دور الإعلام والمثقفين العرب في تحويل الثورات إلى فتن دينية

يتعرض المواطن العربي العادي الى شتى أنواع غسل الأدمغة، ويتلقى تبسيطات اختزالية إعلامية للأوضاع المعقدة في الأقطار العربية التي تمرّ بموجة ثورية ضخمة، أصبحت تُلهم بعبقريتها وجرأتها انتفاضات شعبية في بلدان عديدة من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب ومن أقصى الغرب الى أقصى الشرق من الكرة الأرضـية. وإذا كانت من ميزة في هذه الحركات الشعبية فهي جمع فئات الشعب العمرية والاجتماعية والمهنية في حركة واحدة، مطالبها الرئيسية هي الكرامة والعدالة والخبز والقضاء على الفساد وتأمين الحريات العامة الأساسية وتداول السلطة. وهذه الشعارات لا غبار عليها وهي محط إجماع، لأنها ليست عقائدية الطابع ولا حزبية ولا دينية ولا مذهبية.

 

والحقيقة ان الشعوب العربــية قد أنتجت من وراء معاناتها الطويلة في العقود الأخيرة، أسلوبا ثورياَ جـديداَ أدهــش العالــم كما أذهل بطبيعة الحال القـيادات العربية المُحتكرة للسلطة، أكان النظام ملكياً أو جمهورياً، وهي قيادات تُجدد للبقاء في الحكم لنفسها أو لأبنائها تلقائيا. وجاء ردّ الشعوب مدوياً، إذ استفاقت معـظم شرائح المجــتمع بعد ان قام محمد بوعزيزي في الأرياف التونسية بحرق نفسه، بعد ان ضاقت أمامه سُبُل العيش الكريم وتعرضت كرامته للإهانة المتواصلة.

 

ويا للعجب أمام هذه الأحداث الجليلة والمجيدة التي أصبحت تنتشر في أقطار عربية عديدة، اذ نرى بعد أشهر قليلة تعميم التحليلات المغرضة حول الظواهر القبلية والإقليمية داخل كل قُطر، والدينية عند وجود ديانتين في المجتمع الواحد كالإسلام والمسيحية، أو مذهبية في ما بين الطوائف الإسلامية نفسها، كمفتاح لفَهم ما أصبح يعترض تلك الثورات من مشاكل تشوبها أنواع مختلفة من العنف والانحراف عن سلمية التحركات الشعبية. هكذا يتمّ اختزال أوضاع معقّدة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية، أكثر مما هي دينية أو مذهبية، خاصة في المجتمعات التي تتميز بالتنوع الديني والمذهبي، وكأنها مجرد أحداث نابعة عن جوهرانية انتماءات هويتية ناهيك عن تضخيم العامل القبلي في التحليلات التفسيرية لانفجار ظواهر العنف، وذلك بالرغم من التطورات العميقة الحاصلة في مجتمعاتنا العربية والتي همّشت العصبيات القديمة وجعلت من الانتماء القبلي أو التحدّر من عشائر وعائلات مترامية الأطراف والمتعددة دينياً ومذهبياً في بعض الأحيان، مجرّد انتماء اجتماعي كالانتماء المهني أو الرياضي؛ وليس انتماءً شمولي الطابع ذا عصبية عمياء ومطلقة، كما يصوّره المستشرقون الغربيون ومَنْ يتبع منهجهم التحليلي من الإعلاميين والمثقفين العرب.

 

ويمكن ان يُوَجَّه الانتقاد نفسه في كثير من الأحيان الى التحليلات المبنية حصراً على إبراز شتى أنواع الانتماءات الأخرى، كما في حال الأمازيغية أو الكردية. وللعرب إجمــالا انتماءات هويتية مختلفة، لكن الإصرار على وصف أي إنسان في المشرق أو في المغرب العربي بهوية أحادية الجانب ومطلــقة، وكذلك تضخيم الفروقات والتناقضـات في ما بين الانتماءات المختلفة على حساب كل العناصر المشتركة للمجموعات البشرية القاطنة في العالم العربي، في الأدبيات الأكاديمية كما في جميع وسائل الإعلام، يخلق حتما جواً من الفتنة والتوتر والكره بين أبناء المجتمع الواحد. ومع تكاثر التحليلات المركزة على عنصر تفسيري واحد، ديني أو مذهبي أو لغوي أو قبلي /عشائري/ عائلي، لما يحدث في بعض الساحات العربية من ظواهر عنف متواصلة، يُرسّخ عند الناس أكثر فأكثر جو الفتنة والعنف الذي توّلده كثافة مثل هذه التحليلات، خاصة من خلال وسائل الإعلام البصرية.

وهكذا أصبحت ـ كما يروّجون ـ قضية الثورة في البحرين قضية شيعة يناهضون سُنة، في اليمن زُج بالقاعدة وأخواتها، وبالقبلية والاختلافات بين الشمال والجنوب، وقبل ذلك قضية الحوثيين كفرقة دينية افترض انها تحت النفوذ الإيراني المعادي للعرب السّنة؛ وفي ليبيا يُحلل الصراع كصراع مزمن للقبلية وللإقليمية بين غربها وشرقها، وفي السعودية تُفسّر الاحتجاجات الشعبية في شرق البلاد على انها قضية أقلية شيعية؛ وفي سوريا قضية أقلية علوية مقابل أغلبية سنية مغلوبة على أمرها وأقلية مسيحية خائفة. وهذه التحاليل الاختزالية المبسطة حول أوضاع معقدة تحول دون النظر الى القضايا والمشاكل الوضعية الحقيقية وتحجب رؤية وتحديد القوى المختلفة المعادية للتغيير، محلياَ وخارجياً، العاملة لتخريب مسار الثورات العربية وسلاحها الوحيد والفتّاك هو إثارة النعرات القبلية والطائفية.

 

ولنتذكر هنا الأوضاع اللبنانية في بداية السبعينيات والغليان الثوري الذي كان موجودا حينذاك في لبنان، متمحورا حول الوجود الفلسطيني المسلح والتوق الى تحرير الأراضي المحتلة من الكيان الصهيوني، وكيف نجحت الى حدّ بعيد القوى المعادية للتغيير في المنطقة العربية كما في الدول الغربية في جعل قضية الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان ومخاطره ومشاكله ـ وهي قضية وضعية واقعية لا علاقة لها بالأديان والمذاهب ـ مجرد قضية طائفية حادة بين مسلمين ومسيحيين؛ وذلك بالإضافة الى الحقيقة الميدانية حيث كان العديد من المسيحيين في المعسكر «الوطني» المؤيد للكفاح المسلح الفلسطيني والآمل بتفجير ثورة عربية شاملة تساعد على تحرير فلسطين من جهة؛ ووجود العديد من المسلمين المتبرمين من عواقب العمل الفلسطيني المسلح في الأراضي اللبنانية بسبب سياسة الانتقام العسكري الإجرامي التي كان يمارسها الجيش الإسرائيلي ضدّ اللبنانيين والفلسطينيين على السواء، أو الرافضين للأفكار القومية والاشتراكية والمدّ الثوري المعادي للاستعمار الغربي، من جهة أخرى.

واليوم، ألا يقوم العديد من الإعلاميين والمثقفين العرب، بتبسيط الوضع السوري المعقّد على انه صراع بين أقلية علوية وأغلبية سنية، بينما سَبَب الانتفاضة الرئيسي هو الوضع المعيشي المتدهور لدى فئات واسعة من الشــعب السوري بعد سنين من الجفاف المتواصل في الأرياف، وكذلك تحمّل الاقتــصاد السـوري عبء أكثر من مليون لاجئ عراقي، بالإضـافة الى سياسة انفتاح اقتصادي غير مدروس استفاد منه القلّة على حساب الفئات المحدودة الدخل. كل هذه العوامل تفسر الى حدّ بعيد الحراك الشعبي الذي يتمركز في المناطق الريفية الطابع بشكل رئيسي، كما يتمركز في مدينتي حمص وحماة حيث تمّ منذ 30 سنة انتقام مروع لانتفاضات أخذت طابعا دينيا سلفيا. وينسى العديد من المحللين ان النظام السياسي السوري كان قائما على تحالفات اقتصادية متينة مع فئات واسعة من البرجوازية من كل الطوائف، وبالإضافة أيضا الى قمعه الرهيب لمعارضة العديد من الديموقراطيين المنتمين الى المذهب العلوي وزجهم بالسجون سنين طويلة.

 

وكما كان قد انحرف التــحليل لأزمات لبنان في الماضي وفي سوريا اليوم، تحوّل أيـضا تحليل الوضع العراقي قبل الغزو الأميركي بأشهر معدودة الى مجرد قضية عرقية بين العرب والأكراد من جهة، وقضية مذهبية بين أقلية سنية تضطهد أغلبــية شيــعية من جهة أخرى. وكأن لم يدخُل حزب البعث ويناضل فيه العديد من المواطنين والشخصيات الشيعية الذين احتلوا أيـضا مراكز مرمــوقة في الدولة والسلك الخـارجي وحــزب البعث. أما نظام صدام حسين فلم يفرّق في قتل المعارضين له أكانوا سنة أم شيعة؛ بل في مثل هذه الحالات تقوم الفئة الحاكمة في أغلب الأحيان بضرب، بالأولوية، أية معارضة تخرج مما يفترض انها قاعدتها المذهبية أو العرقية أو القبلية.

 

وألا يعيب على الإعلاميـين والمثـقفين الـعرب ان يروا أيادي الجمهورية الإيرانية الإسلامية في كل تحرك شعبي يسود فيه عدد كبير من مواطنين من فئة مذهبية غير سنية، أي بالتحديد «العنصر الشيعي»، وكأن فئة من المواطنين العرب لا يمكن ان تتمتع بمـشاعر ذاتية وبأسباب وضعية وحقيقية للتذمر والتظاهر خارج أوامر يتلقونها من الخارج. ولنتذكر أيضاً في هذا الخصــوص مجدداً الحالة اللبنانية المأساوية ما بين 1975 و1990: أَلَم يحلل العديد من المثقفين والإعلاميين العرب أن الصراع هو مجرد اقتتال ديني بين المسيحيين والمسلمين؟ وذلك الى درجة ان البعض لم يَرَ في المسيحيين اللبنانيين إلا «طابوراً خامساً» يعمل لمصلحة الدول الغربية «المسيحية» ولإسرائيل، بالرغم من النضال العروبي والتحرري والمعادي للاستعمار والصهيونية الذي قام به العرب المسيحيون منذ القرن التاسع عشر؛ وكأن المسيحيين بقايا حملات الإفرنج الصليبية وليسوا السكان الأصليين في المشرق العربي. ان مثل هذه القراءة التبسيطية للأحداث آنذاك قد ألهت العرب عن الدفاع الصحيح عن القضية الفلسطينية، متحدين غير متفرقين.

 

ولا بدّ هنا من التذكير بالخطأ الإعلامي الجسيم الذي ارتكبته منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات وحلفائه في الحركة الوطنية اللبنانية بالتهـجّم على النظام السوري وتدخله العسكري في لبنان في ربيع 1976 على أساس انه «نظام علوي عـميل»، بدلا من نقد أخطاء هذا النـظام بموضوعية بغض النظر عن الهوية المذهبــية لرئيس الدولة التي لا تفسّر تصرفه، وهو تصرف أملته اللعبة الإقليمية المعقدة والتدخلات العــديدة في شؤون لبنان من قبل الكيان الصهيوني وأنظمة عربية أخرى. وفي الظروف الإقليمية واللبنانية حينذاك، لكانت سوريا تدخــلت حتما في لبنان، ولو كان رئيسها من السنّة حفاظا على الموقع الإقليمي لسوريا ومنعا لاستغلال الساحة اللبنانية لزعزعة الاستقرار في سوريا.

 

وبمثل هذا المنطق وبشكل لا واع أصبح العديد من المحللين والإعلاميين العرب يعتمدون المنطق الصهيوني الهادف الى تفتيت الأقطار العربية التي تتميز بالتعددية الدينية والمذهبية الى كيانات مبنية على هويات فرعية لا علاقة لها فعلياً بالأمور الدنيوية الموضوعية المعقدة التي نتخبط فيها، مما يُضفي شرعية لوجود الكيان الصهيوني ألإقصائي المبني حصراً على الهوية الدينية.

وفي الحقيقة يبدو لي، بعض الأحيان، اننا نحوّل بأيدينا الثورات الشعبية الجديدة التي اندلعت منذ بداية السنة الى فتن بين أبناء الشعب الواحد، وذلك بتأثّرنا بالتقاليد الاستشراقية التي لم تنظر الى المنطــقة العربية إلا عبر قبائلها وأديانها ومذاهبها ومجموعاتها العرقية أو اللغوية. وتكمن الخطورة اليوم في تعميم النظرة الاستشراقية التي كانت محصورة بالدوائر الأكاديمية الغربية وقد أصبحت متأصلة لدى العديد من المثقفين والإعلاميين العرب، سواء من خلال دراستهم في الجامعات الغربية أو التحاقهم بالتيارات المعادية للثورات التغييرية التي نحتاج إليها لكسر جمودنا العلمي والتكنولوجي والحضاري والفكري.

ألم يتبادر الى ذهن أحد في هذا المضمار ان التمجيد للنموذج الإسلامـي التركـي والدعوة الى اعتماده في المجتمـعات العربيـة ليـس قابلاً للتطبيق في ظل أنظمة تأصلت فيها المرجعية الدينية لتبرير الحدّ من الحريات وعلى رأسها حرية الاجتهاد في النصوص والعادات الدينية وهي أُم الحريات؛ مع الإشارة الى ان تجربة حزب العدالة والتنـمية التركي لم تـكن لتنجـح لولا الفصـل التـام الذي قـام به مصطفى كمال في تركيا بين الدين والدولة على أثـر القـضاء على نظام الخلافـة، ممـا سمح لتركيا بأن تتجدد وتنهض على أنقاض السلطنة العثمانية. أما المجتمـعات العربية وقد أصبحت تتكل أكثر وأكثر على المرجعية الدينية لإدارة أنظمة الحكم، خاصةً بعد فشل التجربة الناصـرية التحديثـية، وتقـوقع الهوية العربية على هوية إسلامية الطابع بتـلاوين متعـددة ومتشـددة ومتناقضـة مما قيّد حركية المجتمع ومـما أدى أيـضاً الى توترات وتعميم جوّ من المزايدات والغـلوّ الديني.

للبحث تتمة

 

2

 

إن تكاثر الكلام، يمينا وشمالا، بحق أو بدون حق، حول خوف العرب المسيحيين، قد أصبح ملهاة أخرى يحول دون وعي جو التوتر والفتنة بين المذاهب الإسلامية نفسها. والحقيقة هي ان القضية الرئيسية هنا ليست قضية مسيحيين أو سنة أو دروز أو شيعة أو علويين، بل هي قضية الحفاظ على التعددية الدينية والمذهبية العظيمة التي امتازت بها على مرّ العصور المجتمعات العربية وبعض المجتمعات الإسلامية الأخرى، وذلك على خلاف ما كان قد أصاب الأنظمة السياسية الأوروبية التي عملت للقضاء على التنوع، تارة باسم الدين وطورا في العصر الحديث باسم العرق أو القومية النقية. وقد وظّفت أوروبا الاستعمارية الدين الى ابعد الحدود في هيمنتها على العالم الخارجي وزعزعة كيان السلطنة العثمانية المتعددة القوميات والديانات عبر استغلال التنوع الديني والعرقي في كل أقاليمها والادعاء بحماية «الأقليات»، ما أدى في نهاية الأمر الى المجازر البشعة في نهاية الحرب العالمية الأولى بين الأتراك والأرمن واليونانيين القاطنين في الأناضول منذ قرون طويلة وتهجير العنصر غير التركي قسريا خارج حدود الدولة التركية الحديثة.

 

وتجدر الإشارة هنا الى ان كلمة «أقلية» هي حديثة الطابع وهي مستوردة من القاموس الأوروبي العائد الى القرن التاسع عشر عند إقامة نظام الدولة ـ الأمة بهوية واحدة وأحادية الجانب، مما حوّل العديد من المواطنين غير المنتمين الى مثل هذه الهوية الى «أقلية» بالمعنى العنصري، ينظر اليها سياسياً واجتماعيا بنظرة الشك والريب في ولائها الوطني. وقد أصبحت قضية الأقليات في أوروبا مدخلاً الى تدّخل دولة في شؤون دولة أخرى بحجة حماية الأقليات. وهذا المنهج طُبق في علاقة الدول الأوروبية مع السلطنة العثمانية لإضعافها ثم تفكيكها. والجدير بالذكر هنا، أن في تراثنا العربي لا يوجد مثل هذه الثنائية العنصرية الطابع بين أغلبية دينية أو لغوية أو مذهبية، وأقلية مختلفة بالدين أو اللغة أو المذهب، بل لدينا مفهوم «الملة» وهو يؤكد على قبول العرب والمسلمين خلال تاريخهم للتعددية الدينية والمذهبية. أما حذفه من قاموسنا فهو نتاج استيرادنا لإشكاليات التاريخ الأوروبي في ثقافتنا العربية الحديثة المتميزة إما بالاستشراق السياسي المتصل بالحملات الاستعمارية الغربية وبالصهيونية، وإما بالغلوّ الديني كردة فعل سلبية تجاه تأثير الثقافة الغربية في المنطقة، والذي يُنسينا تقاليدنا العريقة الماضية في قبول التعددية الدينية والمذهبية؛ وهو فوق ذلك مناف لجوهر الدين الإسلامي ووسطيته واعتداله.

 

لذلك فإن امتلاء الجو الإعلامي والتحاليل السياسية باختزال ما أصبح يعتري الأوضاع الثورية العربية من ظواهر عنف ومن الخوف على انها قبلية وعرقية وطائفية ومذهبية لهو بالفعل امتداد لما يحصل في منطقتنا العربية والشرق أوسطية من فتن فتاكة بين أبناء المجتمعات العربية المختلفة لصالح قوى الهيمنة الخارجية والقوى المحلية المحافظة والمتحالفة مع الخارج والمستغِلة في كثير من الأحيان اقتصاديا واجتماعيا لخيرات شعوبنا وهي تقف حجر عثرة أمام إمكانية أي تغيير جذري.

 

ونحن اللبنانيين يُفترض فينا ان نكون قد وعينا هذه اللعبة القذرة حيث ان لبنان كان أول ضحية لها بين 1840 و1860، عندما قامت كل من فرنسا وانكلترا بتهيئة الجو لمجازر طائفية بالاتفاق مع أعيان الطائفتين المارونية والدرزية لصدّ حركة العاميات الفلاحية التي أصبحت تهز سيطرة هؤلاء المتحالفين مع الخارج. ومن المستغرب فعلا انه برغم تكرار الفتن الداخلية اللبنانية في عام 1956-1958 وبين عامي 1975- 1990 لم نتعلم بعد قواعد هذه اللعبة البشعة لنقضي عليها بشكل نهائي. بل بالعكس، فإننا اليوم نتخذ مواقف متفرقة متباينة متناقضة مما يحصل في سوريا أو البحرين أو اليمن ونحلل في كثير من الأحيان أوضاعها المؤلمة بالمنظور الطائفي المذهبي المحض، بدلا من المساهمة في التحليل الرصين الذي يبتعد عن المقولات المذهبية كمفتاح وحيد، بل أوحد، لتفسير ما يجري فيها.

 

أما الأحداث المؤلمة والمتصاعدة التي يتعرض اليها المواطنون الأقباط في مصر الذين أصبحوا في جو الحرية الجديدة يطالبون بإزالة القيود على بناء الكنائس وترميمها وعلى حماية الحرية الدينية وأماكن العبادة، ويبدو انه بالرغم من سقوط رأس النظام وأعوانه الرئيسيين فإن لعبة إثارة الفتنة الطائفية في مصر ما زالت سارية كما كان واضحاً من الأحداث التي حصلت في الأيام الأخيرة، كما من الأحداث المتتالية التي أدّت في أحيانٍ كثيرة الى صدامات في الشارع بين عناصر سلفية متعصبة ومتظاهرين من الأقباط وإلى جانبهم مواطنون مسلمون من أنصار الحرية والمساواة. وخلال الأحداث المؤلمة التي حصلت في يومي 9 و10 تشرين الأول/ أكتوبر بين متظاهرين من الأقباط والجيش المصري كان واضحاً ان «البلطجية» لعبت فيها دوراً خطيراً؛ ومن اللافت للنظر ان عدداً كبيراً من الصدامات بين الأقباط والمسلمين تحصل في مناطق ريفية فقيرة حيث هناك شح في الموارد الى جانب وجود عناصر قليلة من السلفيين المتعصبين لا يروق لها وجود مواطنين متأصلين من ديانة غير الديانة الإسلامية. وقد حصل ذلك ايضا في الإسكندرية أكثر من مرة لأسباب غير واضحة أو مفهومة. وبطبيعة الحال يصعب على أي إنسان عاقل ان يفهم كيف أن دولة بسطوة الدولة المصرية وأجهزتها الأمنية الضخمة غير قادرة على حماية أمكنة العبادة القبطية، او لا تتمكن من الحؤول دون تناحر الفقراء من الأقباط والمسلمين في الأحياء الشعبية او الفقيرة من العاصمة أو في الأرياف، فهذه لعبة مكشوفة تُلهي المصريين عن قضاياهم الأساسية وتربك القوى المدنية الثورية وتزيد الطين بلة اذ تظهر الثورة المصرية كأنها مسؤولة عن حالة الفوضى الأمنية واضطهاد «الأقلية» القبطية.

 

والجدير بالذكر هنا، ان الرئيس «أوباما» عند إلقاء خطابه في القاهرة في شهر حزيران 2009، قد أبدى اهتمامه بحماية «الأقليات» وذكر بالاسم طائفة الأقباط وطائفة الموارنة. وكالعادة كلما يدعي قائد دولة غربية قوية حماية أقلية ما، فهذا يعني تعرضها لعدم الاستقرار والفتنة مع أبناء الطوائف الأخرى، وفي المحصلة مزيد من الهجرة الى الخارج وتبرير السياسات الصهيونية في قمع وتهميش الشعب الفلسطيني ومصادرة أراضيه بحجة حماية الأقلية اليهودية في الشرق الأوسط القاطنة في «بحر إسلامي معادٍ».

 

اننا ندعو هنا الى وضع شرعة شرف في الإعلام العربي ولدى المثقفين بألاّ يتوغل في منظور تحليلاتهم ونظام إدراكهم التقسيمات الاستشراقية العنصرية الطابع للمجتمعات العربية والإشكاليات الغربية حول الأقليات العرقية والدينية والتعدد الحضاري في المجتمع الواحد. بل من واجب المثقف والمحلل الإعلامي ان يركز على العوامل الاقتصادية والاجتماعية وعلى كبت الحريات المزمن وهي العوامل الرئيسية الموّلدة لظروف العنف في مجتمعاتنا العربية والذي قد يُترجم في بعض الأحيان وبعض المناطق الجغرافية أعمال شغب وقتل تظهر في لباس طائفي أو مذهبي أو ديني او عرقي. وحقيقة مثل هذه الأحداث غير ما تظهر به، وعلينا جميعا ان نقدم على طلب الحرية في الحقل الديني والمذهبي، فالقضية ليست قضية أقلية مسيحية هنا أو أقلية علوية أو شيعية هناك أو سنية في مكان آخر، بل هي أوضاع وضعية موضوعية مختلفة، يزيدها توتراً غياب الحرية الدينية بما فيها حرية الاجتهاد وحرية الإنسان العربي أن يختار دينه ومذهبه ويمارس بعقله حرية الاجتهاد وتجدد الموروث بحيث لا يكبله هذا الأخير، انما يساعده على التحرر من المواطنية المنقوصة والمقيدة للوصول الى مواطنية شاملة يتمكن من خلالها من المساعدة في نهضة مجتمعه وتأمين الحياة الكريمة فيه.

 

وختاما، لا شك ان الثورات العربية قضية مصيرية لأنها تهدف بالدرجة الأولى الى إطلاق الحريات العامة وتثبيتها بما لا رجعة عنه وتأمين كرامة المواطن ونهضة مجتمعه العلمية والتكنولوجية ليتخلص وطننا العربي من التبعية للخارج والحضارة الناقصة أو المقيّدة وصولاً الى الفكر المتحرر المنتج الخلاّق. أما التحليل الطائفي والمذهبي فهو تأبيد حالة التبعية والوهن والتخلف والتأخر في كل الميادين، بما فيها تحرير فلسطين وإعادتها الى حالة التنوع الديني وحرية الإقامة التي كانت فيها منذ أقدم العصور.

 

 

عن جريدة السفير البيروتية نشرت على حلقتين يومي  20و21 /10/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق