ديناصورات الشمولية… وتراجع الديمقراطية / فريد حياة

في الوقت الذي احتفلت فيه أميركا بعيد حريتها واستقلالها الأسبوع الماضي، يلاحظ أن الحريات قد تراجعت على نطاق واسع في بقية أنحاء العالم. فخلال العقد الماضي تمكنت الأنظمة الشمولية في العديد من الدول من تحسين تكتيكاتها ووسائلها حتى تضمن بقاءها لأطول فترة ممكنة في كراسي الحكم، إضافة إلى تبادل الخبرات والتجارب فيما بينها، وتفوقها على القوى الديمقراطية من ناحية التخطيط المسبق بمرات عديدة. ولما كانت الحكومات والنظم الديمقراطية غير مهيأة لاستجابة النظم الشمولية لتوسع موجة الديمقراطية التي بدأت منذ عقد السبعينيات واستمرت حتى عقد التسعينيات، فإنه لا يزال يتعين عليها أن تبلور استراتيجية موحدة للاستجابة لردة الفعل الشمولية تلك. وقد أصاب "توم ميليا" -نائب مدير مؤسسة "فريدوم هاوس" المعنية بقياس ومراقبة أوضاع الحريات في العالم- في وصفه لوضع الحريات الحالي على النطاق العالمي بعبارة "الركود السياسي العالمي". ففي تصريح له الأسبوع الماضي لاحظ "ميليا" تراجعاً كبيراً في الحريات العامة في أداء غالبية الدول خلال السنوات الأخيرة الماضية. وقال في التصريح نفسه: "يمر عالمنا الآن بمرحلة انتقالية من التحول من طفرة ديمقراطية نحو الأخرى، إلى مرحلة مستدامة يسودها التراجع والانتكاسات المستمرة". وجاءت تعليقاته هذه في حديث له ألقاه في مناسبة نظمتها بالاشتراك مؤسستا "إذاعة أوروبا الحرة" و"إذاعة الحرية" في واشنطن وكانت تحت عنوان: "تحليل أوضاع الحرية في ذلك الجزء من العالم الذي تعلقت به آمال الجميع قبل عشرين عاماً: الإمبراطوية السوفييتية السابقة".

 

وعلى ذكر ذلك الجزء من العالم فقد جاء تقرير مسؤول مؤسسة "فريدوم هاوس" كريستوفر والكر متشائماً للغاية. ذلك أن الحريات قد تراجعت تراجعاً كبيراً على حد قوله في 14 من جملة 29 دولة كانت تتبع سابقاً الاتحاد السوفييتي أو ما كان يعرف بدول حلف وارسو. وهناك 11 دولة من الدول الواقعة خارج منطقة البلطيق السوفييتية السابقة تراجعت فيها الحريات على نحو ملحوظ، بالمقارنة مع ما كانت عليه قبل عقد مضى. وما من دولة تراجعت فيها الحريات مثلما حدث في روسيا اليوم. أما في الدولة الثانية عشرة في المنطقة نفسها، أي في أوكرانيا، فيلاحظ أن الحكومة المنتخبة ديمقراطيّاً مؤخراً، بدأت هي الأخرى تدفع بالبلاد نحو الاتجاه الخطأ خلال الشهور القليلة الماضية. وعلى حد قول "والكر"، فإن أكثر ما يشد الانتباه إلى تلك المنطقة هو تمكن النظم الشمولية البنيوية من ترسيخ جذورها عميقاً في التربة السياسية الجديدة التي توفرت بعد عشرين عاماً من سقوط حائط برلين. كما لاحظ "والكر" أيضاً أن هذا السلوك يهم الولايات المتحدة وغيرها من النظم الديمقراطية كثيراً طالما أنه يصعب تصور حدوث أي تعاون مثمر وبناء مع دول تمارس القهر والتسلط على شعوبها.

 

فتحت تأثيرات التحول الديمقراطي الذي شمل كثيراً من الدول الآسيوية في عقد الثمانينيات ثم سقوط النظم الشيوعية في الجزء الأكبر من أوروبا وآسيا الوسطى، ساد الاعتقاد في عقد التسعينيات بالتساقط التلقائي لما تبقى من ديكتاتوريات العالم ونظمه الشمولية. وضمن ذلك الاعتقاد ساد القول إن القائمين على أمر هذه النظم الشمولية ليسوا سوى ديناصورات تنتظر حلول موعد انقراضها التلقائي. وقد قامت هذه الفرضيات على إيمان قاطع بسحر شبكة الإنترنت وقدرتها على فك القبضة الحديدية الديكتاتورية في تلك الدول، في ذات الوقت الذي تساعد فيه العولمة على تسريع الانهيارات المتتالية للنظم الشمولية على نطاق العالم بأسره.

 

ولكن ما فات تلك الفرضيات هو أن أولئك الديناصورات المعنيين لن يقفوا مكتوفي الأيدي في انتظار موعد انقراضهم. بل لقد استشعرت الديناصورات حجم الخطر الذي يحدق بها من كل جانب، وهذا ما دفعها إلى حشد كافة التكتيكات الجديدة والقديمة معاً ورصها في مواجهة الخطر الجاثم. فمن الصين إلى كوبا مروراً بمنطقة الشرق الأوسط، تمكنت بعض الديكتاتوريات من تحييد وإضعاف جهود القوى الديمقراطية المنادية بالإصلاح ونشر الحريات. وقد استخدمت النظم الشمولية كافة الوسائل التقليدية والحديثة المتاحة لها في دحر خصومها السياسيين، سواء كان ذلك بمصادرة الممتلكات تارة، وبالسجن والتعذيب تارة أخرى. وفي كل تلك الممارسات ما يقدم دليلاً واضحاً على قدرة النظم الحاكمة على قهر أجندة الديمقراطية. أما ذلك الخطأ الغبي الذي ارتكبته بورما لدى تسرعها نحو إجراء انتخابات عامة قبل أن تحكم سيطرتها التامة على آلية العملية الانتخابية في عام 1990 فسرعان ما أدركت بقية النظم الشمولية في المنطقة، وفي بقية أنحاء العالم، مدى حماقته وعمدت إلى عدم تكراره في أية دولة أخرى.

 

وعلى رغم تشاؤم هذا التقرير الذي قدمته مؤسسة "فريدوم هاوس" عن أوضاع الحريات والديمقراطية على نطاق العالم كله في عقدنا الحالي، فلا يزال هناك بصيص أمل وضوء في نهاية النفق المظلم: رغبة الشعوب في التحرر من قيودها وكسر أغلالها. فعلى رغم أساليب القهر التي يستخدمها الطغاة ضد خصومهم، وعلى رغم تفرق صفوف القوى والنظم الديمقراطية، وعلى رغم كل شيء، تجلجل بقوة رغبة الشعوب وأملها في الانعتاق والحرية. وقد تم التعبير بوضوح عن هذه الرغبة والآمال في لبنان عام 2005 وفي بورما 2007، مثالاً لا حصراً. وفي كل هذه التجارب واجهت الشعوب مخاطر جمة وتمكنت من مواجهة قاهريها، ليس رغبة منها في المخاطرة، بل تأكيداً لعزمها على الانعتاق وكسر القيود الشمولية.

 

عن جريدة الاتحاد الإماراتية 13/7/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق