دولة «الإخوان» والاستبداد/ علي الطراح

شعار ثورة 25 يناير تجسد بسقوط النظام؛ فالكل كان يرفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، واليوم تشتعل مصر من جديد وترفع الشعارات نفسها وتنقسم البلاد بين مؤيد ومعارض لحكم «الإخوان المسلمين»، ولا نعرف إلى أين تتجه مصر إذا ما استمرت المواجهات، وكيف للشعب المصري أن يحقق ما يريد وما يفرضه الواقع المصري المؤلم؟

الإدارة الأميركية في حيرة بين حكم «الإخوان»، كنموذج جديد في المنطقة العربية، وبين ما يحدث على أرض الواقع من مناهضة لحكم «الإخوان» في أكبر دولة عربية. وزارة الخارجية الأميركية أدانت القمع الذي يمارسه النظام الجديد بمصر ضد الحريات العامة، ويرافق ذلك تصريح لوزير الداخلية المصري الذي أربك الوضع عندما قال إن الدولة المصرية منقسمة في مؤسساتها، مما يعني أن الانقسام ليس في الشارع وحده وإنما مصر انشقت على أيدي «الإخوان». ويبدو أن الإشكالية التي تواجه مصر خرجت عن حدود السيطرة وأن القضية تتجاوز «جبهة الإنقاذ»، فحكم «الإخوان» يواجه أزمة حقيقية وهي أزمة تتجاوز الحدود الجغرافية ولها تجلياتها الإقليمية بالمنطقة قاطبة.

المتتبع للشأن المصري يصاب بالإحباط، فمن مات لأجل الثورة ومن كان يساوم على إنقاذ مصر، يرى أن الاستبداد يعود لها مرة أخرى على أيدي فئة تحتكر السلطة، وهي الفئة نفسها التي عانت من استبداد متعدد الأوجه ليس فقط لنظام مبارك وإنما لأنظمة سياسية مختلفة حكمت مصر. جماعة «الإخوان» لم تكن حركة سياسية واجتماعية مصرية بحتة، وإنما كانت تنظر لنفسها على أنها الماسكة للحق والمؤهلة لإعادة الخلافة الإسلامية، فهي إذن حركة تتجاوز الحدود الجغرافية لدولة المنشأ، إذ امتدت إلى كثير من البلاد العربية والإسلامية، وأصبحت الآن تقبع على رأس السلطة في مصر وتونس والمغرب، وتطمح لتوسيع نفوذها في دول أخرى، مما يعني أن حكم «الإخوان» يواجه أزمات حقيقية لكونه أوهم الناس بأنه المنقذ لكنه يمارس الاستبداد بالأدوات نفسها. فالحريات العامة تقتل يومياً، والانتهاكات تتحول إلى ممارسة رسمية، وبالتالي كيف للناس أن يستمروا في تأييد الجماعة الحاكمة، وهم يجدون أنفسهم أمام معضلات اقتصادية واجتماعية عويصة؟

الانقسام المعلن بين مؤسسة القضاء والرئاسة سيسقط الحكم المصري، فالقضاء يدفع نحو حماية مصر من استبداد الرئاسة، والمواجهة تتصاعد ولا يبدو أن «الإخوان» يدركون خطورة التصعيد والمواجهة، فهم فقط يفكرون بمستقبل الحزب وليس الدولة، ولا يدركون أن الاستبداد الذي يدفعون به هو استبداد دولة وأن حكمهم يتساوى مع أنظمة سابقة في التفنن في حصار المجتمع والاستحواذ عليه، مما يدفع بعض الدول التي راهنت على حكم «الإخوان» لمراجعة حساباتها وإدراك أن الدولة الدينية ليست الحل، وأنه لا بديل عن إيجاد أرضية مشتركة بين كافة الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية للعمل سوياً بهدف إخراج مصر من أزمة باتت تطال كل المصريين.

أمّا المراهنة على توسع «الإخوان» وبسط نفوذهم، فتنكشف أمام الفشل الذريع الذي يواجهونه، لذلك عليهم الاحتكام لإرادة الشعب المصري وليس لمكتب «الإرشاد»، فمصر تستحق الأفضل ولا يمكن أن يستمر «الإخوان» في سطوتهم وانفرادهم بالسلطة، ولا يمكن للحزب الواحد أن يخضع مصر لمصالحه الخاصة في الوقت الذي تكتسح فيه مطالب الحرية بقاع الأرض.

عن جريدة الاتحاد الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق