“ديمقراطية”، نعم ولكن أية ديمقراطية؟

لا شك أن سياسات الهيمنة وبسط النفوذ التي تتخذها القوى العظمى، وعلى نحو أخص القوة العظمى التي تتفرد اليوم بتوطيد أسس إمبراطورية غير مسبوقة في التاريخ المعاصر، تستخدم وسائل مختلفة تتراوح بين البطش العاري ومحاولات التغلغل الهادىء الذي يتخذ مسميات مختلفة بعضها تلك المؤسسات التي تروج لتلك السياسات تحت شعارات نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان و….

لسنا بصدد البرهنة على دور تلك المؤسسات، وخاصة المؤسسة الوطنية لدعم الديمقراطية، في خدمة استراتيجيات واشنطن وانحيازها المطلق لها، فهو أمر لا يخفى على كل ذي عين بصيرة، لكننا نسعى لمقاربة مفهوم الديمقراطية ووضعه في سياقه التاريخي والتمييز بينه كشعار يرى الكثيرون فيه عصا سحرية تعيد الأمور إلى نصابها هذا من جانب، وكضرورة تقتضيها الوقائع ويهيئ الوعي لها من جانب آخر.

واقع الحال أن هجمة الديمقراطية التي أطلقها الغرب في إطار خلخلة أوضاع الاتحاد السوفياتي ومنظومة البلدان الاشتراكية لم تؤت أكلها إلا مع التحولات التي شهدتها تلك البلدان في أواسط الثمانينيات وآلت إلى انهيار المنظومة وعودتها صاغرة إلى حظيرة الرأسمالية، واتخذت الهجمة منحى آخر بعد انهيار جدار برلين فبدأت تدفع رياحها في قلوع بلدان الجنوب.

سادت في العالم، منذ وقت ليس ببعيد، عقيدة مفادها أن الديمقراطية شكل من أشكال الترف تجلبه التنمية كتحصيل حاصل لحل مشكلات المجتمع المادية.

استغلت الولايات المتحدة تلك العقيدة لتبرير دعمها لديكتاتوريات أمريكا اللاتينية، كما مارستها الإمبرياليات الأوروبية لدعم صنائعها الأوتوقراطية في أفريقيا، كما شاعت تلك العقيدة في بلدان العالم الثالث في محاولة لإحراز تنمية تقطع مع المراكز الرأسمالية.

ثم انقلبت الحال منذ أقل من عقدين، فأصبح هوس الديمقراطية لافتة عريضة تجوب الأرض في طولها وعرضها. وأضحت شهادات حسن السلوك في ممارسة الديمقراطية شرطاً لاستمرار تقديم المساعدات الاقتصادية التي تقدمها ديمقراطيات الغرب الغنية و”العريقة”. كذلك شاعت فكرة أن الديمقراطية شرط حتمي لإنجاز مهام التنمية في أعرض عناوينها، وهو أمر لا غبار عليه من الناحية النظرية ولو أنه يطرح في التطبيق أسئلة تكاد تكون عصية على الإجابة.

لكن الديمقراطية اقترنت، بوصفها مشروعاً حداثوياً امتدت جذوره إلى عصر الأنوار، بإحكام سيطرة العقل على إدارة شؤون الحياة، وحقليها الأساسين: السياسة والاقتصاد.

في الحقل الأول تمايزت بوصفها تخطياً لانتماءات البشر ما قبل الرأسمالية كالدين والإثنية، فكانت بهذا المعنى صنواً للرأسمالية في تطورها، محدودة بحدود تطورها. وهي إذ تفترض المساواة بين المواطنين، إلا أنها في التطبيق العملي تتيح لمن يملك فرصاً أكثر الاستئثار بالحكم.

أما في الحقل الثاني، فتلخص كلمة السوق الآليات عديمة الصلة بمبادئ الديمقراطية، أي القوانين التي تدير العملية الاقتصادية بمواصفات محض غابيّة.

يميل الخطاب السائد اليوم ( خطاب العولمة النيوليبرالية) إلى القول بتقاطع الديموقراطية والسوق وبأنهما يدفعان معاً المجتمع البشري نحو التطور والرقي. لكن وقائع التاريخ حتى اليوم تكذب هذا الخطاب وتفند فحواه.

مضى زمن طويل حتى بات بوسع الذين حرموا من ممارسة الديمقراطية استعادة حقهم في فعل ذلك… العبيد والنساء والفقراء، لم يكن ذلك قطعاً نتاجاً طبيعياً للتطور الرأسمالي بقدر ما كان حصيلة نضالات وتضحيات أتاحت للمحرومين انتزاعه انتزاعاً. لكن الاقتراع العام، وهو حجر الأساس في تجسيد إرادة الأفراد والمجموعات اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، ظل خاضعاً لسطوة السوق ولم يملِ عليها إرادته إلا في خصوصيات فرضتها ضرورات التكيف (دولة الرفاه ما بعد الحرب العالمية الثانية)، على الرغم من أنها تتراجع الآن شيئاً فشيئاً عن هذا التكيف في إطار النزوع النيوليبرالي الناشط منذ ثمانينيات القرن الماضي.

لا يُغفل أرسطو في كتابه “السياسة” ذكر المفارقة التي لا تسمح للفقراء وهم الأغلبية أن يحكموا بينما تستطيع أقلية من الأغنياء أن تحكم دوماً. ثمة ما يمكن أن يوضح ذلك، لكن العامل الحاسم كان وسيظل ذا طبيعة اقتصادية.

وعلى هذا، لطالما كان يرعب الفئات الحاكمة والمالكة جوهرُ الديمقراطية الذي يسمح من حيث المبدأ أن يحل غيرها محلها في موضع اتخاذ القرار الاقتصادي السياسي ويجعلها ترى فيها عدواً لدوداً. ألا يبدو وكأنّ الأمر يواصل سيرورته في الإمبراطوريات المعاصرة، المراكز الاقتصادية والشركات متعددة القومية، رغم أنها تمارس اللعبة وتحترم ظاهرها خاصةً في بلدانها؟ ولكن إلى متى؟

ربما تمركزت المعضلة في ما مضى في تلك المراكز، بلدان الشمال، لكنها اليوم لا تتمفصل حولها، إذ لا يزال جزء هام من حصيلة نهب بلدان الجنوب يكفي لسقف مفاعيلها وجعلها دون حد التأزم!! أي ما يكفي لمعالجة التفاوتات النسبية في توزيع الدخل بما يجعل الاحتجاج عليها لا يخرج عن نطاق إصلاحاتٍ أو تنازلات تسمح بها الديمقراطية إياها.

إما اليوم فتتبدى المشكلة أكثر في بلدان الجنوب التي تعاني شعوبها سطوة فئتين من المستغلين بدا وكأنهما اتخذتا طابع تحالفٍ لا فكاك عنه: مالكي وحاكمي الشمال من جانب، ومالكي وحاكمي الجنوب الذين ييسرون العملية ويضمنون حمايتها بوسائل مختلفة أنجعها البطش، وهو ذراع الاستبداد الطولى، ضماناً لحصتهم من الغنيمة.

وبمعزل عن الآثار الكارثية لتطبيق الديمقراطية على الطريقة الأمريكية أو الغربية سيان، في بلدان مثل أفغانستان والعراق أو على رفض نتائجها السياسية في أراضي السلطة الفلسطينية أو الخشية من تلك النتائج في ماليزيا أو لبنان، فالأمر يتعلق بآفاق تطورها وفق استراتيجيات لا تمت بصلة إلى جوهر الديمقراطية أياً كان تعريفها وأياً كانت مرجعيتها التاريخية.

فثمة مفهومان إجرائيان لا يمكن الهروب منهما أو عزلهما ما لم يكن الحديث مقتصراً على ضرورة الديمقراطية بوصفها عنصراً حاسماً في منظومة تنميةٍ فعليةٍ تعيد الحق لشعوب وبلدان الجنوب بإعادة إنتاج تطورها بالتقاطع مع منظومة الاقتصاد العالمي، وقطعٍ مع شروط التبعية التي يمليها والتي أعادت وتعيد وستواصل إعادة إنتاج تخلف البلدان المذكورة إلى ما لا نهاية.

يتعلق المفهوم الأول بآفاق تطور الرأسمالية على مستوى العالم وفق ازدواجية تكاد تكون انعكاساً مباشراً لازدواجية مفهوم الديمقراطية في علاقته بمفهوم السوق، أي قدرة هذه الرأسمالية على التطور بمعزل عن إدامة تخلف بلدان الجنوب. وتقدم هنا حالات إعادة ضم بلدان المنظومة الاشتراكية سابقاً إلى دورة رأس المال العالمي نموذجاً فذاً مؤلماً، في مفارقته، لتحويلها من دول تتوسط حدي الشمال / الجنوب إلى جزء لا يتجزأ من الجنوب. روسيا القارية باتحادها الفدرالي خير مثال على ذلك. كما أن المؤشرات جميعاً تجعل الأمر ينطبق على بلدان أوروبا الشرقية التي ضمت إلى الاتحاد الأوروبي بوصفها دولاً “كاملة العضوية” لكنها في ما يتعلق بالنواحي الإجرائية لا تعدو كونها دولاً تابعة، مثلها في ذلك مثل فروع الشركات عابرة القومية التابعة في بلدان الجنوب. وهو ما يعارض بشدة خطاب العولمة الذي يؤكد بديباجاته التقريظية على إعادة دمج الكوكب ودخوله في سياق تطوري سيخفض تدريجياً الفوارق بين الشمال والجنوب إلى حدودها الدنيا مع تواصل العملية تاريخياً. لا يصدق عاقلٌ هذا الكلام، وبلدان إفريقيا وخاصة جنوب الصحراء التي تحولت إلى عالم رابع ستقوده العملية ذاتها تاريخياً، وبالمعنى الحرفي للعبارة، إلى الاندثار عن خارطة بلدان وعواصم منظومات الأمم المتحدة (لم يتنازل أصحاب الديون التي دمرت تلك البلدان عن ديونهم ولا حتى عن جزء منها!، بل رفضوا التخفيف من آثارها رغم المزاعم الباطلة بإعفاء بعض البلدان منها).

خلال قرون ثلاثة من تطور الرأسمالية عالمياً، وبعكس تصورات كارل ماركس في القرن التاسع عشر، لم يكن بوسعها وليس في حسبانها كذلك دمج العالم، وإن كانت مدافعها قد دكت عروش الإقطاع وما قبل الإقطاع في عموم الكرة الأرضية، إلا أنها استبدلت إقطاعاً بإقطاعٍ آخر ولم تحل محله طبقة رأسمالية منافسة ربما استطاعت مضاهاتها بعد زمنٍ طال أم قصر. لم تكن المسألة يوماً متعلقة بإرادات البشر، وإن لم تكن خارجةً عنها أيضاً، بل كانت في إطار تناقضٍ داخلي عميق جوهره أنّ توسع المنظومة وإعادة إنتاجها على مستوى العالم يعادل دمارها في بلدان نشوئها، ومن هنا تبلورت المراكز والأطراف على أرض الواقع وليس في متون النصوص وتضاعيف الأفكار. ستوالي هذه العملية فصولها، ما لم يجدّ ما يضيف أو يغير في سيرورتها.

هذا على صعيد الاقتصاد. أما على صعيد السياسة، وإن أحسنا الظن، وهو أمر أبعد ما يكون عن السياسة، بأن الغرب وعلى نحو خاص الولايات المتحدة قد تعلمت درسها جيداً ووجدت في دعمها السابق للاستبداد، الذي لولاه لما تحققت مصالحها الاستراتيجية أي الاقتصادية أي مجالها الحيوي ـ حسب التعبير النازي الذي نبذ لفظياً ـ إنتاجاً مباشراً وغير مباشر للإرهاب الذي تحول بقدرة سحرية ليهدد تلك المصالح التي كان يمثل عنصر حمايتها يوماً، التطرف الإسلامي، ونسخ الفاشية المصغرة في أمريكا اللاتينية في العقود السابقة، كونترا نيكاراغوا ـ سيئة الصيت ـ مثالاً. كما أنها تحاول اليوم صياغة شروط تأسيس بديل للاستبداد يحمل مسمى الديمقراطية. فهل سترضى بنتائجه، أياً كانت؟! نحن نشك في ذلك على طول الخط ما لم يثبت العكس. على أية حال، الدوامة المتواصلة في فنزويلا وبعض جاراتها، وأراضي السلطة الفلسطينية، تقدم كما ذكرنا مزيداً من الشكوك. ويثبت لنا ليس ازدواجية الخطاب وحسب، بل نفاقه المطلق.

ينعكس الأمر على نحو مباشر على الحليف الآخر، التابع المحلي الذي يتوقف بقاؤه على حليفه وآليات تكيفه التي تتعلق بالبقاء، بالمعنى الدارويني، وحسب. أي أنه سيعيد تكيفه أيضاً وفق شروط بقائه الخاصة. عمليات التجميل تلك ليست لها أية علاقة بالديمقراطية الحقيقية بعيداً عن المبتذل في تعيينها أو تصويرها لدى الطرف الآخر الذي يسعى لأن يكون الحليف الجديد.

إذن أية ديمقراطية؟ من نافل القول إنه لا توجد ديمقراطيات، هنالك ديمقراطية واحدة تندرج في سياق التطور التاريخي ولا تأتي على أجنحة الملائكة أو تطلقها مدافع الدبابات، كما أنه لم تكن هنالك في السابق ـ لمن نسي، أو يتناسى اليوم ـ اشتراكيات ولا رأسماليات أو حتى علمانيات. وليس للديمقراطية خصوصيات إثنية أو دينية أو قومية أو ما شابه. لكنها لا تأتي كذلك على حين غرة ولا من خواء.

ربما آن الأوان، ولربما نحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى لإطلاق تسمية أخرى أي تعيين المفهوم، قد تكون “دمقرطة” على حسب تعبير سمير أمين، كي نخرج من هذه المماحكات التي تضع على نحوٍ مباشرٍ وساذجٍ وتسطيحي “الاستبداد” في مواجهة “الديمقراطية”. ليس الأمر كذلك ولا يصح أن يكون. قد تزيل هكذا تصورات الاستبداد بوساطة عامل خارجي أو حتى به، لكنها ستستبدله بالضرورة باستبداد آخر قد يتخذ في بلدان يعتاش فيها الإسلام السياسي ـ أو أي دين سياسي ـ بشقيه المتطرف والمعتدل، وهما فرعان لأصل واحد، كما تعتاش فيها أيضاً نخب لا ترى في الرأسمالية إلا مشروع إثراء سريع وخضوعاً مطلقاً للحليف الأكبر الذي ستكون لولاه خارج التاريخ ـ المعولم منه على نحوٍ خاص ـ قد يتخذ في نهاياته القصوى صورة إمارة إسلامية على الصعيد السياسي وتخلف مطبق على الصعيد الاقتصادي أو إعادة التحاق بشروط الحد الأدنى الأكثر إجحافاً بالشريك الأكبر، أو جمهورية عصبة من التجار وأثرياء الحرب أو ما بعدها، لابسين لبوس القبائل والعشائر والإثنيات والطوائف، تفتح الأبواب مشرعة، دون إيديولوجيا ودون مزاعم، لاستراتيجيات الهيمنة الخارجية وتكون أداتها دون اضطرارٍ لإدعاء ما يعارض ذلك.

أية ديمقراطية؟ لا يتضمن السؤال السياسة وحسب بل الاقتصاد بالضرورة. أية ديمقراطية؟ الديمقراطية نفسها التي تجد — بحسب جوهر تعيينها ـ في مصالح الأغلبية دافعها للخروج من احتكار السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة داخلياً، كما تجد في نفس الدافع إعادة تكيف مع أفكار السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة دولياً. وتبلور مشروعاً برنامجياً للقطع مع كلا الاحتكارين في إطار تحالفات محلية وإقليمية ودولية تعمل على منع الرأسمالية في نهاية المطاف من تدمير الكوكب واستئصال الجنس البشري ـ أو جزئه الأكبر ـ من على سطحه

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق