ديمقراطية المؤسسات والمؤسسات الديمقراطية

 -1-

      ليس في العنوان أعلاه أي نوع من التلاعب بالعبارات، بل فيه تلميح إلى نوعين من التنظيم الديمقراطي للمجتمع، وإلى صيغتين لعلاقة الديمقراطية بالمؤسسات الدالة عليها. فما يظهر من خلال المؤسسات لا يكون بالضرورة هو الديمقراطية، لأن هناك معايير أخرى لوجود هذا النظام المجتمعي.


الخط الفاصل بين الحالتين اللتين أشرنا إليهما هوما نقترح دعوته في سياق مقالنا هذا: الاختيار الديمقراطي. ونعني هنا التوجه الشامل للمجتمع بكل مكوناته وتياراته السياسية في الطريق المؤدي إلى إقامة الحياة في المجتمع على أسس التنظيم الديمقراطي.  تكون الديمقراطية في هذه الحالة هي القانون الأسمى الذي لامجال للعمل خارجه.  هذا مظهر من التعاقد  الذي يتأسس عليه المجتمع.


   تقتضي الديمقراطية الناتجة عن توافق المجتمع حول اختيارها نظاما له تحولات في البنيات والعلاقات بين المكونات، كما تتطلب تحولا في العقليات والتربية المجتمعية وقيمها. الديمقراطية تحول عميق في المجتمع يمس كل جوانب الحياة فيه لبشمل مظاهرالحياة اليومية. ولذلك يتطلب التحول نحو الديمقراطية زمنا من تاريخ المجتمع. الديمقراطية انتقال كيفي بالنسبة لما سبقها من تاريخ المجتمع، ولذلك لا بد أن يكون في طريق ذلك الانتقال شروط تهيء له بكيفية تدريجية.إنه انتقال من حال إلى أخرى مضادة لها، وليس هناك قرار يصدر عن جهة ما، مهما يكن موقعها في المجتمع، يكون له الفعل المباشر على التحول الذي يقود نحو الديمقراطية. ونقترح أن ندعو زمن التحول بما قبل الديمقراطية.


    الصيغة الأوضح لما قبل الديمقراطية هي وجود حكم مطلق قد يكون فرديا أو جماعيا.ويستمد هذا النوع من الحكم شرعيته من ذاته، أو يضيف إلى ذلك أسسا أخرى منها القوة، ، أو الأساس الاقتصادي ، أوثورة في المجتمع تحكم باسمها فئة هي التي تجعل نفسها في موقع الطليعة من تلك الثورة، أوشرعية باسم دين من الأديان أوإيديولوجيا من الإيديولوجيات.لكن المهم من هذا كله هو ماكان يوحد بين تلك الأشكال حين نقيسها بمعيار الديمقراطية، ونعني بذلك عدم استناد السلطة فيها إلى تعاقد واضح المعالم داخل المجتمع يحدد للسطة وظائفها فيه ويبرز حدودها.

 -2-

    عاشت المجتمعات المختلفة، وفي جهات متباعدة من العالم، تاريخها السابق على الديمقراطية في ظل أنواع الحكم التي أشرنا إليها.أما تاريخ الديمقراطية فعهده حديث، وهو مضاد في للتاريخ السابق عليه.ونقول تعبيرا عن هذا التضاد: إن بداية تاريخ الديمقراطية في أي مجتمع هو في الوقت ذاته بداية لنهاية التاريخ الذي يسبقه في المجتمع، وذلك بالنظر إلى أن التحول التام للمجتمع نحو الديمقراطية يتطلب تطورات تقتضي زمنا ليس بالقصير.ومن جهة أخرى، فإن نهاية التاريخ ما قبل الديمقراطي لا تكون عفوية وموضوعية فحسب، بل هناك الإرادة البشرية التي تعمل على إنهائه أو على التعجيل بنهايته حين تكون بعض الشروط الموضوعية قد تحققت عبر تراكم تطورات.


    لكن، ماالذي يحدث في زمن الانتقال من تاريخ يكون في طريق نهايته إلى ناريخ تكون قد بدأت في الظهور بعض تباشيره؟ إنه زمن التحولات، ولكن المسارات فيه تكون مختلفة. ولن نتحدث هنا إلا عن مسارين. تكون التحولات في مسار أول طبيعية تحكمها الشروط الخاصة بالمجتمع الذي تقع فيه، وتنشأ بفضل هذه التحولات المؤسسات الديمقراطية، أي تلك التي تنشأ في إطار التحول نحو الديمقراطية وتكون معبرة عن وجودها وعن تقدم المجتمع في طريق بناء ذاته على أساسها.وعندما نراجع تاريخ الشعوب التي عرفت مثل هذا التطور،نلاحظ أن التطورات التي أدت إلى مثل تلك المؤسسات كانت طويلة. فقد بدأت التطورات نحو الديمقراطية في أوربا،مثلا، منذ عصرها الحديث ونشأت عنها منذ ذلك الوقت الديمقراطيات الأوربية التي نعرفها اليوم. لانقول بنموذج ثابت ونهائي، غير أن ذلك لن يمنعنا من القول إن الأمر يتعلق في هذه الحالة بديمقراطيات راسخة لامكان في تاريخها، كما يبدو لنا على الأقل، لأي تراجع إلى الوراء. فالتاريخ ماقبل الديمقراطي يكون قد انتهى بفضل التحولات العميقة، والمؤسسات الديمقراطية التي تنشأ عن تلك التحولات تكون مؤسسات ديمقراطية حقا، لأنها تكون نتاجا لتطور تاريخي ذاتي. وتاريخ الديمقراطية هو تاريخ نشأة هذه المؤسسات وتطورها، علما بأن أشكالها وديناميتها تختلف من مجتمع لآخر.
  

 لا ينبغي، مع ذلك، الاكتفاء من أجل معرفة التحولات التي تقود نحو الديمقراطية بالنظر في الكيفية التي تطورت بها البلدان المتقدمة اليوم في اتجاه هذا التنظيم المجتمعي. لا بد من استحضار تاريخ آخرهوالذي عرفته البلدان التي توجد اليوم في حالة تأخر تاريخي بالنسبة للتقدم الحاصل في أوربا والجزء الشمالي من القارة الأمريكية. فما ظل سائدا في هذه البلدان التي يقع أغلبها في إفريقيا وآسيا هو نظم حكم تتوحد رغم اختلافاتها في كونها تنتمي إلى هذا التاريخ الذي سميناه: ماقبل الديمقراطية. كانت  القوة هي السبيل الذي سلكته كثير من الفئات للوصول إلى الحكم، علما بأن القوة قد تكون أيضا هي السبيل لإزاحة مثل هذه الحكومات عن السلطة، وعلما كذلك بأن كثيرا من هذه الحكومات تفسر القوة التي أوصلتها إلى السلطة بكونها عملا ضروريا لأخذ الموقع الذي يسمح بالقيام بالتغييرات الواجبة لقيام نظام ديمقراطي في المجتمع. ولكن القوة هي التي يكون لها الدوام في هذه المجتمعات، وأما الديمقراطية فإنها تبقى وعدا بدون تحقق. ويظل المجتمع الذي يحكمه هذا النوع من الحكومات في حالة انتظار دائمة للتغير الذي يفتح الطريق أمام نظام ديمقراطي.


    الحالة الأكثر إثارة بالنسبة لموضوعنا هي التي انبثقت فيها السلطة عن حركات تحرر وطني، فأصبح بفضلها زعماء تلك الحركات من تقلد مناصب التدبير في المجتمع. وغالبا ما حاول هؤلاء تطبيق الإيديولوجيات التي كانوا يأخذون بها لبناء المجتمع على تصوراتها واختياراتها. لكن كثيرا من هؤلاء القادة كانوا يعتبرون أن الواقع المجتمعي أدنى من أفكارهم وتصوراتهم، وكانوا يرون، تبعا لذلك، أنهم يلعبون دورا تربويا بالنسبة للمجتمع بأكمله، فكانوا ينوبون عن كل المؤسسات الديمقراطية التي يمكن أن يتم فيها التعبير عن الرأي على الأقل، وحتى إذا تمت المناداة بها تم تشكيل صورتها لتكون في محاذاة سلطة مطلقة.  ويكون الحكم كذلك بصيغة المفرد أو في صيغة الحزب الواحد، وتكون المؤسسات والإجراءات المؤدية إليها من أجل تأكيد هيمنة النظام السياسي وليس لغاية مساءلته. إن هذا النظام السياسي الذي ساد في بلدان كثيرة بعد استقلالها عن الهيمنة الاستعمارية هو جزء مما دعوناه ديمقراطية المؤسسات.والمقصود بذلك نظاما يحصر معنى الديمقراطية وتطبيقها في الوجود الشكلي للمؤسسات التي تدل عليها.


    نحتاج لتوضيح هذا النمط الذي ذكرناه من الديمقراطية أن نذكر أسماء قادة بارزين في القارة الإفريقية ساهمت في تحرير بلادها وتحملت مسئولية تدبير شؤونها بعد استقلالها عن السلطة الاستعمارية، كما ساهمت في رسم الطريق الذي كان على البلدان الإفريقية أن تسير فيه من أجل استكمال تحررها من كل الآثار الناجمة فترات متفاوتة للهيمنة الاستعمارية.نذكر أسناء برزت منذ الخمسينات من القرن العشرين منها: كوامي نكرونا أول رئيس لدولة غانا بعد استقلالها،  وهو الذي ألح على المطالبة بالوحدة الإفريقية، بل ونادى بالولايات المتحدة الإفريقية. نذكر أيضا أحمد سيكوتوري الذي كان بدوره أول رئيس لغينيا بعد الاستقلال، والذي كافح من أجل  حرية بلاده من كل محاولات الهيمنة والإدماج، وظل في نفس هذا المسار إلى أن وافته المنية. نضيف إلى الأسماء السابقة موديبوكيتا أول رئيس لجمهورية مالي. بذل هذا الرجل مجهودا من أجل استكمال تحرر بلاده من آثار الهيمنة الاستعمارية،ومن أجل تنمية مجتمعه.

لكن بعض المشكلات التي تعرض لها البلد قادت إلى انقلاب عسكري أزاحه عن قيادة البلاد. ومن القادة التاريخيين لإفريقيا نذكر كذلك باتريس لومومبا الذي تميز بإدانته للعنف الاستعماري ونادى بضرورة احتفاظ الوعي الإفريقي بصورة العنف لكي يستمر في إدانة تلك الصورة في علاقته ببلدان السلطة الاستعمارية التي لايمكن التجاوز مباشرة عن ماضيها.مات باتريس لومومبا في حادثة لم يستبعد عنها اتهام القوة الاستعمارية القديمة، وفقدت إفريقيا بذلك أحد قادة تحررها. إذا انتقلنا إلى الشمال الإفريقي حيث البلدان وجدنا نماذج لقادة عرب عبرت معهم الديمقراطية نفس المسار، وأول من نذكره هو جمال عبد الناصر الذي ارتبط اسمه بالثورة المصرية التي حولت مصر سنة 1952 من نظام ملكي إلى جمهورية تقوم على مبادئ التحرر والاشتراكية والعدالة. وقد خطا عبد الناصر بالبلاد، فعلا، خطوات في سبيل تحقيق هذه الأهداف، ولكنه واجه صعوبات في الداخل ومن الخارج قادته نحو الابتعاد عن التأسيس الديمقراطي الحق للمجتمع المصري. القائد العربي الآخر هو الحبيب بورقيبة الذي ارتبط بدوره بقيادة تحرير بلده تونس من الهيمنة الاستعمارية، قبل أن يصبح بعد تغيير النظام السياسي من الملكية إلى الجمهورية أول رئيس للجمهورية التونسية. قاد تونس، وقام ببعض الإصلاحات المجتمعية، ولكنه لم ينجح لأسباب ينبغي دراستها في إقامة مؤسسات ديمقراطية.

القائد الإفريقي الآخر هو الرئيس الجزائري أحمد بن بلة الذي كان من قيادات الثورة الجزائرية التي دافعت من أجل تحرير البلد من سيطرة القوة الاستعمارية التي جاوز مداها قرنا واثنين وثلاثين عاما، وهو كذلك آول رئيس للجمهورية الجزائرية بعد استقلالها. تبنى الإيديولوجيا الاشتراكية، وحاول بناء المجتمع على أساسها، لكن حكمه انتهى بانقلاب عسكري عليه، ولم يكن قد تمكن من إقامة مؤسسات ديمقراطية. ونذكر أخيرا ملك المغرب محمد الخامس الذي تميز عهده، وقد بدأ خلال الحماية الاستعمارية، بتبنيه لمطالب الحركة الوطنية باستقلال البلاد والتنسيق معها في خطواتها من أجل بلوغ ذلك الهدف. وقد نفته السلطة الاستعمارية، ولكنه بعد عودته من المنفى عبر عن عزمه على بناء دولة عصرية ذات ملكية دستورية. توفي مبكرا قبل أن يتمكن من تحقيق ماوعد به.


    الشخصيات السياسية التي ذكرناها نموذج واضح بالنسبة للتساؤل الذي نريد أن نطرحه حول تعثر الديمقراطية في الجهد الذي قامت به، ومن حيث الموقع الذي كانت فيه على رأس السلطة. فتلك شخصيات مشهود لها بقيادة معارك بلدانها من أجل التحرر من السيطرة الاستعمارية، كما أنها أظهرت عزمها على بناء الدولة في مجتمعاتها على أسس حديثة وفقا لحقوق الشعوب في الديمقراطية. لكن، حيث إن هذا البناء الديمقراطي للمجتمع لم يتحقق تحت قيادة تلك الشخصيات المشهود بوطنيتها وبوقوفها ضد الأطماع الخارجية، فإن ذلك يطرح عدة تساؤلات منها: لماذا تعثرت الديمقراطية في تلك البلدان الإفريقية رغم وجود قيادات تاريخية على رأس الدولة فيها؟ هل يرجع هذا الأمر إلى عوائق داخلية منها الصراعات بين مكومات المجتمع في كل بلد؟ هل يعود تعثر البناء الديمقراطي إلى شروط قوى خارجية كانت معارضة لسير البلدان الإفريقية في الاتجاه الذي كان يريده لها قادتها التاريخيون؟ هل نترك هاتين الفرضيتين ونذهب في فهم التعثر بإرجاعه إلى عوامل ذاتية ونفسية- مجتمعية فحواها أن الزعامة الفردية تحولت إلى عائق لبناء الديمقراطية، وأن قوة الشخصية القيادية أصبحت حاجبة للمطلب المجتمعي؟


     نرى من المفيد بالمسبة للفكر والعمل المتجهين نحو الديمقراطية الاعتناء بدراسة الحالات التي تعثر فيها تأسيس المجتمع على أساس ديمقراطي رغم توفر الإرادة، حسب التعبير على الأقل، للسير في هذا الطريق، ورغم أن السلطة كانت بيد اتجاهات سياسية وشخصيات وطنية ذات كفاءة ومتمتعة بثقة المجتمع من أجل العمل على بلوغ تلك الغاية. ماالذي حدث؟ وماهي العوامل التي عاقت المسار الديمقراطي في البلدان الإفريقية التي تحدثنا عنها؟


      نفكر في إطار أعم في الفائدة التي يمكن أن تقدمها في هذا الباب دراسة لحالات أخرى لم تتعثر فيها الديمقراطية، بنفس القدر على الأقل، ونلمح هنا إلى تجربتين هما السنغال تحت ؤئاسة سنغور، ثم جنوب إفريقيا في ضوء الحركة التي قادها نلسون مانديلا، حيث وقعت تطورات إيجابية في هذين المجتمعين. تحتاج هذه التجارب كلها إلى دراسات مستقلة.

  -3-  

    نشأت ديمقراطية المؤسسات، فضلا عن الحالات التي سبق ذكرها، عن الاستجابة المظهرية لشروط خارجية تتعلق بالنظام العالمي اليوم، والذي أصبحت معايير الانتماء فيه إلى العصر مستندة إلى مدى تقدم أي مجتمع في تنظيم ذاته وفقا لمقتضيات التنظيم الديمقراطي عبر إرساء مؤسساته واتباع صيرورته. ووقع التركيز على هذه الصيغة بعد التحولات التي وقعت في بلدان المنظومة الاشتراكية السابقة، وهو الأمر الذي يوجهنا نحو القول إن الديمقراطية أصبحت خنصرا أساسيا من الإيديولوجيا السائدة منذ نهايات القرن العشرين إلى الآن.


واجهت السلطات التي لم تكن تحكم شعوبها وفق المقتضيات الديمقراطية تناقضا لا بد من حله. فهي، من جهة أولى، وفقا لطبيعة نشأتها وتكوينها وشروط سيادتها على مجتمعها، غير مؤهلة للانتقال نحو طريقة الحكم الديمقراطي. ولكنها، من جهة ثانية وفي الوقت ذاته، أمام ضرورة الاستجابة للمطلب العالمي المعاصر بتنظيم المجتمع وفقا لتلك الطريقة من الحكم. لذلك كان الحل الذي انبثق عن هذا الوضع هو إقامة مؤسسات ديمقراطية في ظاهرها دون أن تكون كذلك في عمقها. فطبيعة السلطة الحاكمة في كثير من البلدان التي كانت لها مثل هذه الاستجابة للمطلب الديمقراطي، الذي أصبح علامة على الانتماء للعصر ومسايرة تحولاته العميقة، تسعى إلى فرض صيرورة للمجتمع تكون قيها المؤسسات الديمقراطية هامشا مضافا إلى سلطة غير ديمقراطية بنشأتها وطبيغتها.


     أغلب البلدان التي وجدت نفسها أمام هذا الحل الذي ذكرناه هي البلدان التي توجد بالنسبة لعالم اليوم في حالة تأخر تاريخي. والبلدان العربية والإسلامية تدخل ضمن هذا الصنف إلى جانب غيرها من البلدان في القارتين الإفريقية والآسيوية. التأخر التاريخي شامل لكل مظاهر الحياة في المجتمع وتنظيمه، والتأخر في مجال البناء الديمقراطي جزء من ذلك التأخر الشامل.


    لن يفوتنا، مع ماسبق ذكره الإشارة إلى المؤسسات الديمقراطية الحق، تلك التي اجعل كل مجتمع تتحقق فيه ينتقل من فترة ماقبل الديمقراطية إلى تنظيم المجتمع وفقا لهذا النظام المجتمعي والسياسي. ونرى أن الشرط الأساسي لقيام هذه المؤسسات هو وجود ما دعوناه في بداية دراستنا ه=ه بالاختيار الديمقراطي. ويتحقق هذا الشرط عندما يصل أي مجتمع من تطوره المرحلة التي تتوافق فيها مكوناته السياسية والمجتمعية على إقامة المجتمع على أساس النظام الديمقراطي، بحيث يمثل ذلك درجة أسمى وصيغة أعلى لمجموع التعاقدات التي يقوم عليها المجتمع. المؤسسات الديمقراطية هي التي تنبثق عن صيرورة ذاتية للمجتمع الذي تظهر فيه، ورغم إمكانية وجود تأثير لعوامل خارجية في نشأتها وتطورها، فإن الأساس القوي فيها يكون للشروط الذاتية لكل مجتمع.
 التوافق حول هذه المؤسسات هو مايمنحها مصداقيتها ويجعلها مظهرا من مظاهر الصيرورة الديمقراطية في المجتمع.


 تظل المسافة بعيدة على صعيد الزمن وعلى صعيد الجهد الإنساني في الوقت ذاته للانتقال من هذه الديمقراطية التي تقوم على مؤسسات ظاهرية وبين المؤسسات الديمقراطية الفعلية. فالأمر يقتضي إعادة النظر بما يجعل الديمقراطية في المجتمع غاية ووسيلة في الوقت ذاته، ويتطلب تغييرا في التعامل مع الوسائل والطرق المستخدمة لبلوغ هذا النظام. وكل هذه المراجعات تقتضي أن نفرد لها حقها من التفكير.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This