“ذاكرة الجسد” والقوميّة العربيّة

قد سمعت، منذ زمن، أنّ المخرج السوري نجدت أنزور سيخرج مسلسلاً تلفزيونياً مستمداً من رواية "ذاكرة الجسد" للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي. وقد شدّتني الفكرة لأنّي قرأت الرواية منذ سنتين تقريباً وأعجبت بها. وكان أساس إعجابي لغتها الراقية أكثر منه حبكتها الروائية التي اعتقدت حينها أنّها غير معقدة. إذا اعتقد البعض أن اللغة واحدة فإني أختلف معهم و"ذاكرة الجسد" مثال ممتع على لغة (ألفاظ ورموز) امرأة تتخلّص من الإرث الذكوري الثقيل للغة العربية.

وحديثاُ أعجبت بمسلسل "ما ملكت أيمانكم" للمخرج نفسه لسبب مشابه وهو أنّه أعطى بطلات عمله الدرامي كلّ الحرية للتحدّث بلغة المرأة العربية، لا بل هو أعطى هذه اللغة مشروعية وإنسانية لا تملكها حتى في الحياة الواقعية اليومية. وبما أنّي أعيش في أمريكا، لا يصلني الجنون العربي التلفزيونيّ الرمضانيّ إلّا عن طريق الإنترنيت، نافذتي على العالم. فسارعت إليها، لأتتبّع أخبار هذه المخرج الجريء، خاصة بعد أن نقل له سعيد رمضان البوطي سخط الربّ الذي يبدو أنه تكلّم مباشرة مع البوطي فأخذ الأخير يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويتهدّد ويتوعّد ناسياُ أنّ التشريع والتنفيذ تملكهما الدولة أولاً وأخيراً.

ولست، هنا، بصدد المقارنة بين حاكمية الله وحاكميّة الدولة، ولكني بصدد الحديث عن إنتاج "ذاكرة الجسد" كعمل درامي. هذا الإنتاج الذي تعرفت عليه أخيراً بعد أن أعادته ذاكرة الشبكة إلى ذاكرتي. لم أر العمل كاملاً، ولا شك لديّ في قيمته الفنية العالية وقدرته على الجذب والإمتاع كما كانت الرواية بالنسبة لي. لكني فوجئت بأن العمل ناطق باللغة الفصحى المعرّبة (لكن المقطع القصير الذي شاهدته احتوى على خطإ في الإعراب). وقد كان أملي أن أسمعه بلهجة جزائريّة، فلطالما أحببت الإستماع للهجات المغرب العربي التي أفهم فروعها المدنيّة الحديثة. فاتصالي بها كان في فرنسا ولم يكن لي أي اتصال بالفروع القروية أو البدوية أو الإختلافات المناطقيّة. والرواية، قبل كلّ شيء، جزائرية في شخصياتها وأماكنها ومشاعرها وحتى حوارها. ولا أدَلَّ على ذلك من استخدام الكاتبة لجمل من المحكيّة الجزائريّة حين يصل الحوار إلى درجة قصوى من الحميميّة. وكأنّ الفصحى لا تستطيع أن تحمل عمق الشعور الإنساني وضراوته وحرارته حين تتّحد روحان في عشق وقلبان في خفقة واحدة ونفسان في شهيق واحد وزفير واحد. حين تصل الروح إلى الحلق ويعجز اللّسان إلا عن بضع كلمات مفكّكة، لا مكان عندئذ إلا لكلمات من المحكية المحلية، لغة الأم والأب والأحبّة واختلاجات الشعور اليوميّة.

إنّه لمن السذاجة أن نفرض على فنّ محكيّ حواريّ (كالمسلسل التلفزيوني) لغة الكتابة. اللغتان، لغة الكتابة ولغة التخاطب، منفصلتان في كلّ المجتمعات. ومن يصدّق زعم بعض الدارسين الأوروبيين أن المجتمعات العربية تمزقها ثنائية لغويّة (diaglossia) مخطئ، لأن هذه الثنائية موجودة في كل المجتمعات التي تعتمد الكتابة، وإن بدرجات مختلفة. ما يمزق هذه المجتمعات لغوياً هو جمود لغة الكتابة (حيث نسعى وراءها ولا تسعى وراءنا، أي نتأقلم مع عربيّة القرون الوسطى، ولا تتأقلم هذه العربية مع حياتنا المعاصرة) وإهمال لغة التخاطب إلى درجة الاحتقار. إنّ اللغة المحكية تختلف باختلاف الفوارق الطبقية، والفوارق الجغرافية، والتعليم، وانتشار وسائل الإعلام الجماهيرية المسموعة والمرئية والمكتوبة، وقوة الدولة المركزية، ووجود وسائل مواصلات وعلاقات اقتصادية وتجارية، وثقافة النخبة التي تصبح الثقافة المعيارية، وحيوية الإنتاج الثقافي بكل أشكاله. أمّا لغة الكتابة كمهارة فردية فهي بمنأى عن هذه المؤثرات، عدا مستوى التعليم وما يحدده، وهذا باعتقادي أساس تمايز اللغتين. إن لغة الفلاح في جنوب فرنسا مختلفة عن فرنسية الكتابة. ولغة العامل الأسود في أمريكا تختلف عن إنكليزية الكتابة. وحتى إنكليزية الأكاديمي في بيته تختلف عن لغة أعماله المكتوبة. لغة الكتابة تقارَن دائماً بمعيار ثابت أو بطيء التغير، بينما لا معيار للغة التخاطب أو على الأقل لا رقيب عليها في أغلب الأحيان. لكن قد يقول قائل أن الفروقات بين فرنسية التخاطب وفرنسية الحوار أقل منها بين المحكيات العربية وعربية الكتابة. صحيح، لكن الحقيقة هي أن هذه الأمثلة التي استخدمتها بسيطة ونادرة نظراً للقرون الطويلة والجهود المضنية التي بذلتها النخب الأوروبية والغربية لبناء هذا التجانس المصطنع الذي نراه في بعض الدول الغربية. أما الحالة الأكثر انتشاراً في العالم فهي وجود لغات ولهجات متعددة إلى جانب لغة رسمية (لغة كتابة غالباً) هي لغة التعليم والدولة والتواصل الوطني. هذه هي حال الهند والصين وإفريقيا والشرق الأوسط العربي وغير العربي.

إنه لمن السذاجة أيضاً أن نفرض على فنّ محكيّ لغة لم تتغيّر قواعدها منذ خمسة عشر قرناً، هذا إذا كان العرب القدماء (أي ما يسمى العرب العاربة) فعلاً تكلموا بهذه اللغة التي هي في الحقيقة من صنع النحويين واللغويين. العربية المسمّاة بالفصحى (وكأنّ المحكيات عاجزة عن البلاغة) لغة لا تملك أي مخزون شعوري، وهي تخذلنا حين نفرض عليها أن تكون لغة محكية أو حتى لغة حوار. يعجز الممثلون العرب عن ضخّ أية شحنة شعوريّة في هذه اللّغة حين يستخدمونها في السينما أو التلفزيون، وهما فنّان قائمان على الحوار. وليس هذا لافتقادهم للمهارة اللغوية أو للموهبة الفنية وإنما بسبب غياب الشحنة الشعورية التي تتظاهر في المفردات الحميمة والتعابير اليومية وأسلوب الأداء والتي نتعلمها عن طريق التواصل مع الآخرين، بينما مجال عربية الكتابة الحيوي هو التعليم والصلاة والدولة والقراءة. إنّ لغة الحوار ليست لغة واحدة بل لغتان متشابكتان تحمل إحداهما الأخرى وتغيرها، واحدة تعتمد الأحرف وأخرى تعتمد الإشارة من حركات الجسد وتموّجات الصوت ونبرة الخطاب. أمّا لغة الكتابة (في أي مجتمع)، فهي تفتقد إلى لغة الإشارة هذه. فكيف نأخذ لغة الكتابة ونفرض عليها وحدها أن تتحول إلى لغة حوار.

في مقابلة وجدت نصّها على موقع (شبابلك) يقول المخرج نجدت أنزور منتقدا الدراما المصرية لنظرتها الضيقة للشارع العربي وكأنّه شارع مصري فقط: "ما يميّز الدراما السورية هو العمق القومي؛ فأعمالي مقدّمة باللّغة العربية الفصحى كي يشعر جميع العرب بأنها جزء منهم، وأعتقد أنّ أعمالي قريبة من جميع المواطنين العرب في المشرق والمغرب." هذا قد يفسر اختياره للفصحى في مسلسل "ذاكرة الجسد". لكن الوجه الآخر لهذا الإدعاء الأيديولوجي هو اعتقاد بأن مشاهدي مسلسله، وأغلبهم من المشرق العربي، لن يفهموا اللّهجة الجزائرية المغاربية، واعتقاد آخر أن أية لهجة عربية لن تستطيع الوصول إلى كل العرب. فهل يا ترى تكون العربية الفصحى الحل في معضلة التواصل هذه التي لا بد من حلها؟ ولا أرى أن هناك مشكلة تواصل انطلاقاً من الإيمان بوجود شيء يسمى القومية العربية تحتم هذا التواصل وتفرضه، وإنما مسايرةَ لعصر تقنيات التواصل الحديثة وإيماناً بضرورة وأهمية هذا التواصل بين جميع البشر. إن تقنيات الإتصالات الحديثة تضع القومية العربية على المحك فيما يخص أهم مقوماتها، وأعني اللغة العربية الفصحى. فهل أعود هنا إلى الجدال القديم-الحديث حول وجود القومية العربية أو إمكانية تحقيقها؟ هذا الجدال الذي أضحى في عداد ما يعتبره الكثيرون سلاحاً في ترسانة الإستشراق والإستعمار الغربيين لتدمير الأمة العربية، والآن يضيفون الإسلامية. نعم أعود إلى هذه الجدال غير المحسوم، وبكل بساطة. إذ لا بد أن نواجه هذا التابو من أجل حياة أفضل للجميع لا تعطي الأولوية لعقيدة ما على حاجات الناس اليومية، فقد ولّى عصر الأيديولوجيات، اللهم إلا في مكاتب السياسيين، واجتماعات الإسلاميين السرّية، وفي بعض كهوف أفغانستان.

يقول الناس "ولّى عصر الأيديولوجيات" وفي صوتهم نبرة حسرة يحاولون إخفاءها. حسرة وحزن يعبران عن شعور باليتم بعد أن ماتت أبوّة الأيديولوجيات العظمى التي تحمل حلّ جميع المشاكل. تلك الأبوة التي قادت الناس جميعاً على اختلاف لغاتهم إلى عالم الحتمية والخلاص على يد النخبة الطليعية ذات الحصافة الأبوية والساعد القوي الذي يقود أطفال الحياة الخائفين من بروق الواقع ورعوده إلى عالم الأمان.

اسمحوا لي أيها السيدات والسادة "وفي هذه اللحظة الحرجة من تاريخ أمتنا" أن أقول لكم "أفيقوا!" لقد ولّى عصر الأيديولوجيات العظمى لأننا لم نعد بحاجة إليها. وهذا الفراغ الفكري الذي يتكلم عنه البعض، ما هو إلا خدعة يستخدمها من يحملون أيديولوجيا عظمى أخرى يسوّقونها علينا. إذا فشلت الأيديولوجيات القومية والإشتراكية والدينية والرأسمالية فلا يعني هذا أننا بحاجة إلى أخرى أفضل، بل فشلت لأن كل الأيديولوجيات العظمى ستفشل إن عاجلاً أو آجلاً. لا وجود لأيديولوجيا أخرى أفضل، والنتيجة المنطقية كما أراها هي أننا لسنا بحاجة إلى أية أيديولوجيا عظمى. قد تكون الأيديولوجيا العظمى بسيطة مثل "الإسلام هو الحل" أو معقدة مثل حسابات البورصة العالمية، لكن الحل ليس في نظام متكامل مغلق نطبقه كما هو دون زيادة أو نقصان، وإنما في نظام يعي تعقيد الحياة ومتغيراتها اللانهائية العدد ولديه القدرة في أن يتأقلم وينتقد ذاته ويغيرها وفق مبادئ تحترم حق جميع الناس في الحياة والاعتقاد. أي وفق مبادئ تعطي الناس حرية أن يتغيروا ويعيشوا كما يريدون دون أن يطغوا على حق الآخرين في الشيء ذاته. هذه المبادئ تعترف بثابت واحد هو دوام التغير واستمرار الحياة كما تتجلى في كل فرد (ولا أعني بقاء النوع، إذ كل فرد منا حياة وعالم قائم بذاته). فأين القومية العربية من هذا النظام؟ وما الصلة بين فصحى مسلسل "ذاكرة الجسد" وهذه المبادئ؟

لطالما احترت في تناقضين رأيتهما مراراً. التناقض الأول هو تعلّق المغرب العربي بالمشرق العربي كما تعلقت مستعمرة "قرطاج" بمدينتها الأم "صور"، وفي الآن نفسه ذلك الغضب المبطن الذي يحسّ أن المشرق يطغى ويخنق المغرب ويهدد خصوصيته. التناقض الثاني هو إيمان المشرق العربي بقومية عربية تجمع العرب كلهم، لكنها في الوقت نفسه مشرقية بلغتها وثقافتها ولا ترى في لغة المغرب وثقافته إلا دواماً مقنعاً لجاهلية غير عربية، يسميها البعض أمازيغية والبعض بربرية. وقد رأيت هذا حتى في الطلاب الأمريكيين الدارسين للعالم العربي فهم إما يدرسون المشرق أو يدرسون المغرب، وإما يعشقون المشرق أو يعشقون المغرب، ولا يجمعون بين الإثنين أبداً. وكأنّهم يعكسون خفايا المجتمعات التي يدرسونها، هذا عدا عن حقيقة وجود اختلافات لا يستطيعون تجاهلها رغم أن العرب أنفسهم يتجاهلونها. وليس الأمر بهذه السهولة والقطبية فالواقع لا ينفرط إلى قطبين، المشرق والمغرب، بل إلى أقطاب متعددة ومتغيرة. يمكن أن نرى الشيء ذاته بين الشام والجزيرة العربية، بين الشام والعراق، بين مصر وبقية العرب. والآن قد نرى هذا بين سوريا والأردن، مصر والجزائر، الجزائر والمغرب إلى آخر هذه التركيبات المحتملة. فكيف نتعامل مع هذه المشاعر المتناقضة والحقائق المتناقضة؟ نتعامل معها تماماً كما تعلمنا أية أيديولوجية، بالذنب وجلد الذات. نحن متقاعسون لأننا فشلنا في تحقيق الوحدة العربية. ولو كنا متحدين لما تجاسر علينا الإسرائيليون. ولن تقوم لنا قائمة إلا بتوحيد الأمة العربية. أما الأيديولوجية الإسلاموية فتعيد ذات الأقوال مع استبدال "العربية" بـ"الإسلامية". وقد بدأ مفهوم القومية الإسلامية يظهر في دراسات الباحثين في الشأن العربي أو الإسلامي.

اسمحوا لي أن أحوّر هذه الأقوال بعض الشيء حتى أوضّح فكرتي: نحن مذنبون لأننا فشلنا في التقوى والاعتصام بحبل الله. لو كنا مؤمنين حقاً لما أرسل الله علينا غضبه بكسر شوكتنا وتسليط اليهود علينا. لن تقوم لنا قائمة إلا بالعودة إلى الدين الحق. هل اتضحت الفكرة: المعيار، الضلال، الذنب، العقاب، العودة إلى الصراط المستقيم. كل الأيديولوجيات تتبع العقلية نفسها التي ما هي إلا عقلية الإبن الضال تجاه الأب المتسلط والحكيم في الوقت ذاته. هذه العقلية التي هي مكون أساسي في الدين والقومية والإشتراكية والديمقراطية وأية أيديولوجيا نابعة من الإرث الأبوي. وهنا أعرّف الأيديولوجيا على أنها منظومة أفكار تشتمل على رؤية تفسيرية، وعلى مشروع مستقبلي، وعلى طريق للوصول إلى هذا الحلم المستقبلي. رؤية القومية للمجتمعات الإنسانية هي أنها بالضرورة منظمة حسب الإنتماء الإثني واللغوي (ويتداخل الإثني باللغوي حتى يتطابقا). العرب أمة واحدة لأنهم من أصل إثني واحد (العرب الفاتحون أو الساميون القدماء)، هذا هو طوطمنا، أي البدوي في الصحراء، وكلنا ننحدر منه. العرب أمة واحدة لأن لغتهم واحدة، أما المحكيات فهو كائنات ممسوخة، مسخها الجهل والاختلاط بالأقوام الأخرى التي هددت صفاء العرق وصفاء اللسان. لهذا ندعو المحكيات المحلية العامية، أي لغة العوام الجهّل. العرب أمة واحدة لأن دينهم واحد وتاريخهم واحد، أي التاريخ الإسلامي، وليس محمد إلا موحدنا وجامع شملنا وباني مجدنا. وإن كان الإسلام ديناً للناس أجمعين فقد اختارنا الرب لننشره، فالإسلام أولاً دين العرب ومحمد نبي العرب ("وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة". البقرة: 129). الإستعمار الكولونيالي والثقافي والاقتصادي يكسرنا متفرقين، وما كان ليكسرنا لو كنا متحدين قد حافظنا على إرث اللحظة التأسيسية الأولى، العصر الذهبي، عصر القوة (تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً * وإذا افترقن تكسرت آحادا). العصر الذهبي هو دائماً عصر فرضنا فيه قوتنا على العالم عبر الفتوحات ونشر الإسلام واللغة العربية. فحين نتذمر من سلطة الإستعمار الأجنبي علينا، لا نتخيل زمناً نتخلص فيه من هذه السلطة فقط، بل زمناً تكون لنا فيه مثل هذه السلطة على الآخرين. هذه هي الرؤية القومية للمجتمعات العربية. أما المستقبل المشرق الموعود فلا نعرف منه إلا لحظته الأولى، أي لحظة إعادة الوحدة ولمّ الشمل. أما ما بعد هذه اللحظة فزمن رتيب تنحلّ فيه الصعوبات من ذاتها لانعدام سبب وجودها، أي التفرقة. هو زمن نوراني لا ملامح له كالجنّة تماماً، ينعدم فيه الزمن وتتلاشى العقبات والآلام ويملؤه حبور أبدي. أما الطريق إلى هذه الحلم فهو الثورة، أي الإستيلاء على مقاليد الحكم في كل بلد عربي وفرض الوحدة. طبعاً لا ضرورة لاستشارة المعنيين، أي الشعوب، لأن الحقّ يخرج عن نطاق الأهواء الفردية. هذه الأهواء ما هي إلا مؤامرات ممن زين لهم الشيطان حب الشهوات المحرمة (وشيطان القومية العربية هو الإستعمار ولذلك يكون التكفير في القاموس القومي بالتخوين وادعاء العمالة للأجنبي).

لا أدّعي أن الناس قادرون على العيش دون أيديولوجيات. لا، فالأديولوجيات أدوات مبسطة للتفسير والتخطيط والتنفيذ. لكن الأيديولوجيات لها عمر تستهلكه ولا يمكن أن نضخ الحياة في أيديولوجية استهلكت عمرها. فهل يا ترى وصلت القومية العربية إلى شيخوختها؟ وما هي البدائل؟ أولاً فشلت القومية العربية في تحقيق مشروعها (مهما كانت الأسباب)، مما يجعل الواقع المعيش في تناقض دائم مع المشروع المعياري الذي تنادي به. يجب على الناس، إذن، بدل أن يجلدوا أنفسهم و"ينطحوا رؤوسهم بالحيط" أن يجدوا مشروعاً بديلاً. ثانياً، وإن اعتقدنا أن القومية عادت لتقود مسيرة الشعوب بعد تفكك الإتحاد السوفيتي، فإن الأبحاث الجديدة (مثلاً كتاب Benedict Anderson, Imagined Communities، وكتاب Ernest Gellner, Nations and Nationalism)، ومسألة حقوق الأقليات الإثنية والدينية، وتضخم أعداد المهاجرين حول العالم، والعولمة وثورة الإتصالات، كلها جعلت فكرة المواطنة وفكرة دولة الخدمات أكثر جاذبية من فكرة الإنتماء القومي وفكرة الدولة القومية. لقد شاخت كل الأيديولوجيات القومية وليس فقط القومية العربية.

فلنتحدث بصراحة، كلمة عربي تاريخياً تعني البدوي ولا تزال، ثم أطلقت على المتحدّث بإحدى لهجات العربية. وفي غياب أية أبحاث تاريخية حول معنى عربي وأعرابي في الكتابات الرومانية (وحتى الآشورية) وفي القرآن والكتابات الإسلامية المبكرة لا يمكنني أن أعطي إلا المعنى الذي كان ولا يزال مستخدماً. وعلى عكس كثير من المؤرّخين العرب، لم أر أي شعور بالإنتماء القومي بين الفاتحين إلا حين أصبحوا نخبة عسكرية معزولة عن رعاياها، وهذا شعور طبقي. أما فكرة النبي الموحد فتنتمي إلى الأدب العباسي (وهل لدينا إلا الأدب العباسي؟) وليس لدينا أدلة أخرى على قدمها، وليس من الضروري أن تعبر عن شوق قومي للوحدة بل هي على الأغلب نظرة إلى الوراء لجماعة تريد إعطاء معنى لوجودها السياسي. أما الفاتحون، فمهما كان أصلهم وفصلهم فقد كانوا أقلية، وما نحن إلا أحفاد المستعربين الذين كان ينظر إليهم الفاتحون الأوائل نظرة استصغار واحتقار (هذا عدا عن الهجرات اللاحقة). لا يوجد، اليوم، تعريف للعرب إلا على أساس استخدامهم للهجات نشأت من تمازج العربية القديمة مع لغات أخرى محلية. وهذا التعريف يكفي ولا داعي لأن نبحث عن أصل مشترك أو تاريخ مشترك أو دين مشترك فهذه ليست موجودة (لا فيما يخص القومية العربية ولا أية قومية أخرى). 

إن الوحدة العربية التي ما زال كثيرون يحلمون بها لم تكن يوماً ممكنة ولن تكون ممكنة في المستقبل القريب حسب ما أرى. ليس نشوء الدول العربية فقط من صنع الإستعمار وإنما أيضاً من إيمان النخب المحلية بأن الوحدة العربية تهدد كيانهم وثقافتهم ومصالحهم. ولا داعي لأن نتهمهم بالخيانة والتآمر لأنني أتكلم عنا نحن قرّاء هذه المقالة. صحيح أن حدود الدول العربية عشوائية بعض الشيء ومن رسم الفرنسيين والإنكليز لكنها تعبر عن هويات محلية كانت موجودة وقتها ولا تزال موجودة. ولا أرى إلا أن القوميات القطرية الصاعدة (من نمط "مصر أولاً" و"الأردن أولاً" وغيرها) ستستمر وتتعدد وتتطور وقد تصبح متنافرة متناقضة تعرّف نفسها من خلال إختلافها مع الأخريات (مثل القومية الإيرانية أو القومية التركية القائمتين على تأكيد الإختلاف عن العرب). والحقيقة أن هذه السيناريو يقلقني لأني أعتقد أن رابطة اللغة العربية (بأشكالها المكتوبة والمحكية) رابطة جامعة في زمن تسعى فيه الدول للتكتل من أجل الحماية الإقتصادية في وجه رأسمالية البورصات ذات الزوابع المدمرة ورأسمالية الشركات متعددة الجنسية التي لا تعرف الحدود ولا ترى في الناس إلا عاملين ومستهلكين لا حقوق لهم ولا ضمانات. لكن هذه التجمع الذي أحب أن أراه ليس قومياً ولا يفرض لهجة على أخريات وثقافة على أخريات، بل تجمعاً تزدهر فيه الطبقات الوسطى في كل بلد  لثقتها بمشروعية ثقافتها وبمشروعية وجودها كقائدة وحاملة لمستقبل أفضل.

إن الإعتراف بالهويات المحلية يريح الناس من قلق الوحدة العربية والإحساس المستمر بالإخفاق، ويضخ الحيوية في الأدب المحلي والثقافة المحلية دون أن تحاول أية ثقافة أن تطغى على الأخريات. وإن تكاثر القنوات الفضائية العربية وتسابقها لإنتاج أعمال محلية وجذب الناس لمتابعة هذه الأعمال إلا مؤشر على هذه القلق. وليس هذا من صنع "الأنظمة العربية" بل من صنع النخب العربية نفسها التي لا تريد أن ترى مجالها الحيوي يتلاشى لإفساح الطريق لنخبة مركزية وثقافة مركزية غير محددة المعالم. إن عدداً من النخب والثقافات القطرية تتنافس لتلعب هذا الدور عن طريق هيمنتها على الثقافات المحلية الأخرى ووصمها بالإنحراف عن المعيار التي تصور نفسها على أنها هو. نعم إن جودت أنزور محق في أن الدراما المصرية حاولت ولا تزال فرض نفسها على بقية العرب كموديل لغوي وثقافي (فهي لا تزال تتابع البرنامج والرؤية التي وضعها جمال عبد الناصر)، لكنه يقنّع فنه السوري ورؤاه القومية على الطريقة السورية بقناع عربي شامل.

إن مسلسل "باب الحارة" لا يمكن أن يكون إلا بالمحكية الدمشقية (ففي سوريا على الأقل ثلاث مجموعات من المحكيات)، ومسلسل "ذاكرة الجسد" باعتقادي كان سيكون أكثر جاذبية بمحكية جزائرية تختارها الكاتبة. عندما استمعت لبطلة المسلسل (أمل بوشوشة) تتحدث عن عملها تارة بلهجة بيروتية وتارة بلهجة سورية وأخرى بلهجة جزائرية "مخففة" وهي تحاول جاهدة مراقبة نفسها و"تصحيح" نطقها للكلمات، بينما تحدّث المخرج والممثلون السوريون بلهجة سورية تدمج الفصحى بالمحكية دون إحساس بالذنب، أحسست بالغبن الشديد. وصراحة فإنّي أجد في المحكية التونسيّة مثلاً (لمعرفتي الأكثر بها) جمالاً في النطق وسعة في المفردات لا أجده في المحكيّة السوريّة. وإذا كان لا بد، يوماً، من لهجة تفرض نفسها فإني لا أراها شبيهة بالمصرية أو بالسورية وإنما بالتونسيّة.

إن الإعتراف بالهويات المحلية هو اعتراف باستمرار وجود وحتى طغيان الهويات الإقليمية والقبلية والعشائرية والطائفية، ولا ضير في ذلك إذ نحن نعترف بالواقع القائم. نشهد حالياً صراعات متعددة بين هذه الهويات وبين هوية المواطنة التي تحاول الدولة المركزية نشرها (مهما كان هذا المركز قائماً على القبلية والطائفية فإن علاقته مع الرعايا تفرض نوعاً من التجانس على أساس المواطنة أو على أساس القومية القطرية). وأنا أرى أن هذه الصراعات يجب أن تحسم على نطاق محلي ولا يمكن أن تحسم على نطاق عربي شامل. أخيراً فإن الإعتراف بالهويات المحلية اعتراف بالأقليات الدينية والقومية واعتراف بجزء من تاريخ كل بلد عربي يمتد لقرون عديدة قبل الإسلام، ولا بد أن يدخل هذا التاريخ في تكوين الهوية المحلية، خاصة وأن أكثر الأقليات الدينية والقومية في العالم العربي كانت قبل الإسلام أغلبيات. فنحن إذ نحذف التاريخ ماقبل-اسلامي  نحذف هوية هذه الأقليات وجزءاّ كبيراً من هوية الأغلبيات صبغناه مع الزمن بصبغة إسلامية لكنه في الحقيقة أقدم من الإسلام بكثير. لا يمكن فهم سوريا مثلاً ما لم نفهم الحقبة الرومانية المسيحية والحقب السامية الأقدم. وهذه ينطبق على كل الدول العربية. لقد حان وقت المصالحة الوطنية تحت شعار المواطنة، ولن يكون هذا في ظل دولة عربية موحّدة لأن نشوءها يعني بالتعريف نفي هذه المصالحات وإلغاء هويات هذه الأقليات.

وعندما يريد جودت أنزور أن يُخرج مسلسلاً يعبّر، على زعمه، عن الروح العربية والثقافة العربية الأصيلة، ليقدمه للعالم أجمع في زمن العولمة وأزمة الإرهاب الإسلاموي العالمي، يخرج علينا بمسلسل "آخر الفرسان" الناطق بلهجة خليجية والمبني على أشعار الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم المنظومة على النمط المسمّى بالنبطي (أي هي أشعار باللهجة الإماراتية المحكية). القصة بحد ذاتها فيها الكثير من الرمزية، إنّها رحلة للبحث عن الرجولة (طبعاً فهذها مأزقنا الذي لا ينتهي) تبدأ بالتنافس على إمرأة (شيماء) بين ابن العم رابح والفارس بشار والشرير دهشان (الذي يغطي غموضُ نسبه، فهو لقيط، وعقمه كرجل قاعدةً تقوم عليها طبائعه الشريرة. بينما فروسية ابن العم تقوم على أساس نسبه الأصيل). يجوب الفارس بشار (بمصاحبة شخصية تتكلم اللهجة السورية وتذكرني بـ"سانتشو بانثا" خادم "دون كيخوته". لا تعليق هنا!!) أرجاء المعمورة بحثاً عن سيف هو شرط شيماء للزواج (ولن نتحدث عن المعاني الرمزية للسيف). يعود بشار أثناء عقد قران ابن العم رابح على شيماء فيتخلى رابح عن حقه بها لتتزوج بالفارس الحقيقي الذي تحبه (طبعاً القرار ليس قرارها). المرأة هنا موجود وغير موجودة. إنها موجودة كخلفية لأعمال الرجال (يبحثون عن مهرها) وليست كشخصية قائمة بذاتها. ما يهمنا الآن هم أن العروبة هنا تقطن صحراء الجزيرة العربية، جزيرة القرن التاسع عشر بالتحديد (في موطنها الأصيل النقي قبل تلوثها بالثقافة الغربية). إنها تقطن خيمة البدوي (والأفضل أن يكون صاحب أصل وشرف). العروبة تتمثل بالفروسية والرجولة وأخلاق الفارس الرجل. وأخيراً العروبة التي نريد أن يراها العالم تنطق اللهجة البدوية (طبعاً مع تحويرها بعض الشيء لتتناسب مع الممثلين السوريين واللبنانيين ومع الشعر الذي يدل على نصيب واسع من التعليم والبعيد في أسلوبه وألفاظه عن الشعر البدوي المنعوت بالنبطي). ما هي قومية نجدت أنزور إذاّ؟ لقد عاد بنا إلى تعريف هو خليط رومانسي من أدب العصر العباسي والهوية الخليجية الحاضرة (العربي هو الرجل البدوي الفارس ذو الأصل والشرف). وقد أزعم أن المسلسل محاولة أخرى لثقافة محلية للهيمنة على تعريف القومية العربية ومقوماتها، لكن الشبه بالتعريف العباسي للعروبة يجعلني أتريث، أليس كذلك؟ مستعربون من فارس والشام والعراق يعتمدون على أشعار الجاهلية لبناء هوية جامعة، وكاتب ومخرج سوريان وممثلون من بلدان عربية مختلفة يعتمدون على أشعار الأمير من جزيرة العرب لبناء صورة جديدة-قديمة للعروبة، ما أشبه اليوم بالأمس. ألسنا ندور في حلقة مفرغة من التناقضات نتصارع تحت غطائها عمن له الحق في تعريف العروبة؟

إذا كنت أرى أن النخب المحلّية والطبقات الوسطى المحلية تزدهر ضمن هويّاتها المحلّية وثقافاتها ولغاتها المحلية، فماذا نصنع بالعربية المكتوبة المسماة بالفصحى؟ كما ذكرت اللغة العربية رابطة جامعة وليس من الحصافة التخلي عنها خاصة وأنها لغتنا المكتوبة فإذا تخلصنا عنها ستحلّ محلّها إما لغات أوروبية مثل الفرنسية أو لغات محكية تم إتخامها بمفردات عربية بعد تعديل لفظها على غرار ما يفعله كل المتعلمون العرب في المواقف ذات الصبغة الرسمية. إنّ المحكيات مولدة عن اللهجات واللغات المختلفة التي شكلت اللغة العربية (لغة الإمبراطورية الإسلامية)، ولا تستطيع أن تقوم لوحدها بدور لغة الكتابة (كما لم تستطع الفرنسية أو الإنكليزية أن تصبح لغة كتابة دون اللاتينية والإغريقية). إذن، ومع انتشار التعليم ووسائل الإعلام ستتقارب لغتا الكتابة والحوار في كل بلد، وأنا أرى أن نساعد هذا التحوّل ببناء معاجم تضم مفردات اللغة المحكية وتعابيرها إلى جانب مفردات عربية الكتابة وخاصة الحديثة منها (مما يدفعنا إلى إقرار كتابة متعارف عليها للكلمات المحلية فلا تبقى مجالاً للاجتهاد الفردي). كما أرى أن نشجع الإنتاج الأدبي والفني المحلّي  بالمحكيات المحلية ونشره في كل البلدان التي تعتمد العربية لغة للكتابة حتى يتعرف الجميع على لغات الجميع.

من يستطيع أن يقرأ رواية "عرس الزين" للطيب صالح المليئة بالتعابير السودانية، يستطيع أن يقرأ حكايات عبد العزيز العروي المكتوبة باللّهجة التونسيّة. ولا يعتقد أحدنا أننا نفهم المصرية لسهولتها أو لقربها من الفصحى، بل نفهمها لأنّنا اعتدنا عليها منذ الصغر، ولا أدلّ على هذا من أنّ المصري العادي لا يستطيع حتى تقليد اللهجة السورية بينما يستطيع السوري العادي أن يتكلّم المصرية بطلاقة. وأعتقد أيضاً أنه علينا تعليم فن الخطابة بالمحكيّات وبتلك اللغة المتعلّمة الوسط بين لغة الكلام ولغة الكتابة.

أخيراً، أعتقد أن نترك حركات الإعراب إلا عند تدريس اللغة العربية القديمة وآدابها (أي فقط ضمن حصص الأدب القديم). ولا أدعو الشعراء للتخلي عن هذه الحركات وإنّما أدعو إلى إيجاد شعر لا يستخدمها بالإضافة إلى الشعر المعرب. أما الصحافة وأدب الرواية فنحن أصلاً لا نضع حركات الإعراب ولا نستعملها عندما نقرأ مقالة أو رواية. لقد انقرضت حركات الإعراب من كلام الفاتحين العرب خلال قرن أو قرنين من الزمن على أكثر تقدير ويعتقد كثير من الباحثين أن هذه الحركات كانت إما للإستخدام الأدبي وإما في طريقها للزوال من العربية المنطوقة. أما من يخشى على الدين والقرآن من ممّا أدعو إليه فأقول ببساطة: ما أدعو إليه حقيقة واقعية موجودة منذ القرن الإسلامي الأول، ومع ذلك لم يختف القرآن ولا الدين ولا العربية. ولا يزال القرآن مادّة نتعلّمها في المدرسة أو المسجد وليس في البيت فهو كان ولا يزال في مجال ثقافة الخاصّة وليس ثقافة العامّة، ولا يعرف العامّة منه إلا ما يلزمهم لأداء فرائضهم. فيا ريتكم اعطيتونا "ذاكرة الجسد" بالجزايرية القسنطينيّة، على الأقلّ كنا فهمنا إيش عم (عمّال) يقول الشاب خالد في أغنينة "ديدي" اللّي باحبها بالزاف. بالسلامة.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

أضف تعليق