممن يفترض أنهم “قادتهم”. ولا تقتصر الاسئلة التي يطرحها المتحرقون الى تحقيق دولة الاسلام، على الكيفية التي ستتحقق بها، بل تتعداها الى طلب النصيحة في الترشح الى الانتخابات او الاقتراع في دولة او مملكة يعيش فيها مسلمون وغير مسلمين، كالسؤال الآتي: “أرجو منكم توضيح رأيكم بالنسبة الى المشاركة في الانتخابات النيابية الأردنية المنتظرة ترشيحاً وانتخاباً بأسرع وقت ممكن”. وقد جاء الرد على طلب النصيحة هذه كما يأتي: “إن النصوص الشرعية من قرآن وسنّة، التي تفرض الحكم بالشريعة الإسلامية وتحرّم الحكم بغيرها، كثيرة وقطعية. فلا يحل لمسلمٍ أن يحكُم بشريعة غير شريعة الإسلام. إن النائب في البرلمانات الغربية يقوم بثلاثة أعمال: محاسبة الحكومة، وتشريع القوانين، ومنح الثقة للحكومة أو المصادقة على المشاريع والمعاهدات أو انتخاب الرئيس.

العمل الأول مشروع للنائب ما دام يقوم بهذه المحاسبة بموجب الأحكام الشرعية، أي ما دام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وأما العمل الثاني وهو التشريع فإنه حرام إذا كان هذا التشريع يؤخذ من غير كتاب الله وسنّة رسوله. وأما العمل الثالث وهو انتخاب الرئيس ومنح الثقة للحكومة والمصادقة على المعاهدات والمشاريع، فهو حرام أيضاً لأن الرئيس والحكومة يحكمون بأنظمة غير اسلامية”.

على شبكة الانترنت، ثمة مواقع تجتهد في الدعوة الى دولة الخلافة. أحد هذه المواقع التابع لحزب سياسي اسلامي وضع المخطط الكامل لإقامة هذه الدولة فيعرّف بالخليفة وكيفية انتخابه وصلاحياته وكيفية عزله، وبـ”معاون التفويض” الذي يلي الخليفة في الرتبة ويفوض اليه الخليفة “تدبير الامور برأيه واجتهاده”. ويعرف الموقع ايضا بـ”معاون التنفيذ” وهو “واسطة بين الخليفة وغيره”، و”امير الجهاد” الذي يدير اربع دوائر هي: الحربية والخارجية والامن الداخلي والصناعة. ويعرّف الموقع الزائرين بـ”الجيش” الذي يستوعب في صفوفه كل مسلم يبلغ الخامسة عشرة من عمره لأن الجهاد في سبيل الاسلام هو فرض عين على كل من بلغ هذه السن. ويعرض لـ”القضاء” و”الولاة” و”الجهاز الاداري” في “دولة الخلافة الرشيدة” وكل هذه المعلومات تندرج تحت عنوان “مشروع دستور دولة الخلافة الرشيدة”. يتطرق الموقع في صفحات اخرى الى امجاد الخلافة وانجازات الخلفاء وانتصاراتهم والى حال الإسلام في ظلهم.

في الردّ على التطرف

يتبرع اصحاب مواقع الانترنت التي تدعو الى إقامة الدولة الاسلامية (سواء بالطرق السلمية او بالعنف) بالرد على كل اتهام مسبق بمقولة شبه موحدة مفادها ان “دول الكفر اعلنت العداء للاسلام. واخذت تحاربه وتحارب حملته والعاملين لإعادته إلى الحياة والدولة والمجتمع. وسخّرت دول الكفر عملاءها من حكام البلاد الاسلامية، وعلى رأسهم حكام البلاد العربية، ومن استأجروهم من العلمانيين المأخوذين بالحضارة الغربية لمهاجمة الإسلام كنظام للحياة، وتشويه احكامه، والافتراء عليه”. في هذه المقولة شبه الموحدة بين المواقع الاصولية الاسلامية الداعية الى اقامة الدولة الاسلامية، يبدو واضحا من هم اعداء الاسلام بالنسبة الى الاصوليين:

دول الكفر. هذه العبارة ترد دوما عند الاشارة الى الدول الغربية او الدول التي يعتنق اهلها دينا غير الاسلام. وهي ترد في الاسئلة التي يوجهها زوار المواقع الالكترونية الى المفتين، فيسألون عن قضايا تتعلق بمعيشتهم في دول الكفر التي يعملون فيها ويحملون جنسيتها في بعض الاحيان، ويستفيدون من التقديمات الاجتماعية التي تقدمها لهم المؤسسات في الدولة الكافرة.

أما عملاء دول الكفر، فهم حكام الدول الاسلامية والعربية، والعلمانيون من ابناء هذه الدول الذين وجدوا في انظمة الدول الكافرة مثالا يريدون احتذاءه في بلدانهم.

إسأل، نفِّذ، لا تعترض

مواقع الانترنت الخاصة بالفتاوى الاسلامية التي تعج بالزوار، قد تكون الاكثر اكتظاظا على مواقع الانترنت في العالم العربي. لحظة زيارة هذه المواقع (أيّ موقع من ألوف المواقع) تجد ما يزيد على عشرين زائرا غيرك يتصفحون مواضيعه. لمعرفة كم هو هائل هذا الرقم لا بد من الاشارة الى أن أي موقع إخباري عالمي وشهير لن يتلقى في اللحظة الواحدة أكثر من زيارة أربعة او خمسة أشخاص.

زوار مواقع الفتاوى هم عينة أوسع بكثير من عينة زوار المواقع الاسلامية السياسية، فهؤلاء من جميع الطبقات ومن مختلف الفئات العمرية ومن جميع الدول العربية والاسلامية، ولا شروط على دخولهم المواقع. مجرد التساؤل عن مدى موافقة عمل ما للقواعد الدينية هو سبب للدخول الى ذلك الموقع للحصول على فتوى. والفتوى تأتي من مفتٍ موثوق به ولا رادّ لها ولا نقاش حولها، وعلى طالبها التزامها، وهو سيلتزمها طالما انه قام بعناء طلبها.

عالم الفتاوى على شبكة الانترنت يريح العقول من كل تفكير. الحياة كلها هنا على شاكلة سؤال وجواب في المعادلة الآتية: إسأل، نفِّذ، لا تعترض. لا يحتاج أي فرد الى كبير عناء لحل مشكلته مهما يكن نوع هذه المشكلة، سواء أكانت نفسية ام اجتماعية ام جنسية ام مالية ام لها علاقة بالحسد والعين والسحر والجن، ام كانت ترتبط بتساؤلات حول اعمال آثمة قام بها، ام حول التوبة، وكل ما يتعلق بأداء الفروض الدينية.

بعض هذه المواقع تقدم إجابات عن الاسئلة من مفتين معروفين كالقرضاوي والباز (قبل وفاة هذا الأخير) وغيرهما من المفتين في الديار والبلاد الاسلامية على امتداد العالم. ومنها مواقع يفتي فيها رجال دين غير معروفين وليس ما يؤكد صحة فتاويهم او الجهة التي خولتهم الافتاء في امور الحياة والعيش وتدبر العلاقات واقامة العبادات وتربية الاولاد ومعاشرة الزوج وادارة الاموال…الخ. هذا التنوع في الافتاء والمفتين لا يشكل أي تأثير على طالبي الفتوى، ولا يقلل من اعدادهم في هذا الموقع الالكتروني او ذاك. فطالبو الفتاوى تزيد اعدادهم على عشرات الالوف وربما مئات الالوف من زوار الشبكة الالكترونية. وفي بعض الحالات يحيل المفتي السائل على فتوى قديمة كان قد اجاب فيها عن احد الذين سألوا السؤال نفسه.

نماذج من الأسئلة والفتاوى

تكتظ مواقع الانترنت بمئات الألوف من الفتاوى التي تطاول مواضيع الحياة كلها، ويتم توزيعها في الموقع على نحوٍ يمكّن الزائر من تصفحها بسهولة. او بأقرب ما يستطيعه من السهولة. مثلاً، باب عن العلاقة بين المخطوبين، او عن الوسواس، او عن الطهارة، او عن التحادث الالكتروني. في كلٍّ من هذه الابواب مجموعة من العناوين الداخلية. ففي باب المخطوبين، توجد فتاوى عن مرحلة ما قبل الخطبة واخرى عما بعدها، واخرى عن علاقة الخاطب بأهل الخطيبة، وباب عن العلاقة الجنسية بين الخطيبين، وباب عن صحة الملامسة اثناء الخطبة، وباب عن صحة المراسلة بالهاتف بين الخطيبين. كل باب يشتمل على عناوين فرعية تشتمل بدورها على فتاوى بالمئات. فعلى سبيل المثال يمكن السائل ان يطلب فتوى حول الوقت الذي يجب ان يمضيه مع خطيبته على الهاتف (في باب الهاتف) او عن عدد المرات التي يحق له فيها زيارة خطيبته بموافقة اهلها (في باب الزيارات). يمكن القول ان عالم الفتاوى اشبه بشجرة تتصاعد من الجذور ثم الى الجذع الذي تتفرع منه الاغصان الكبيرة والاغصان الصغيرة ثم الاوراق التي تنتشر على هذه الاغصان. الاوراق هي الفتاوى، والجذور هي موضوع واحد: الزواج مثلا. وعليه فإن عالم الفتاوى هو غابة بلا بداية ولا نهاية.

فتوى العطر

سؤال: هل يجوز للمرأة التعطر حتى في بيتها في وجود أجانب عنها؟
فتوى: لا يجوز للمرأة أن تتعطر مع وجود رجال أجانب يجدون (يشمّون) ريح عطرها، سواء أكان ذلك في بيتها أم خارجه، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: “أيما امرأة استعطرت فمرّت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية”.

فتوى السفر

سؤال: ما حكم السفر إلى بلاد الكفار؟ وحكم السفر للسياحة؟
فتوى: السفر إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا بثلاثة شروط: أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات. أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات. وأن يكون محتاجاً إلى ذلك. اذا لم تتم هذه الشروط فإنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار لما في ذلك من الفتنة أو خوف الفتنة وفيه إضاعة المال.

الشهوات

سؤال: أنا متزوج من امرأتين، أحبهما كثيرا. يسود بين زوجتيَّ جوّ من المحبة والحمد لله. أريد أن أسأل عن حكم الشرع في مجامعتهما معا في آن واحد حيث كان ذلك بطلب منهما، وأشهد أني قمت بذلك ولا أنكر أني سعيد بذلك كحال زوجتيّ، فما حكم الشرع في ذلك؟

جاء جواب المفتي بالتحريم، لان المرأة لا يمكنها رؤية عورة إمرأة أخرى.

سؤال: أعيش في بلد غير البلد الذي تعيش فيه زوجتي، ونحن نتكلم عبر الانترنت. وأحيانا، وذلك لعدم مقدرتي على كبح جماح شهوتي، اطلب من زوجتي أن تخلع حجابها. ووصلتُ إلى حد اردتُ رؤيتها عارية، وأخبرتها انها حلال عليّ، لكنها مصممة على الرفض. فيا حبذا أن ترشدوني هل ما أقوم به فيه شيء من الحرام؟

فتوى: حرام، لأن ذلك يؤجج الشهوة اكثر فأكثر.

الموسيقى

سؤال: أنا إنسانة ملتزمة والحمد الله ولكنني أحب الأغاني كثيرا. أجاهد كي لا أسمعها ولا أقوم أبدا بمشاهدة قناة للأغاني، ولكن المشكلة أن أهلي كلهم يسمعون الأغاني ولا يقتنعون أنها حرام، ودائما يشاهدونها في التلفزيون ويستمعون اليها من آلة التسجيل سواء في المطبخ أو في الغرف أو في أي مكان. فهل عليَّ اثم؟ المشكلة أن الوقت الوحيد الذي أرى فيه أبي في الليل بعد عودته من العمل يكون منشغلاً بمشاهدة قناة “روتانا”، فأضطر الى مجالسته. فهل أنا مذنبة؟ أم يجب أن أبتعد عن أهلي وأجلس في حجرتي بعيدا عن سماع الأغاني التي أسهو أحياناً وأندمج معها؟

فتوى: يجب أن تعتصمي في غرفتكِ، ولا تختلطي بأهلكِ لأن الموسيقى من الشيطان.

التدخين والتصفيق

سؤال: زوجي لا يصلّي ويدخن السجائر والمعسّل ويتكلم مع اصدقائه عن اسراري، وهذا يضايقني كثيرا واشعر اني لا اطيقه واعامله معاملة قاسية فهل انا آثمة على فعل ذلك؟

فتوى: عليك أن تطيعي زوجك وتعامليه بالمعروف. إن كان لا يصلّي مطلقا فلا يجوز الجلوس معه ويجب الفراق.

سؤال: ما حكم التصفيق للرجال في المناسبات والاحتفالات؟

فتوى: التصفيق في الحفلات من أعمال الجاهلية وأقل ما يقال فيه الكراهة، والأظهر في الدليل تحريمه لأن المسلمين يُنهَون عن التشبه بالكفرة.

سؤال: ابن عمي يبلغ من العمر 22 عاماً وانا بكل صراحة احبه حبا شريفا والله يعلم ما في قلبي. سيذهب الى الخدمة العسكرية لمدة 6 أشهر وأريد ان أهدي اليه هدية، ولكن ليس بنية اني احبه، بل لأنه ابن عمي، وهي عبارة عن قرآن فقط، فهل يجوز ذلك؟ (المرسلة: فراشة الجنة)

فتوى: لا ينبغي هذا الفعل لأنك أجنبية عنه، وعليك – بارك الله فيك – أن تجاهدي نفسك في عدم إظهار هذا الحب له. وأن تنشغلي بما ينفعك من أمور دينك ودنياك. وعلقي قلبك بمولاك بالتزام طاعته والاستقامة على دينه، فإنه خير لك في الدنيا والآخرة. والله أعلم.

فتاوى القرضاوي

لا تكتفي الفتوى بالتخفيف عن المؤمنين من شر الثواب والعقاب المنتظر، بل ترسم لهم سياسات حياتية مستدامة، قد تؤثر في سياسات الدول التي يعيش فيها طلاّب الفتاوى، خصوصا اذا كانت تلك الفتاوى صادرة عن مفتٍ معروف وصاحب نفوذ وموقع ديني كبير.

رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وصاحب برنامج الفتاوى الشهير عبر قناة “الجزيرة” الشيخ يوسف القرضاوي، من أصحاب النفوذ والطاعة. كان قد أفتى بجواز حصول المغاربة على قرض من بنوك ربوية من أجل شراء مسكن، طالما انه لا وجود في المغرب لبنوك إسلامية. وكان في تعليله لفتواه قد قال إن المجلس الأوروبي للإفتاء أصدر فتوى تجيز للأقليات المسلمة في أوروبا شراء بيوت للسكن من طريق القروض البنكية. وأن الأساس الذي بنيت عليه الفتوى للأقليات المسلمة في أوروبا، ينطبق على الإخوة في المغرب، ما دامت الأبواب مسدودة أمامهم لامتلاك بيت من طريق غير طريق البنك.

هذه الفتوى التي أراد منها الشيخ القرضاوي تسهيل القروض المصرفية على المغاربة، على رغم أنها محرّمة شرعا، أثارت حفيظة علماء الدين المغاربة والاحزاب المغربية، لانها وضعت المغرب في مصاف الدول الكافرة كالدول الاوروبية. فوصفت صحيفة “الاتحاد الاشتراكي” الناطقة بلسان حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الفتوى قبل سنتين، بأنها تسيء الى المغاربة، وتجعل من المغرب “دار كفر”، وأن القرضاوي تطاول بفتواه على “مؤسسة إمارة المؤمنين”. وأضافت الصحيفة أن القرضاوي أساء الى المغرب والمغاربة عندما لمح إلى أن التشريع المغربي تشريع علماني غير إسلامي.

لمنع تطور الجدال بين الاحزاب الاشتراكية والاسلامية في المغرب، ولحسم موضوع الفتوى من وجهة نظر فقهية صرفة، قررت لجنة الإفتاء التي عيّنها العاهل المغربي محمد السادس والتابعة للمجلس العلمي للإفتاء، أن تعقد اجتماعا طارئا للنظر في الفتوى التي تبيح للمغاربة الاقتراض من البنوك الربوية اضطرارا للحصول على سكن، استنادا إلى فتاوى سابقة أباحت الأمر نفسه بالنسبة الى المسلمين المقيمين في دول غير إسلامية.

أخيراً، هذه الفتوى المعبّرة من فتاوى الشيخ القرضاوي.

سؤال: قدم إلى خطبة ابنتي شاب عرفت من تاريخه أنه كان شيوعيا، ولا يزال مصراً على شيوعيته، فهل يجوز لي شرعاً أن أزوّجه ابنتي، نظراً الى أنه من الناحية الرسمية يدين بالإسلام وأسرته مسلمة، ويحمل اسماً إسلامياً، أم يجب عليَّ أن أرفضه، لفساد عقيدته؟

فتوى: إذا كان الإسلام لم يجز للمسلمة أن تتزوج بأحد من أهل الكتاب – نصراني أو يهودي – مع أن الكتابي مؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر في الجملة، فكيف يجيز أن تتزوج رجلاً لا يدين بألوهية ولا نبوة ولا قيامة ولا حساب؟.

إن الشيوعي الذي عرفت شيوعيته يعتبر في حكم الإسلام مارقاً مرتدّاً زنديقاً، فلا يجوز بحال أن يقبل أبٌ مسلم زواجه من ابنته، ولا أن تقبل فتاة مسلمة زواجها منه وهي ترضى بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، وبالقرآن إماماً.

وإذا كان متزوجاً من مسلمة فيجب أن يفرّق بينه وبينها، وأن يحال بينه وبين أولاده، حتى لا يضلّهم، ويفسد عليهم دينهم.

وإذا مات هذا مصرّاً على مذهبه فليس بجائز أن يُغسل، أو يُصلّى عليه، أو يُدفن في مقابر المسلمين ¶

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق