ديوان شاعر القاعدة “وأمطر الغيم الدماء”: من يموت أكثر ينتصر!

إذا صدف أن وقع بين يديك “الديوان الشعري الجهادي الأول”، في الليلة التي من المفترض أن تطير فيها بقلبك إلى حيفا محمود درويش، لابد أنك فاقد للكثير من توازنك، وجناحاك يتنازعهما نداءان لا يلتقيان.

هل فعلا “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”؟ فلماذا يعتقد ولطالما اعتقد آخرون، بأن على هذه الأرض ما يستحق الموت؟
إعلان للمهتمين بالشعر والشعراء ، فقد صدر مؤخرا الديوان الشعري الأول “لشاعر القاعدة” محمد الزهيري. الديوان الذي جاء في 110 صفحات من القطع الكبير جدا (صفحةA4) تضمن تسعا وعشرين قصيدة. غلاف الديوان الذي غلب عليه اللونان الأحمر والرمادي القاتم، يمثل درجا يرتفع نحو السماء، تمر أسفله آلية عسكرية، ويرفرف فوقه علم “لا إله إلا الله محمد رسول الله” ويقف عند أولى درجاته مقاتل ملثم يحمل سلاحه بيده. فوق، قريبا من السماء كتب عنوان الديوان “وأمطر الغيم الدماء”!

{{استعارة!}}

يبدو لي أحيانا، أن من يجدون على هذه الأرض ما يستحق الموت- وكل شيء يستحق الموت في نظرهم فلا نكاد نرى لمفردة الحياة مكانا في حيواتهم- لا يرفضون الحداثة بتجلياتها المختلفة. رغم محاولاتهم الدائبة للتقوقع في مغارة الزمن الغابر، فإنهم يطلون برؤوسهم من حين لآخر، في محاولة لاقتناص “حداثة” هنا و”حداثة” هناك، وكأنما ليثبتوا أن “مخلوقات الحداثة” قادرة على التأقلم في حياة ما قبل مئات السنين، بعد تشذيبها وتهذيب نفسها ودعوتها إلى الإيمان الخالص والصادق. وتبقى “حداثة” مع ذلك كله!.

{{فنون}}

بالإضافة إلى نجاحاتهم في بعض المجالات العلمية، لأولئك فنونهم المستعارة شكلا من حضارة الكفر والفسق. فقد أنتجوا الأغاني “الأناشيد الجهادية” والفيديو كليب الذي تزخر به مواقعهم، والكاريكاتور في بعض الأحيان، بالإضافة إلى محاولات شعرية كثيرة. فنونهم تحدق في الموت من كل جوانبه. تعانقه وتشتاق إليه وتتغنى به. تتحدث دائما عن ما بعد الموت، وأبدا لا تتطرق إلى ما بعد بعد الموت! أقصد المستقبل لمن سيبقى من الأحياء. ولا يظهر، هل النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تزين لهم الموت كما يفهموها ويؤولها، أم الإحساس الطاغي بتحقير الذات (الخانعة الذليلة المستسلمة..) مختلطا ببغض الآخر (الغرب، الأنظمة العربية..) وتحميلها مسؤولية كل تلك المرارة، أقول لا يظهر أي من العاملين هو البادئ في تشكيل عشق الموت وتبجيله. لأن تعبيرات ما سبق تصطف جنبا إلى جنب وبتوازن جلي.

{{إهداء}}

تصدر الديوان المذكور آنفا إهداء الشاعر، وفي مقدمته الآية الكريمة: “والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون”. يتبعها دعاء الشاعر أن “اللهم رب العرش العظيم اجعلني ممن استثنيتهم ولا تجعلني من هؤلاء”. أما الإهداء فهو “لقاعدة الجهاد أدام الله ظلها” يلي ذلك أدعية بالحفظ والرحمة لشيوخ “المجاهدين” و”أمير المؤمنين” و”الشهداء”.

{{مقدمة نقدية!}}

ثم يأتي دور “المقدمة النقدية” الموقعة باسم الدكتور هارون محمد. كنت قد تحدثت أعلاه عن “مخلوقات الحداثة” العائدة عبر آلة الزمن إلى العصور “الذهبية” الأولى؟ من بعض ما جاء في المقدمة أنه “عكف النقاد من فجر تاريخ الشعر على مسايرة ركب الشعر ينهجون على ما خالف فيه مقتضى الحال وما أصابوا فيه غرض الوصف وما أبدعوا فيه من التشبيه والاستعارة. لكن نقدهم في الأعم الأغلب كان نقدا انطباعيا يفتقر إلى الكثير في الشمولية في المعالجة والحكم”، وكنا نطمح أن يسد النقد الحديث تلك الثغرة الكبيرة من الأفق الضيق والنظر الجزئي المجرد، بما أتيح له من الاطلاع على النقد الغربي بمناهجه المتعددة ونظرياته المتجددة….بمعنى أن يكون لدينا نقد يجمع بين الأصالة والمعاصرة….”!

{{قصائد مدمّاة}}

تحمل القصائد عناوين متنوعة ذات “تشويق” ورهبة، ومن ذلك، “وعاد العلقمي”، «زمجرة القصيدة في رثاء أبي مصعب الزرقاوي الشهيد”، “ستسوء طاغية الجزائر حسرة”، “غضبة حسان على رويبضة الزمان: رجم غازي القصيبي”، “رجم المسعري انتصارا لصحب النبي”، “رجم عباس انتصارا لحماس”، “القصيدة الزرقاوية:الرد القاصم لظهر سميح القاسم”.

تساءلت، لماذا قد يعمد هؤلاء إلى الشعر لتزيين الموت ولديهم من النصوص الفقهية والتفسيرات والتأويلات والفتاوى ما يغنيهم عن ذلك؟

بمناسبة التصويت الالكتروني مؤخرا على عجائب الدنيا السبع الجديدة، تداولت المنتديات “الجهادية” موضوعا يتضمن “العجائب السبع الحقيقية”، ومن بينها: “الهاكرز الجهادي، فيلم : redemption وهو قصة هروب من السجن، وفيه عجب من صبر الرجال، وهو ما يذكر بأسامة بن لادن وقصة هروبه من السجن الكبير، العالم الإسلامي الذي يحكمه الطغاة. والسلحفاة كرمز للكسل والخمول اللذين يمثلان الأمة الإسلامية”. هل يجيب ذلك عن السؤال أعلاه؟

{{الحور}}

تشبه القصائد كاتبها وصحبه إلى حد بعيد. إلى جانب تمجيد الموت، تبجيل “قادة الجهاد”، الوعد والوعيد، تبخيس الذات ولومها على تقصيرها، الإحساس المتفاقم بالمظلومية واحتلال مقعد الضحية التي قررت الانتقام من جلادها. وما بين السطور.. شبق إلى الحياة!

سبعة قصائد على الأقل، تتضمن احتفاء بالحور الحسان والتوق إليهن والرغبة في لقياهن:

ألقى المنايا الماثلات مكبرا…وأصد زخات الرصاص بأعظمي، تمضي إلى الحور الحسان نواظري….شوقا وفي أعلى الجنان تنعمي.

يا حور جنات الإله تزيني……فكماة قاعدة الجهاد محزمين

هجر الحياة إلى الجنان وحورها… وقضى الشباب لثغرها الأندى ظمى

عشق الشهادة والحتوف حواسر… شاقته للحور الحسان وصدره

نفرت إلى أرض السواد بغضبة…يسعى على الحور الحسان ركابها

في الحقيقة فإن الحديث عن الحور يتصدر كثيرا خيالات ما ينتظر هؤلاء الشبان في الجنة بعد “الشهادة”. والإشارة إلى العذرية المتجددة لأولئك الحور – تعود إحداهن عذراء بعد كل مجامعة “يبدو أنه أكثر ما يثير التوق إليهن، كما يظهر من بعض “دردشاتهم” التي يرد فيها ذكر لهذا الموضوع.

قرأت مؤخرا مقالا مطولا يتحدث عن عامل الكبت الجنسي في تشكيل شخصية “الإرهابي”. لم يكن ذلك ما فكرت به وأنا أتمعن في شوق هذا “الشاعر” إلى حسناواته في الجنة. بل فكرت، يشبه بقية الشبان هذا “الجهادي”. فتياته المتخيلات في الجنة، وفتيات الآخرين على الأرض.

{{فتاوى شعرية!}}

لا أعرف ما الذي أثار هذا “الشاعر” ضد كل من غازي القصيبي وسميح القاسم، وما هي القصائد التي تعود لهما ويرد عليها شاعرنا بفتاوى شعرية. لكن يبدو أن غضبه من القصيبي أكبر من غضبه تجاه القاسم، بدليل أنه بدأ “قصيدته” في الأول بعبارة “لك الموت يا…..”، وابتذال الوصف يجعلنا نأنف عن ذكره. لا يدخل ذلك بطبيعة الحال في باب الهجاء الذي يحفل به تراثنا الشعري. التكفير شعرا، هو أحد أشكال التحريض “الحداثي” على القتل غير المستند إلى فتوى شرعية!

قد يبتسم المرء في سره لأن أمسية محمود درويش كانت قد قُررت بعد انتهاء الشاعر من ديوانه. وقد يبكي، لأن آخرين ممن لا يتفقون مع ابن تيمية وسيد قطب، ولا يتخذون من أسامة بن لادن بطلا قوميا لهم، ألقوا قصائد في درويش وأمسيته، تشبه تلك التي كنا نتوقعها من شاعرنا “الزهيري”. هؤلاء الأشبال من أولئك الأسود؟ أم أن على هذه الأرض ما يستحق الجنون؟

{{اعتراف}}

لم أقرأ إلا شذرات من ذلك الديوان. كان قاسيا، وأنا لا شبل ولا أسد. ربما أكون أرنبا يحب الحياة “ما استطاع إليها سبيلا”. وتساءلت منذ متى أصبحت “مرهفة” هكذا، و”ملاحم” العنف الثوري الحمراء كانت إلى وقت قريب تلهب الخيال وتشحذ الهمم وتحمل كل الشحنات العاطفية والرمزية التي تحملها قصائد “الزهيري”. العدو بقي واحدا، واختلفت راية “النضال-الجهاد” وقادته وبعض أساليبه. جميعنا تربينا في مهد “على هذه الأرض ما يستحق الموت”.
اكتملت دائرة الموت من الطبيب إلى “الشاعر”، ومازالت قصيدتنا بانتظار من يدون بيوت محبة، بعيدا جدا عن منافسات “الانتصار” موتا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق