ذاكرة التفاصيل.. التسكع على هامش الجامعة

كان المشي في الطرقات أهمّ بكثير من الجلوس في قاعة المحاضرات المؤدلجة، في جامعةٍ أعرف أنها لا تحتاج إلا للحفظ الببغائي كي أتخرّج منها، إلا أنّني ورغم علمي بهذه الحقيقة كنت لا أريد أن أرضخ لها وكنت عازمةً على الفهم حتى ولو كان الواقع مُحْبطاً فنحن بالنهاية جزءٌ من هذا الواقع، فالطالب يساهم بجزء من تردّي الوضع في الجامعة طالما أن هاجسه هو النجاح وليس المعرفة.

كنت لا أقرأ الفلسفة فقط إنما أنبضها، أعيشها، أتنفسها، لطالما آمنت أن جدوى الفلسفة يكمن في تشرّدها على طريقة سقراط، لا في كتبٍ موضوعةٍ على الرّفوف، فالفكر يموت إن لم يُقرأ ويُعاش، ونحن مثلا حينما نقرأ فكر(ابن باجة) أو غيره من الفلاسفة نحييه، وحينما نتبنّى فكرةً ما عند أحدهم- وهذا أمر مشروع- ونحاول أن نمارسها تزداد حيويّة الفكرة أكثر وأكثر، والأجدى من هذا كله أن نمتلك فكرة خاصة ونعيشها بصدق، ذلك أن الكثيرين منّا يفعلون ما لا يفكرون فيه، فالأفكار تحتاج دائماً إلى أرضٍ كي تعيش، أما الأفكار التي تحوم وتحوم دون أن تجد أرضاً تتعب في النهاية وتموت، وهذا ما نحتاج إليه في أوطاننا، نحتاج إلى أرضٍ خصبةٍ تساعد الأفكار الجميلة على الحياة، ألم يحبط مفكرونا فيما يسمى بعصر النهضة بسبب عدم وجود أرض تتلقّف أفكارهم وخصوصاً العلميّة منها؟

ذات مرّة شاهدت برفقة أصدقائي فيلماً سينيمائياً اسمه المصير يتحدّث عن الفيلسوف (ابن رشد) وعن محنته مع متزمّتي عصره، والفيلم من إخراج يوسف شاهين، وقد ذكر المخرج في نهاية الفيلم عبارة كانت برأيي تحتاج إلى إكمال حيث كتب باللهجة المصريّة (الأفكار ليها أجنحة محدش يقدر يمنعها إنها توصل للناس) قلت لأصدقائي: نعم الأفكار لها أجنحة ، ولكن لا بد لها من أرض تحط عليها.

كنت أمشي لساعاتٍ طويلة في شوارع دمشق دون أن أملّ أو أضجر أو أتعب، وحيدة شريدة، أبحث عن شيء لا أعرفه، ألتقط التفاصيل التي ما أنْ تُلتقط حتى تتلاشى، لتظهر تفاصيل أخرى أشدّ عصياناً على الاختزان، كنت أبحث عن وجهٍ له ملامح التأمّل، لكن عبثاً.. لا أجده فكل الوجوه نسخ، قلقة، بائسة، انتهازية، وكل العيون سلبَت الجدران والضّجيج والزّحمة بريقَها.

متعبةٌ شوارع دمشق، لكنها جديرة بالمشي فهي جميلة جداً بحاراتها وأزقتها، مليئةٌ بالتناقضات الغنيّة الثريّة لكلّ متعطشٍ، لاهثٍ وراء معرفةٍ لا يَطالها.

شوارع دمشق مليئةٌ بالناس المهمّشين، الذين ما زالوا في حضْنِها بالرغم من قسوتها، ينتظرون منها حناناً ودفئاً علّه يظهر يوماً، دمشق حنونة، لكنها لا تعرف كيف تظهر حنانها، فتخطيء الحساب لتظهرَ قسوةً مرعبةً كما كلّ الآباء الشرقيين. كان الحديث مع أشخاص لا أعرفهم يجذبني لأشعر أني موجودة في هذا العالم، فالذين نعرفهم لا يضيفون لنا شيئاً، أليس العلم هو البحث في الظلام؟!

أذكر لحظات النشوة التي كنت أشعر فيها حينما أتحدّث إلى أطفال مشرّدين، لا كنوعٍ من الاستعراض الزّائف، ولا كتواضعٍ أحمق يوهِم الإنسان أنه فوق البشر وأنه يتّضِع وينزل إليهم تكرّماً، في حين أنه منهم، وربما يستمدّ وجوده ممن يتواضع لأجلهم، وكنت دائماً أتذكر كلام (اسبينوزا) عن التّواضع فهو يرى أن التواضع من جانب القوي لا يكون إلا خداعاً يضلل به الناس، وهو من جانب الضعيف خجل، وهو في كلتا الحالتين يستتبع نقصاً أو فقداناً للقوة، ولكن اسبينوزا لم يفته أيضاً أن التواضع نادرٌ بين الناس، لا بل يكاد ينعدم، كما أنني لم أتحدّث إلى أولئك الأطفال كما يفعل واضعو ربطات العنق أمام الكاميرات، إنما كنت أتحدّث إليهم حديث روح تنبض عشقاً للحياة وللناس كيفما كانت حالاتهم، كنت أفرح كثيراً حينما يتكلم معي طفلٌ لا يعرف كيف ولماذا أتى إلى حياةٍ تنبذه وتتركه عارياً، وكان هذا العريّ أكثر دفئاً من كل الثياب، كان أكثر قرباً من حياةٍ أجْحَفتْ بحقه وأكثر حميميّة معها من كل الذين أكرمتهم وأعطتهم كل ما عندها فطعنوها في كل أنحاء جسدها.

كنت أحقق ذاتي لا في الحصول على علامةٍ عاليةٍ في مادةٍ من مواد الجامعة، ولا حينما أحصل على عملٍ يساعدني على إكمال الدراسة، فالذي يعمل في مجتمعنا لا يختلف كثيراً عن الذي لا يعمل، طالما أنّ الجميع يعيش حالة الاغتراب في الصّميم ، كنت أحقق ذاتي في التماهي مع هواجس وأحلام أناسٍ متعبين، تم إقصاؤهم من حياةٍ هي لهم أيضاً وهم من رحمها أتوا. لم آخذ دور الموجّه ولا المربّي ولا الواعِظ لأولئك المتسوّلين والمتسكعين والمقهورين، فأنا لست أعلم من (سارتر) الذي قال (من أنا كي أخطئك!!)، كما أنني لم أشعر بشعور أولئك الذين يقلقون ويفرحون في نفس الوقت حينما يصادفون مآسٍ، لا لأنهم أشرار إلى هذه الدرجة، بل لأن المحَن أعْتقتهم لتطالَ آخرين، وهذا ما عبّر عنه (نيتشه) فنحن حينما نتعاطف مع أشخاصٍ ضعاف أو معذبين لا يكون ذلك من أجلهم إنما من شدّة خوفنا أن يصيبنا ما أصابهم، أمّا أكثر ما بَغضتُه ومَقتُه هو شعور الشفقة، فهو شعورٌ سيء يقلل من شأن الإنسان ويهين كرامته، هو شعورٌ يحمل طابعاً دينيّاً انتهازيّاً، فنحن نشفق كي ننال أجراً في الآخرة، وهذا عطاء الضّعيف الانتهازي الزّائف الإيمان، أمّا القوي فهو مَنْ يعطي دون انتظارٍ لمقابل، وهو عندما يؤمن لا يتعاطى مع إيمانه بشكلٍ وضيع.

إننا بشكلٍ أو بآخر موجودون لأن الآخر المختلف عنا موجودٌ أيضاً، فالتقابل يُظهِر وضوح الأشياء وحضورها، ونحن حينما نصادف أشخاصاً أقلّ منّا من وجهة نظرنا، نشعر بزهوّنا ولا نفكر مطلقاً أن شعورنا هذا مصدره ما نزدريه، فيكون ما نزدريه إيجابي ونصبح نحن السلبيين لأننا نتلقى شعوراً إيجابياً يمدّنا به الآخر الذي نعتقد أنه سلبي، فكم يضحكني أولئك الذين يعتقدون أنهم أفضل من غيرهم ويدافعون عن معتقداتهم بشراسة من خلال سَعْيهم لإلغاء من يخالف معتقدهم وخصوصاً الدّيني منه، جاهلين تماماً أن هذا الآخر الذي يريدون إلغائه هو مصدر وجودهم فالمؤمن لم يوجد إلا لأنّ الملحد موجود، والفقر المدقع لم يوجد إلا لأنّ الثراء الفاحش موجودٌ أيضاً، ونحن لا نشعر أننا عاقلون إلا لأنّ هناك أناسٌ يتصفون بالجنون، والمغايرون بالجنس لا يشعرون أنّهم طبيعيون إلا من خلال أولئك الذين ينعتونهم بالشّاذين.

إذن، لِمَ كلّ هذه المحاولات من أجل إلغاء الآخر الذي يعزّز حضورنا؟ ولِمَ كلّ هذا الضّجر والخوف من التنوّع؟ فالحياة لا يمكن أن تقوم إلا على هذا التنوّع الخلاق المنتج إلى ما لا نهاية، ليفتت النماذج والأنماط والأيقونات. أذكر هنا أن دمشق تحتضن قبر(ابن عربي) الذي ذابَتْ في قلبه كلّ الصّور حينما قال:

لقد صار قلبي قابلاً كل صورةٍ

فمرعى لغزلان، وديرٌ لرهبانِ

وبيتٌ لأوثان، وكعبة طائفٍ

وألواح توراة، ومصحف قرآن

أدين بدين الحب، أنّى توجّهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني

كم كنت أحب المشي تحت ذلك الجسر، حيث تناثرت الكتب الرّخيصة الغالية فيمرّ من جانبها أناسٌ مسرعين بحثاً عن المال والثروة، ويمرّ آخرون فتستوقفهم كتبٌ تشدّهم لقراءتها، وآخرون يدركون أن هذه الكتب أثمن منهم بكثير فيرحلون ليلملموا شتاتهم المبعثر في كل أرجاء المدينة.

وقد كان الجميل حقاً بالنسبة لي أن المتحف الوطني لا يبعد كثيراً عن هذه الكتب، كنت أدخل المتحف بشغف وأفخر أني أنتمي لمنطقةٍ كانت موطِناً لديانةٍ للخصب تحتفي بالحياة والطبيعة في حقبةٍ من الزمن، كنت أريد رؤية منحوتاتٍ جميلة تشعرني للحظات أني إنسانة طالما أن النحت لغة إنسانية عالية، استنطاقٌ لصمت الحجر السّرمدي، قدرة على الحوار حتى مع جماداتٍ عصيّة، بثّ للرّوح الإنسانية في المحيط ، لكني ما أن أرى السيّاح يتجوّلون في المتحف حتى أشعر بالغربة وينتابني شعورٌ عميقٌ بأنني أنا السّائحة، فلا أدري لِمَ كل هذا الشعور بالدّونية تجاه أناسٍ أعرف تماماً أنهم غرباء وعابرون! وأنني أنا ابنة المنطقة وأنا مَنْ ينتمي إلى أوغاريت وماري وإيبلا بالوجدان!

ولكني بالمقابل كنت أعرف أن حالة الاغتراب هذه لست أنا المسؤولة عنها، إنما ثقافة جعلتنا غرباء عن ذواتنا، عن أمكنتنا، وهنا أعود بذاكرتي إلى الطفولة، فذات مرّة في إحدى الرحلات المدرسيّة الرسميّة جداً التقينا بسيّاح وكانوا بالنسبة لنا وكأنهم كائناتٍ من كوكب آخر، وأذكر يومها كيف أتتْ صديقتي مسرعة كما البرق تقول لي أنها قالت لسائح (Good morning) وقد كانت العبارة الوحيدة التي نحفظها عن ظهر قلب من اللغة الإنكليزية كلها، حيث أننا كنا بمنتهى الكسل في مادة اللغة الإنكليزية طالما أن كلّ اهتمامنا كان يجب أن ينصبّ على اللغة العربية كونها مادة مرسّبة وتبتلع كل المواد الأخرى في جوفها، ومع ذلك بقينا مغتربين عنها وعن كل ما يمسّنا.

كنت أرْقب المنحوتات واللقى الأثرية بصمتٍ بالغ وتراودني أسئلة كثيرة حول تعاملنا المصْلحي مع الأشياء وفقداننا للحسّ الجمالي، واغترابنا عمّا نمتلكه، فمن جهةٍ نحتقر الوثنيّة ونذمّها ونكفّرها ومن جهةٍ أخرى نتباهى أمام العالم أننا أصحاب حضاراتٍ ضاربة الجذور في القِدَم ونغتبط حينما نعثر على تمثالٍ لإله ونسارع لعرضه في المتاحف من أجل تصيّد السياح من كل أرجاء العالم. كنت أعيش لحظاتٍ أتخيّل فيها نفسي تارةً عشتار وأخرى ربّة النّصر وأخرى حسناء تدمر، لكن هذا الشعور كان يتلاشى نهائياً عند بوّابة المتحف، لأرى وجوهاً تقول لي أن الحجارة الموجودة داخله ليست لي، هي للآخر البعيد، للسّائح فهو أهم منّي بكثير، كما أن الحجارة أهمّ مني أيضاً، أنا التي تسري الدّماء في شراييني، أنا الحاضر، أنا اللحظة الراهنة.

لكن الشارع الأكثر تشبّثا بالذاكرة، والذي كان الأكثر إغراء للمشي فيه، هو ذلك الذي حَوَى في خاصرته مقهى يجمع شتات المفكرين والمثقفين والشعراء والحالمين بأحلام تتكسّر كل يومٍ على أرصفة النسيان، وكان بعضهم يُصِرّ على حلمٍ جديد في يوم جديد، والبعض الآخر لم يعد يقوى على احتمال الهزيمة فيقرّر الانكفاء على ذاته وهذا ما كنت أراه مُفجعاً حقاً، وكانت تباغتني نظراتهم المشدوهة، الناظرة عبر زجاجٍ شفافٍ جداً يكشف لهم عمق ما يجري في الخارج فأشعر أن التشرّد يَطال هؤلاء أيضاً.

وإلى جانب هذا المقهى جلست إمرأةٌ بعمر أمّي تبيع علب السجائر المهرّبة على الرصيف، وكنت كلما عمّقت النظر في صدرها المُرهق شعرت أن هناك جريمة تُرتَكب بحق الأنوثة، تجعل الكون كله خواء.

في الحقيقة أنا لست ممن لا يعتنين بجمالهن الأنثوي، والأغصان في رأسي مشذبة بعناية، إلا أنني أحتفظ في داخلي بكائن بدائيّ لا أريد التخلي عنه وهو أيضاً لا يريد الرّحيل ويرافقني أنّى ذهبْت، كائن يحصّنني من كلّ محاولةٍ لسلب ذاتي وتشويهها، ذاتي العذراء تماماً، والتي لم ولن أسمح باقتحامها، فذاتي لي وحدي وتستحق حبّي العظيم، هي حَدْسي الفطري.

عذراً،هذه ليست نرجسيّة على طريقة (فرويد) إنما نرجسيّة (باشلاريّة) تجعلني أرى ذاتي في العالم، أجل العالم مرآة لذاتي، أتوحّد مع ذاتي لتصبح روحي شفافة من أجل التقاط جماليات الحياة، وإضفاء معانٍ وقيمٍ ساميةٍ على هذا العالم، ذاتي هي شعوري تجاه عالمٍ أشاركُ فيه، هي التي تجعل الحياة تستحقّ العيش في لحظات الانكسار والانهزام، تنقذني لتعطيني معنى جديداً أواصلُ العيش من أجله، تكشف لي جمال القبح لتقرّبني جداً من صديقي الساخر(فولتير).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق