د.يوسف زيدان: جوهر الخطاب الديني في اليهودية والمسيحية والإسلام واحد

رغم ما تردّد من أنّ رواية “عزازيل” للدكتور يوسف زيدان قد أساءت للمسيحية، واتّخذت من الرهبان والكهان العاملين بالكنيسة مادّة للسخرية والتهكّم، من خلال تناولها لخلافات اللاهوتية المسيحية القديمة حول طبيعة المسيح ووضع السيدة العذراء، والاضطهاد الذي قام به المسيحيون للوثنيين المصريين في الفترات التي أضحت فيها المسيحية ديانة الأغلبية المصرية، إلا أنها ظلّت من وجهة نظر كثيرين ضدّ العنف لا ضدّ المسيحيين إطلاقا، وضدّ الزعم بأنّ البابا ينطق باسم الربّ. فالتحدّث باسم الإله هو بداية تفجّر المذابح والعنف، وظهور المناخ الملائم للمتشددين في الدين الذين يدعون للقتل. والرواية تتناول العنف وكيفية تشكّله، وزعم القائمين عليه أنهم يمارسونه استجابة لأمر إلهي. وقد كان ردّ الفعل الصاخب والغاضب ضدّ الرواية وراء دراسة يعدّها د.يوسف زيدان للنشر الآن حول اللاهوت العربي.
حول الرواية وما صاحبها من غضب وصخب، وحول كتابه القادم كان هذا الحوار مع د.يوسف زيدان .

أثارت روايتك الأخيرة (عزازيل) ردود فعل غاضبة من جانب أقباط مصر، وأصدرت الكنيسة بياناً شديد اللهجة على موقعها. أولاً نودّ التعرّف على أسباب الغضب القبطي والكنسي؟


من غير المنصف أن نجمع هنا الأقباط والكنيسة، فهناك كثيرون من الأقباط تحمّسوا للرواية وكتبوا عنها مقالات احتفاء وتقدير، وهى مقالات ودراسات منشورة في الصحف وعلى شبكة الإنترنت. أما الذين هاجموا الرواية بضراوة غير مسبوقة، فهم (بعض) رجال الدين المتشدّدين ومواقع الإنترنت التابعة لهم. ومع ذلك فإنّ عدداً كبيراً من رجال الدين المسيحي قرؤوا الرواية وأبدوا إعجابهم بها، لأنهم قرؤوها كنصٍّ روائيّ، وأدركوا أنها رواية تدين العنف وتحتفي بالإنسان المختفي خلف ركام الاعتقادات والأوهام التاريخية.

ولكن هناك أساقفة وقساوسة أقباط غاضبون؟
نعم، هناك الأنبا بيشوي (سكرتير المجمع المقدس لكنيسة الأقباط) والقُمُّص عبد المسيح بسيط أستاذ اللاهوت الدفاعي بالكنيسة المرقسية، وهناك الذين أخذوا بكلامهما قبل أن يقرؤوا الرواية. وكلاهما، الأنبا والقمص، كتب بياناً غاضباً، وذكر أنه بصدد نشر كتاب يردّ على الرواية ! ولا أعرف كيف يمكن لهما الردّ على عمل أدبي مليء بالرمزية، يستند إلى حقائق تاريخية لا مجال لإنكارها.. وعلى كلّ حال، فقد قالا إنّ الكتابين سيصدران الشهر الماضي، ولكنهما لم يصدرا حتى الآن. فلننتظر حتى يصدر الكتابان، لنعرف وجهة نظرهما بشكل واضح. ولعلنا بعد ذلك، نصل إلى رؤى متقاربة ومواقف متفهمة، لإدانة العنف المرير الذي ورثناه.

بخصوص البيانات الرسمية المنشورة ضد الرواية، كيف كانت قراءتك لها؟
قرأتها عبر عدة مستويات. المستوى الأوّل هو علاقتي الوثيقة (سابقاً) و(حالياً) بكبار رجال الكنيسة القبطية وبقية الكنائس، ومن هذه الزاوية كنت أتوقع من الغاضبين أن يكونوا أهدأ تناولاً للرواية، وأن نتناقش حولها قبل إصدار البيانات.. والمستوى الثاني، إنّني رأيت في هذه التصريحات مسألة لم أحبّ وقتها أن أتصدّى لها؛ كيلا يزداد الأمر اشتعالاً، وهى أنّ الأنبا بيشوي، وهو الأسقف الجليل، لم يكن قد قرأ الرواية حين أصدر البيان الرسمي، وبالتالي فقد انتظرتُ هذه الأشهر الماضية، لأعطيه الفرصة للقراءة؛ لعلنا من بعد ذلك نتوصل إلى تقارب في وجهة النظر .. والمستوى الثالث لقراءتي فيما يسمى بالبيان الرسمي، هو إدراكي لحالة الفزع مما ورد في الرواية عن الأسقف (كيرلس عمود الدين) الذي ظهر في أحداث الرواية عنيفاً، وقد كان عنيفاً بالفعل! بشهادة التاريخ، وقد ساهم بشكل حاسم في (إظلام) الإسكندرية والعالم القديم، بسبب عنفه ضدّ ما كان يسمّى بالوثنيين .. وما الوثنيون إلا علماء الإسكندرية القديمة، وشعراؤها ومفكروها الذين كانوا نقاطاً مضيئة في تاريخ البشرية، وهى النقاط التي طمستها المسيحية بقصد أو من دون قصد.

إذن هناك تشابه بين مشكلات الخطاب الديني المسيحي والإسلامي؟
جوهر الخطاب الديني في اليهودية والمسيحية والإسلام، واحد .. غير أنّ له تجلّيات متعدّدة بحسب اختلاف الزمان والمكان.

وما الإشكالية الأساسية برأيك في الخطابات الدينية: اليهودية والمسيحية والإسلام؟ وهل هناك سبل متاحة لتقويم وتجديد هذه الخطابات؟
الإشكال الأساسي هو (رؤية الآخر) فالآخر عند اليهودي هو (الأممي) الذي يجب إزاحته عن الأرض المقدسة التي وعد الله اليهود بها، على زعمهم، وهي الأرض الممتدّة من النهر إلى النهر، أي من الفرات إلى النيل. هم يرونها أرضاً بدون سكان، ولذا يعملون جاهدين على إخلائها لتناسب وهمّهم القائم على (عهد) الله (القديم) لأنبيائهم. والآخر عند المسيحيّ هو : الهرطوقى، الوثني، الضال! وهى التهم التي يلصقها المسيحيون بمن يخالفهم في الديانة، أو في المذهب الفرعي داخل الديانة المسيحية ذاتها. والآخر في الوعي الإسلامي هو: الكافر، المشرك، الزنديق! وهو شخص يجب إقامة الحدّ عليه .. هذا هو جوهر الخطابات الدينية، ولا سبيل لمعالجة هذا الجوهر إلا بإسقاط أجزاء رئيسة من التوهمات التاريخية التي صارت بفعل الزمان مقدسة، ولا قداسة فيها أصلاً .. ولكن الناس يقدِّسون ما يتوهمون، ولذا ترى المقدس عند هؤلاء غير المقدس عند أولئك، والعكس بالعكس ! فلا يوجد مقدس في ذاته، إلا الذات الإلهية. أما التاريخ فلا هو مقدس ولا هو مدنس، هو خبرة بشرية سابقة، علينا دوماً أن نعيد النظر فيها، لنراها مجالاً للمعرفة التي نستعين بها على فهم الحاضر ورؤية المستقبل.

اللاهوت العربي، عنوان كتابك الأخير الذي يصدر قريباً. هل لنا أن نتعرف على ملامح هذا المشروع الفكري؟
هو دراسة في اتصال الزمانين المسيحي والإسلامي عبر دائرة (العروبة) وبيان أن ما يسمى في تاريخ الدين المسيحي قبل الإسلام بالهرطقة، هو ذاته ما سوف يسمى في الإسلام بعلم الكلام (العقيدة) ولا أستطيع هنا أن ألخص لك الكتاب، وهو على حال سيصدر بعد أسابيع قليلة، وأرجو أن تتم قراءته بهدوء، ومن دون انفعالات مسبقة، حتى نرى عمق الصلة التي نظنها مقطوعة بين المسيحية والإسلام، ليس على معنى (التأثير والتأثر) وإنما على قاعدة التواصل التراثي الذي غاب عن أذهان المعاصرين.

هذا يمثل طرحاً فلسفياً، فهل برأيك لا يزال عندنا عقل فلسفي عربي، ومتى يمكننا تقديم فلسفة حقيقية؟
الفلسفة لا غنى عنها لأيّ عقل إنساني يقوم بوظيفته الأساسية (التفكير) وإذا غابت الفلسفة غاب الفكر وغابت الإنسانية.. ولا أريد أن أحكم على حال الفلسفة في بلادنا، فهو واضح للعيان! وبدلاً من ذلك، أسعى لتقديم فكر فلسفي رشيد لا يزعم لنفسه امتلاك الحقيقة المطلقة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق