دور القادة في بناء وتقدم مجتمعاتهم: نموذج تركيا-أردوغان

هناك منطق فكري له جذور تاريخية موغلة في القدم، ولا يزال ساري المفعول تقريباً وإن بصورة نسبية حتى الآن، بالرغم من نتائجه وتداعياته السلبية التاريخية والعملية التي تأثرت بها مجتمعاتنا العربية والإسلامية على وجه الخصوص.. ولكنه –مع ذلك- يحظى برواج وتأييد عدد غير قليل من الناس والنخب المفكرة في الغرب والشرق على حد سواء، مفاده أن عالم الشرق عموماً وبخاصة عالم العرب هو عالم الجماعة وليس عالم الفرد، عالم طمس معالم الفرد، على حساب قوة ووحدة الجماعة، وعالم الأحلام، والتفكير بالمطلق، وليس عالم النسبي، وعالم الخلود والأرواح والمثل المجردة وليس عالم العقول، وعالم الأبطال والزعماء والقادة الخالدين المؤثرين، بينما عالم الغرب هو عالم الفرد والعقل والشك والنسبية واللا يقين وربما اللا أدرية.. فمثلاً: عندما تسأل إنساناً شرقياً مثلاً عن قوله ورأيه ومعرفته في ورقة الشجر مثلاً يبدأ بالحديث عن جمالها ولونها ووضعها الخارجي، وكيف أن الله خلقها وجعلها بهذا الشكل والمظهر والجمال الحسن.. بينما الغربي يدخل في شرح تفاصيلها الذاتية متحدثاً عن بنيتها الداخلية، ودورها الحيوي في عملية التركيب أو التمثيل الضوئي (الكلوروفيل).. وربما يكتب كتاباً علمياً كاملاً عن هذه الورقة البسيطة والصغيرة..

ويبدو أن لمثل هذه النظرة امتدادات واضحة المعالم حتى في مجال العلوم الاجتماعية والسياسية بالنسبة لمجتمعاتنا الشرقية والمجتمعات الغربية، أي ربما يكون هذا التصور الفكري العام المؤسس لتلك النظرة صحيحاً من حيث النتائج، حيث أن المجتمعات الشرقية لا تزال تعيش تقاليد وعادات وأنماط ثقافية وسلوكية قائمة على التفكر بالعوالم غير المنظورة، تتعبد الشخوص والرموز والقادة والأديان والنصوص، وتبحث عن الدور الفاعل للقادة أو القائد التاريخي في عملية التغيير المجتمعي، كما ولا تزال كثير من تلك المجتمعات ترهن وجودها بأكملها لصالح نخب قيادية فكرية أو دينية أو سياسية، وهذا ما نلاحظه حتى في عمق ثورات الربيع العربي الحالي، حيث التعبد للنصوص والقادة والتاريخ الزاهي التليد.. أي أنه يوجد للقائد الشرقي دور ومكانة ورؤية ومواصفات تكاد تقترب من مواصفات الآلهة عند هذه المجتمعات، وبالطبع كانت هذه النظرة موجودة في التاريخ سابقاً لدى كل المجتمعات البشرية.. ولكن ما اختص به العرب والشرقيون عموماً هو استمرارها حتى فترات قريبة..

 
وربما كان للأديان دور رئيسي هام في تثبيت وترسيخ مثل هذه الأفكار والنمطيات العامة التي تعطي للفرد القيادي الدور الأهم والمحوري في عملية صنع التاريخ، على حساب وجود مجتمع وربما أمرة بأكملها، بحيث يكون المجتمع ككل في موقع المتلقي والمنفعل بسلوكيات وأعمال مثل هؤلاء القادة… ولهذا النمط التفكيري كما ذكرنا أسس ومناخات نفسية وقابليات اجتماعية أيضاً، حيث نلاحظ أن الجماعة هي الأساس والركيزة البنائية الأولى في عالم الشرق وليس الفرد الذي عليه واجب الاندماج إلى حد الذوبان في قيم وأفكار المجتمع والأمة ككل، والأمة على حق دوماً، بينما الفرد على باطل دوماً، ورأي الجماعة وقيمها وأهدافها ومقاصدها العامة واجبة الخضوع والتنفيذ، ولا سبيل لخرقها، أو رفض التعامل معها أو عدم الانسحاق والخضوع لها.. تنفذ من دون نقد أو تفكير ولا مجال إطلاقاً لتغييرها ونقدها.. إنها بمثابة مقدسات وثوابت وأهداف ومثل عليها..

أما في الغرب، فقد انتصرت قيم التنوير، وبدأت عصور الأنوار العقلية، وأقامت الحداثة الغربية وجودها على التجربة الحسية، وزوال السحر من العالم والطبيعة، وأضحى الفرد -كذات لا متناهية من الحرية وقيم الفردية- قاعدة المجتمع ومنطلق وجود الأمة، ومحور الاهتمام وسيد الوجود، ولا مجال أو إمكانية لحدوث أي تطور أو تغيير لصالح الأمة والمجتمع ككل إلا إذا أعطي هذا الفرد كامل حقوقه وقيمه الفردية المعروفة.. وانسحب هذا الوضع على الساحة السياسية التي أضحت شأناً عمومياً لجميع الناس ليشاركوا في صنع القرار السياسي وتقدم المجتمع على كافة الأصعدة..
 
ولعل من أبرز الآثار السلبية التي ترتبت على منطق مركزية الأمة ونفي الفرد السائد عندنا هو ارتهان إرادة مجتمعاتنا الشرقية بالكامل لإرادة النخب والقادة من الرسل والعظماء والأئمة والزعامات التاريخية والسياسية..الخ، وضياع حقوق ودور ومكانة الفرد ذاته في خضم المثل والقيم الشرقية العليا..

 
ويبدو أن تصحيح هذه النظرة والرؤية الفكرية والتاريخية قد بدأت بالظهور مع البدايات الأولى لنشوء الأحزاب والتيارات الفكرية والسياسية الوطنية والليبرالية في عالمنا العربي بعد الاحتكاك والتلاقح مع الأفكار والمفاهيم والطروحات الفكرية والسياسية الغربية، وحدوث الصدمة المعرفية مع الحضارة الغربية التي كانت قد قطعت أشواطاً كبيرة زيادة على كل حضارات العالم الأخرى بما فيها حضاراتنا الشرقية، ومنها الحضارة العربية الإسلامية.

 
 
وربما كان لمصر وتركيا قصب السبق في هذا المجال، حيث أن تركيا بلد شرقي إسلامي، كان محكوماً بعقلية وأفكار دينية إسلامية محافظة اختلط فيها الذاتي بالموضوعي والتاريخي بالراهن والمعاصر، ولكن لاشك بأنه كان للعثمانيين الذين اطلعوا واحتكوا واستفادوا من حضارة الغرب ذات التلاصق الجغرافي معهم، دور كبير ومهم في الاستفادة والاستثمار الحضاري الأمثل معهم، إلى أن جاء أتاتورك الذي نفض عن كاهل القومية الطورانية غبار السنين العثمانية الرثة المتراكمة التي حولت تركيا إلى ما يشبه الرجل المريض بات يعيش في أواخر أيامه بعد خمسة قرون على سطوتها وسيطرتها وألقها الحضاري، وانطلق ليبني مجد الترك الحديث، معلناً اندماجه وذوبانه شبه الكامل في كل ما يتصل بالحضارة الغربية من فكر وثقافة وصناعة.. ولم يوفر حتى الحرف في عملية انفتاحه الغربية الطابع والامتداد..
 
وتركيا كجزء من عالم الشرق الكبير، كانت ركيزة من ركائزه الإستراتيجية في العالمين القديم والحديث، باعتبارها كانت في موقع القيادة السياسية والدينية له على مدى قرون عديدة.. ومن ثم مرت بمرحلة هامشية على صعيد الدور والمكانة بعد أن شاخت وترهلت، ولكنها في الآونة الأخيرة بعد أن أسس وضمن لها أتاتورك مكانة مميزة في عالم السياسة الإقليمية والدولية، حيث تأثرت واستثمرت في عالم الغرب أكثر من عالم الشرق، على مستوى التنمية والاقتصاد والسياسات الاجتماعية وغيرها، وبعد أن استمر عهد الحكم العسكري –وإن من وراء ستار- حتى بداية عهد “تورغوت أوزال” الذي شكل صعوده السياسي بداية مرحلة أخرى في صعود تاريخ تركيا الحديث، إلى أن جاء حزب العدالة والتنمية بعباءته الشرقية وعقليته الغربية، فنجح في إيصال تركيا اقتصادياً وثقافياً وحضارياً وتنموياً إلى مصاف الدول المتطورة حتى بات لها ترتيب متقدم في سلم الدول العشرين الأوائل في عالم اليوم.. وهدفهم اليوم الذي يشتغلون عليه هو السعي للوصول الحضاري والثقافي إلى حيث وصل أجدادهم العثمانيين في سابق الزمان والعصور بالسياسة والاقتصاد وتجفيف منابع التوتر وتصفير المشاكل مع الآخرين..

 
وهاهي الأرقام والإحصائيات المقدمة من الدولة التركية الحديثة، ومن مراكز البحوث والدراسات الغربية، تؤكد حدوث نهضة معمارية وصناعية وسياحية تركية كبيرة تضاهي معايير ونواظم أرقى الدول الغربية.. خاصة على مستوى رفع مستويات التنمية الداخلية، وتخفيض العجز، ومكافحة الفساد، وزيادة حجم الميزانية القومية، ورفع دخل الفرد حوالي 4 أضعاف ما كان عليه في السابق.. لنا أن تصوروا أن حجم التبادلات التجارية التركية مع العلم يبلغ وسطياً حوالي 12 مليار دولار في الشهر الواحد..
ويبدو أن الساسة الأتراك مصممون على تفعيل دورهم في مختلف الميادين الاقتصادية والتنموية، لتكون تركيا صلة الوصل وهمزة الوصل بين الشرق والغرب كما كانت في السابق، بعد غياب قسري خلال السنوات والعقود الماضية، فهاهم يتحدثون مثلاً عن قرب تدشين النفق الذي حفروه تحت مضيق البوسفور بعمق 55 متراً تحت البحر بتكلفة تصل إلى حوالي أربعة مليارات دولار.. حيث يعول الأتراك كثيراً على هذا المعبر والنفق البحري ليكون معبر البضائع الصينية صوب القارة الأوروبية والشرق الأوسط، الذي يظن هؤلاء الساسة بأنه من المفترض أن ينضوي تحت جناحي تركيا القوية إقليمياً.

 

إذاً تركيا –صاحبة الموقع والتواجد الجغرافي المميز والفريد- بدأت الآن تعيش عصرها الذهبي بالمقارنة مع سنوات مطلع التسعينات بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ومراهنة الكثيرين على تراجع موقعها ودورها ونفوذها الإقليمي، ورفض إعطائها أي مكان على طاولات الحوار الإقليمية والدولية التي كانت تركب في واشنطن وبروكسل ومدريد وقتها.

 

ولكنني أعتقد أن طبيعة التواجد والحيز والفضاء الجغرافي ليس وحده سبب هذه المكانة والدور المميز لتركيا في عالم اليوم، وربما في عالم المستقل، مع طرح حزب العدالة والتنمية لمشاريع وخطط استراتيجية تصل إلى عام 2022.. بل هناك أسباب أخرى ليس أقلها وجود نخبة من رجالات الفكر والسياسة الذي كانت لطبيعة قابلياتهم النفسية ووعيهم السياسي الخلاق ونظرتهم البعيدة المدى ونزاهتهم المناصبية والعملية، الدور النوعي الأهم لصعود السلطان العثماني التركي من جديد..

وهاهو هذا السلطان العثماني الجديد “أردوغان” يستقبل مكرماً منذ عدة أيام استقبال الأبطال الفاتحين في كل من مصر وتونس.. إنها المحبة لرجل مؤسساتي غير ديكتاتوري، خدم شعبه، وطور دولته، مارس السياسة لمصلحة الناس، وجعل إمكانات الدولة مسخّرة لخدمة الناس، فأعاد الناس انتخابه من جديد، لأنهم وجدوا فيه الأمل لحياة أفضل.. وطبيعي جداً أن يسمع ويرى ويعاين العرب –وهم جيران الأتراك- تلك النجاحات الباهرة للتجربة التركية الصاعدة، ويقرؤوا معدلات وأرقام التنمية، ويشاهدوا عشرات الملايين من السياح يتدفقون على اسطنبول ومرسين وأنقرة وغيرها من معالم ومواقع السياحة التركية المزدهرة.. بينما يجدون للأسف بلدانهم شبه خاوية على عروشها نتيجة القمع والكبت والفساد والإمعية الحضارية.. والناس هنا –خاصة في النظم والدول الجملوكية العربية- ملّت وتعبت ويئست من الوعود الكاذبة بالتنمية والازدهار ولهذا انتفضت وثارت منذ شهور عديدة على نظمها القمعية الفاسدة، عسى ولعل تتحسن أمور حياتها المعيشية والحياتية العامة.. وتتطور حياتها السياسية ديمقراطياً وإنسانياً لتحكم من قبل نظم إنسانية تحترم كرامات أبنائها وحريتهم واستقلالهم ووجودهم الإنساني الحي والفاعل.

 

طبعاً نحن في عالمنا العربي نملك مواقع جغرافية وسياحية مميزة ربما تضاهي تركيا استراتيجياً وجغرافياً وجمالياً ولكن امتلاك الجغرافية لا يكفي، بل لابد من امتلاك القادة المجتمعيين الحقيقيين القادرين على ملء الفراغ الجغرافي، واستثمار مزايا الجغرافية في السياسة والاقتصاد والنجاح السياسي والعملي وخدمة الناس..

 

نعم نحن بحاجة ماسة في عالمنا العربي لمثل هؤلاء القادة الناجحين الذين يفضلون مصالح بلدانهم على أية مصالح شخصية أو ذاتية أخرى.. ويعملون ليلاً ونهاراً في سبيل رفعة ومكانة بلدانهم وحضورها الفعال والمنتج والمؤثر بين دول العالم..

 

والمشكلة عندنا نحن العرب، كما نراه حالياً ونعاينه في أكثر من بلد عربي، أن الحاكم يأتي إلى السلطة بالقوة والعنف والدم، أو بالتزوير والتضليل أو إحجام الناس عن المشاركة في قدومه السلطوي (الميمون!)، وهو لا يريد أن يتنازل عنها إلا بالقوة وتدمير المجتمعات.. حتى لو رفضه معظم الناس، وطالبوه بالاستقالة أو التنحي والرحيل.. يعني يريد أن يحكمهم غصباً عنهم، ورغماً عن أنوفهم.. فهو حاكمهم وسيدهم وربهم الأعلى شاء من شاء وأبى من أبى.. وفي سبيل ذلك يهون كل شيء حتى أرواح الأطفال الطاهرة والبريئة.

 

لاحظوا ما حدث في مصر أم الدنيا، وتونس الخضراء، مع أن تكاليف الانتقال والتغيير الثوري كانت غير مكلفة.. ولاحظوا ما يحدث راهناً في البحرين وليبيا واليمن وسوريا من كوارث وخسائر إنسانية (من جانب المدنيين والعسكر على حد سواء، فهم جميعاً في النهاية مواطنون تأكلهم آلة القتل الجهنمية) يندى لها جبين الإنسانية لا يمكن تبريرها لا بالسياسة ولا بالمصالح ولا بالمؤامرات ولا بالإسلام الأصولي ولا بالقاعدة ولا بالسلفيين ولا بغيرهم.. هنا الأزمة الحقيقية، إنها في تعاطي حكام العرب مع السياسة والحكم وكأنها ملك حصري لهم ولأبنائهم إلى الأبد، وأن الله قد خلق وصنع القالب على مقاساتهم الخاصة ومن ثم كسره.. وبالتالي فلا بدائل لهم، كما يخمنون ويظنون، فإما هم أو الهلاك والخراب ونهاية الزمان، ويوم القيامة!!؟..

 

إننا نعتقد أن مقتل الحكم العربي عموماً يكمن هنا في هذه النظرة المثالية الخلاصية الثابتة والمطلقة للسياسة بمختلف وسائلها وفنونها وألاعيبها، وهذه الرؤية تمثل الوجه الآخر للنظرة والرؤية المثالية الدينية القائمة والثابتة في تفكيرنا وثقافتنا التاريخية العقائدية، وعدم النظر إليها (إلى السياسة) كمجموعة مصالح وعلاقات براغماتية متحركة..

 

فالسياسة ليست فقط أن تجمع بين يديك كثيراً من خيوط اللعبة، أو كثيراً من أوراقها وقطبها الواضحة والمخفية هنا وهناك، بل هي في الأساس أن تجفف منابع التوتر الداخلي والخارجي، وتريح مجتمعاتك في الداخل، وتبدأ بتطبيق القانون ونظم الأمر بمنطق العدالة والمساواة، وتعمد إلى زيادة مساحة ورقعة الأصدقاء، وتحويل أعدائك ما أمكن إلى أصدقاء داعمين لمشروعك وبلدك خاصة في عالم اليوم حيث حولت العولمة مجتمعات العالم إلى ما يشبه المجتمع الواحد الذي يتأثر ببعضه البعض عند أي هزة سلبية أو إيجابية..

 

هذه من أبده بديهيات السياسة وفنون التعامل والعلاقات بين الدول، أن يقلل الحاكم من أعدائه ويزيد من أصدقائه كما ذكرنا!!.. وهذه نقطة بات التنبه لها ضرورياً جداً، تجب المحاسبة عليه لأن النظام الذي يلغي الدول الأخرى من قاموسه، ويحولها إلى دول عدوة بعد أن سعى لتحويلها إلى دول صديقة لابد مساءلته ومحاسبته على فعلته تلك.. فالسياسة لا مبدأ ثابتاً لها إلا خدمة الناس ومصالح المجتمعات، وتطوير معاشهم وتحسين قدراتهم وتخفيف تكاليف وجودهم المادي والمعنوي.. أما خدمة مراكز القوى الخاصة، وتفضيل مصالح نفعية ذاتية لمجموعة زبائنية قليلة على حساب نفي وإلغاء مصالح ومستقبل دولة ووطن ومجتمع بأكمله فهنا تكمن بيت الداء، وهنا تبدأ لحظة الانهيار والتفجر والتفجع المجتمعي التي يخشى الجميع –إلا الحاكم الأعلى- من عوائدها وآثارها السلبية.. خاصةً عندما يجتمع تخريب العلاقات مع الدول الخارجية مع فشل هذا الحاكم أو ذاك في إدارة وبناء دولته، بعد أن أعطاه الناس فترة سماح زمنية طويلة نسبياً للبدء بتنفيذ وتطبيق مشروعه ورؤيته التطويرية، ولكنه (أي الحاكم) يصر –بالرغم من فشله الكبير الواضح- على تجديد عقد الحكم بالقوة مع أبناء مجتمعه..

 

وهذا أمر لم يعد مقبولاً في عالم اليوم حيث أن بناء المجتمعات وتطور البلدان أضحى يقاس بالسنوات وليس بالعقود الطويلة والجلوس النهائي على كراسي الحكم الأزلي.. فكل دول العالم–ما عدا كوريا الشمالية وكوبا- باتت قياداتها السياسية تتجدد وتضخ دماء جديدة في آلة حكمها، لتجديد فاعلية وحركية مجتمعاتها، مرة كل حوالي أربع أو خمس أو ست سنوات..

 

طبعاً الديمقراطية التركية التي نشير إليها باستمرار وننوه بأهميتها هنا وفي غير مقال ودراسة، وبتنا نتحدث عنها بصورة إيجابية ليست مثالية، ولا تخلو من مثالب، بل تشوبها كثيراً من السلبيات والعثرات خاصة وأن الحضور العسكري فيها لا يزال بادياً وإن من وراء ستار، ولكنها بالنسبة لنا نحن العرب يمكن اعتبارها قدوة وحالة مثالية كونها تقوم –على غير ما هو عندنا من تقديس أعمى للحكم الملكي أو العائلي أو الجملوكي- على قاعدة وجود انتخابات حرة بلدية وبرلمانية عديدة تجري دورياً، ويحدث فيها دوماً حالة راقية من التداول السلمي الحضاري للسلطة، مع وجود حريات مدنية سياسية ومجتمعية أساسية، مكنت تركيا كما نذكر، من بناء اقتصادي صناعي متين مزدهر ومتطور يقوم على المعرفة البنيوية والتراكم العلمي..

 

إنها بالفعل الدولة التركية، وليست أي شيء آخر، تركيا التي أضحت رقماً صعباً في معادلات القوة والصراع السياسي في منطقتنا، وأنموذجاً يحتذى اقتصادياً لكثير من دول وقادة العالم العربي والإسلامي.. إنها –كما عبر عنها أحد المفكرين- إمبراطورية عثمانية جديدة، وليدة، ناهضة من رماد ذلك “الرجل المريض” الذي ساد، ثم تفكك، دون أن تبيده العقود تماماً.

 

وقد آن للعرب الرسميين منهم بالذات –حيث أن كثيرين منهم لا يزالون غارقين في وهم الخصوصية، ورفض النموذج الغربي في الحكم والإدارة والسياسة المجتمعية- أن يبتعدوا قليلاً عن كيل المعلقات والمدائح لهذا النموذج التركي الذي تحول عندنا إلى ما يشبه المتاحف والأوابد التاريخية والحضارية الجميلة في مدينة اسطنبول الساحرة، ندخله وننبهر به، ونبدأ برواية قصص ألف ليلة وليلة عنه من دون أدنى تفكير و تأمل عقلي أو محاولة جدية للاستفادة منه، واستثماره.. فعسى ولعل تبدأ معدلات التنمية ذات الأرقام الحقيقية لا المصطنعة بالتصاعد والنمو، ونحظى بترتيب جيد على سلم الحضارة والرقي الحضاري العلمي والصناعي..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق