دُعاة مابعد العقل

غائصين في الوحل كانوا يرددون :

“كنا تعساء في الجو الرائق الذي تسعده الشمس، ودخان الكآبة كان يجول فينا
والآن أولاء نحن نحزن في هذا الوحل الأسود”
¤ دانتي أليغييري

بإحدى الليالي التي تشهد حفل زفاف، وعندما انتهت فقرة الأناشيد و الغناء، طلب العريس من أحد الحضور (شيخ) أن يحدثهم قليلا عن الدين، فحدثهم عن عذاب القبر !! والحادثة ليست نكتة أو مزحة بل عن قصة واقعية رواها عائض القرني بأحد حلقات برنامجه وحتى أنه وسخِر منها!.

أسوأ من ذلك، داعية ديني يتناول ببرنامج تلفزيوني يقدمه، موضوعا غريبا، يستعرض فيه براعته في كشف أي مكان ستكون فيه بالعالم الآخر انطلاقا من طريقة موتك. بالنسبة لتفسيره فلا يهم لدخولك الجنة أو الجحيم نوع سلوكك وتعاملك بالأرض (حسب التفاسير الدينية) بل كيف تنتهي حياتك أو كما يسميها ب“سوء وحسن الخاتمة”. مايعني أنه إذا مت ساجدا بمسجد أو نائما بمنزلك فأنت في الجنة فهنيئا. أما إن مت بسقوطك من مبنى أو بحادثة طرقية فأنت بالجحيم، حتى أنه استشهد ببعض الحالات وبيّن بعض الوقائع ليستنتج منها من سيدخل الجنة ومن سيدخل الجحيم كأنه من يطبع جوازات السفر للعالم الآخر. السؤال الذي سيعجز طبعا عن الإجابة عنه هو : إذا تهدم مسجد (أهملته بلدية المدينة) على رؤس الناس المصلين، فهل نعتبر نهايتهم سيئة من جهة الكارثة أو حسنة من جهة موت بوقت الصلاة أو في السجود ؟ مع العلم أن المشكل الأساسي وهو إهمال المسؤولين عن البناء ـ الذي يضم يوميا زوارا ـ سيتم تجاهله، مثلما تجاهل الكهنة البيزنطيين مدافع السلطان العثماني أمام الكنيسة، لانشغالهم بنقاش حول الملائكة : هل هي إناث أم ذكور ؟ ومنه أتى مصطلح السجال البيزنطي!.

أسوأ من ذلك، داعية ديني يتناول موضوع الاستشهاد ويستعرض الفوائد المترتبة عنه، كإنقاذ المستشهد لعائلته من دخول الجحيم (شفاعة ل70 شخصا من معارفه)، والمرتبة التي سينالها هناك والاستقبال والجوائز وماسواه، إلى أن أتى لنقطة جد حساسة وقال أنه مهما كانت طريقة استشهادك سواء برصاصة أو ضربة سيف أو قنبلة ناسفة أو حتى صاروخ جو أرضي، فإن المستشهد ـ دون باقي الكائنات الحية ـ يشعر بها كأنها “لسعة نحلة”!. ولو أن صيت هذا الداعية وصل للصين لعلّقوا صورته على باب معبد الريح ومعبد الشمال، وتبنى مقاتلوا الجبل الأسود فلسفته، ولتدرب مقاتلو الشاولين يوتانك على صد “لسعة النحلة هاته، ولانتأقل تأثيره لليابان ليتخلى النينجا عن”الديماك“أو”لمسة الموت“ليتقنوا”لسعة النحلة“، ولنصبّته قرية الأوكيناوا زعيما عليها، ولغيّر متدربوا الأيكيديوا ملابسهم ليرتدوا ملابس شبيهة بما كان يرتديه خلال عرضه لحلقة البرنامج، ولقطع جيش الساموراي أصابعهم إظهارا للولاء له. فجميع هذه الفصائل تتنفس فن الحرب، وهو أسلوب حياتها ومع ذلك لا تشعر حتى بالنسبة لأضعف الضربات التي تتلقاها ك”لسعة نحلة“! .”لسعة النحلة“هاته كافية لتقضي على أي تردد أو خوف لدى المقبل على عملية استشهادية انتحارية.

أسوأ من ذلك، داعية ديني خلال محاضرة يحكي فيها عن تجاربه بغسل ودفن الموتى، ولاندري هل كان يمزح أم كان يتكلم حقيقة، وذلك لأنه كان يرى جثت الموتى تبتسم له أحيانا وتبكي أمامه أحيانا أخرى ـ فيا سبحان الله! رغم أننا لم نسمعها يوما حدثت لطبيب تشريح كفؤ ـ . زيادة على أنه مرة نزل إلى قبر ليضع جثة فشم رائحة المسك داخله، حتى أنه سأل أحد أفراد عائلة تلك الجثة (اخ الميت ربما) الذي كان يساعده على انزالها، فرد عليه الآخر أنه شمها كذلك ! فأخبره بأن يلزم الصمت. أفلا يدرك غريب الأطوار هذا أن محمدا قال :”فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر“، وقبل ذلك ذُكر برسالة كورنثوس الأولى الإصحاح 2: 9”بل كما هو مكتوب ما لم تر عين و لم تسمع اذن و لم يخطر على بال انسان ما اعده الله للذين يحبونه“. فإما أن هؤلاء الدعاة مضطربون عقليا أو أنهم يمتلكون أجهزة تيليتوسكوبية تكشف لهم عن عوالم أخرى، ليتناولوا تفسير الغيب بكل جرأة. وأشهر الفلاسفة عبر التاريخ توقفوا أمامه حتى أن هيوم حد العقل البشري بالعالم المادي، كأداة مخصصة للتعامل فقط مع الملموس بتفسيره وتحليله، فاعتبر كانط أن أي موضوع بعده يدخل في الإيمان والتسليم ولا علاقة له بالعقل .. وبعد أن قتل نيتشه الميتافيزيقا، أكّد سارتر أن جوهر مادة هو المادة نفسها.

لم يكذب القصيمي حين قال عن مثل هؤلاء :”إن الذين لا يجيدون الابتسام قد ينتهون إلى تشريع البكاء والدعوة إليه كعبادة“. ولا يتوقفون عند هذا الحد، بل قد يصلون لتشريع الموت والدعوة إليه كعبادة وخلاص.

”إنت مكانك مش هنا
ـ أومّال فين؟
ـ فوق..
ـ فوق فين؟
ـ فوق مع الشهداء
ـ ونتو حتقعدو هنا تحت، وأنا أطلع فوق لوحدي!
ـ أيوة..
ـ طب متطلعوا انتو فوق وانا استناكو هنا تحت“.

كان رد عادل إمام بمشهد من فيلم”السفارة بالعمارة“، أفضل إجابة قد نجدها على الهراء السابق ذكره.

لقد حدس محمد أن مغفلين قد يأتوا ويتلاعبوا بالمفردات، لذلك سعى لإيضاح أهمها بخطبة وداعه عند قوله :

”المؤمن : من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم
والمسلم : من سلم الناس من لسانه ويده
والمجاهد : من جاهد نفسه في طاعة الله
والمهاجر : من هجر الخطايا والذنوب“.

لاندري من أين أتوا بلسعات النحل وروائح المسك وحكايا بني إسرائيل عن القبور وماسواه من الماتريكس Matrix الديني!.

بنَص مُعنون ب”عن دعاة الموت“لنيتشه، يقول فيه بلسان بطل الرواية الشعرية”هكذا تكلم زرادشت“:

”ذووا الأرواح المسلولة هؤلاء، لا يكاد واحدهم يرى نور الحياة حتى يشرع في الموت وفي التوق إلى تعاليم العياء والزهد في الحياة
هؤلاء الذين إذا ما التقوا في طريقهم بمريض أو عجوز أو جثة، يقولون في الحين : “باطل هي الحياة” .. “عذاب، ولا شيء سوى عذاب هي الحياة” ـ هكذا يقول آخرون، وهم لا يكذبون. فلتعملوا إذن على أن تكفوا عن الحياة! ولتعملوا إذاً على أن تضعوا حدا لحياتكم هذه التي ليس سوى عذاب!
هكذا تقضي تعاليمهم : “عليك أن تقتل نفسك بنفسك! عليك أن تنجو بنفسك من نفسك!” ..
ملفوفون داخل كآبة ثقيلة ومتلهفون على الصدف الصغيرة التي تجلب الموت، هكذا يظلوا ينتظرون وهم يصرّون بأسنانهم..
إنهم لم يبلغوا بعد مرتبة الإنسان أولئك الفظيعون : فليكرزوا للإعراض عن الحياة، وليرحلوا عنها!”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This