ذكريات ميلتون حاطوم: أرابيسك برازيلية – ميلتون حاطوم

 ولد ميلتون حاطوم عام 1952 في مناوس في البرازيل، من أب لبناني وأم برازيلية، وهو يعيش حاليا في ساو باولو. أستاذ الأدب في جامعة بيركلي في كاليفورنيا وفي جامعة أمازوناس الاتحادية، له ثلاث روايات هي “سيرة شرق ما”، “شقيقان” و”رماد بلاد الأمازون”، إضافة إلى ترجمات برتغالية لأعمال فلوبير، مرسيل شووب، وإدوار سعيد. ينشر “الأوان” هذا النص له عن الهجرة والتيه، توليفا، بين الثقافات…

****

في بداية القرن العشرين، في ذروة “مرحلة المطاط”، غادر جدي لوالدي بيروت إلى منطقة “آكر” حيث عمل بائعا جوّالا: يطوف على القرى الواقعة على طول ضفاف النهر، بين مدن ريو برانكو وكزابوري. لقد كان من أوائل المهاجرين اللبنانيين ضمن عائلتي. بعد ثماني سنوات، عاد إلى بيروت مشبعا بصور بلاد الأمازون وبكلمات نقلها إلى أبنائه وأقربائه.

قيل إنه كان يروي قصصا غريبة عجيبة عن حوادث غرق ومبارزات وفيضانات وأوبئة ورحلات صيد في الغابات وفي البحيرات الأكثر نأيا في المنطقة ؛ وقيل أيضا إنه قبل أن يتوفى، تلا عددا لا يحصى من أسماء الأسماك والحيوانات الأمازونية وهو محاط برتل من الأطفال وبحشد من الأقرباء. وتبدو إحدى القصص التي كان يرويها الجدّ ـ والتي نقلها أبي ـ مأخوذة من مغامرة روائية. فقبل أن يصل ميناء بورتو آكر، فوجئ بإطلاق نيران، فإذا به يقفز من الباخرة ويسبح باتجاه الضفة حيث تمكن زاحفا من بلوغ الغابة. هنا، محتميا بين النباتات، وُجد من يعطيه بندقية “وينشستر” وسط إطلاق هتافات: “تحيا الثورة الأكرية” ! فكان أن صوّب جدّي نحو الضفة المقابلة وراح يطلق النار، وإذا به يشارك، دون علم منه، في المعركة الأخيرة ضد البوليفيين الذين سيُهزمون قريبا ويتنازلون عن إقليم شاسع سيُلحق بعد فترة نهائيا بدولة البرازيل الاتحادية.

“لو كنت سبحت إلى الضفة المقابلة، لكنت قضيت ربما، أو لكانوا رموني في السجن وانتهت مغامرتي البرازيلية هنا”، قال جدي لابنه.كبر والدي في رعاية تلك القصص وقرر أن يهاجر بدوره إلى “آكر”. سافر مع ابن عم له قبل وقوع الحرب العالمية الثانية ؛ وأثناء مروره في “مناوس”، تزوج والدتي وكانت من ولاية “أمازوناس”. التقيا في النزل ـ المطعم الذي كان يملكه جدّها الذي لم أعرفه. كانت والدتي تقول إنه كان طاهيا ممتازا ونهما لا يعرف الشبع ويخلط الأطباق العربية بالوصفات الأمازونية. كان يجول من مائدة إلى الأخرى ويتذوق أطباق الزبائن لكي يتحقق من دقة معايير التوابل وتوازنها. لا بد وأنها كانت طريقة خاصة لديه، ككل تاجر، بإغواء زبائنه.

من جانب الوالدة، كان والد الجدة، حنا من منطقة البترون في شمال لبنان، هو أول من استقر في مناوس، في بداية القرن العشرين أيضا. كان من عائلة مسيحية، وتزوجت ابنته إميلي، أي جدتي، من مسلم، وهو زواج بين الطوائف (أكثر ندرة في لبنان) تكرر مع والديّ. هكذا كانت التوراة والقرآن الكتابين المقدسين في منزل طفولتي. واستمر الأمر على حاله خلال نصف قرن، وأحمد الله ووالديّ، أنه لم يُفرض عليّ أي دين.

استقرت النواة المؤسسة لعائلتي في مناوس، غير أني أملك أقارب في زوايا البرازيل الأربع. فقدر المهاجرين هو حياة التشرد هذه، التوقف في عدة أماكن والانتماء إلى أكثر من بلاد. وربما كان هذا هو المصير الذي عرفه العرب الأوائل الذي هاجروا إلى البرازيل (وإلى أميركا اللاتينية بشكل عام) نحو العام 1880، عندما بدأت “الهجرة الكبيرة” التي تنحدر منها “الجالية” ويشكل أبناؤها اليوم نحو 8 ملايين برازيلي.

تعددت أسباب الهجرة العربية (اللبنانية والسورية) إذ هرب المسيحيون (الكاثوليكيون، المارونيون، والأرثوذوكسيون) من الإمبراطورية العثمانية، إلا أن الغالبية العظمى على ما أعتقد، هاجرت سعيا وراء حياة أفضل. قلة هم المستعدون لترك بلدانهم للأبد وللتكلّم لغة أخرى مع علمهم أن لغتهم الأم ستكون محصورة في حلقة صغيرة من الأهل والأصدقاء داخل جماعتهم. في أميركا اللاتينية، كان يطلق (وما زال) على المهاجرين العرب لقب “أتراك” بسبب جوازاتهم الصادرة في حينه عن الإمبراطورية العثمانية. أذكر أن جدتي، المسيحية المؤمنة، كانت تقول لنا: “تركية، أنا؟ كيف وعائلتي هربت من الأتراك…”

كان العجائز المسنون يروون حكايات عن الخروج، التنقلات، الرحلات الطويلة، الأعمال التجارية على ضفاف أنهار بلاد الأمازون. وكانت تلك وقائع ملأى بالمغامرات والأخطار تخيّم عليها، كالحتمية، رغبة الاستقرار والنجاح في البلد الجديد. كان والدي وجدّاي لأمي يتحدثون العربية، إلا أن والدتي لم تلفظ كلمة واحدة بلغة والديها، لكونها برازيلية. لذا كانت العربية بالنسبة لي أشبه بلحن مصنوع من نغمات أليفة، لكن قصية، ما لبثت أن تحوّلت شيئا فشيئا إلى مجموعة من الأصوات تستدعيها الذاكرة تدريجيا مع رحيل القدامى. كانت اللغة الفرنسية أسهل متناولا لأنها أقل صعوبة، ولأن جدتي إميلي كانت تحكيها بالتناوب مع العربية: لقد تابعت تعليمها في ثانوية فرنسية في بيروت. كان جدي يسألها دائما: “لماذا تتكلمين الفرنسية مع حفيدنا ؟ إنها لغة المستعمر”. فكانت تجيبه بالفرنسية: “حسنا يا كبيري”، مقلّدة بامتياز اللكنة العربية.

أعتقد أن تقاطع الثقافات والأصول هذا كان حاسما بالنسبة للطفل والمراهق اللذين كنتهما. فالمهاجرون بشكل عام يجهدون لإيجاد مكان لهم في البلد المختار. إنهم يعملون ويوفرون مبلغا من المال حالمين باللحظة التي ستمكنهم، ولو مؤقتا، من العودة إلى مسقط رأسهم. وهم يقيمون على الحدود الثقافية: بين لغتين، وبين ثقافتين. جملة طويلة تقال بالعربية، تتبعها أخرى قصيرة ببرتغالية غير متمكّنة، مترددة، غير دقيقة. ومع ذلك، تنتهي الأغلبية العظمى إلى خلق جذور لها في البلد الجديد، في حين يتخلى الأبناء تدريجيا عن الأواصر التي تربطهم بأرض آبائهم. لذا تعني الهجرة فقدان جزء من الأصول والاندماج في الثقافة الجديدة. إن موسيقية وإيقاع اللغة العربية والفرنسية أليفان بالنسبة لي، إلا أن لغتي الأم هي البرتغالية؛ البرتغالية البرازيلية، مع لكنة الأمازوناس، تراكيب جملها ومفرداتها.

في حديثه عن خصوصية الأدب “الأميركي اللاتيني، أشار الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث إلى وضعها الهجين كلغة مزروعة (من زرع الأعضاء) تشكل، إن لم يكن قطيعة، فاقلّه اختلافا مهما بالنسبة للغة المستعمِر.

“يجد الموقع الاستثنائي لآدابنا لدى مقارنتها بآداب إنكلترا، أسبانيا، البرتغال أو فرنسا، مصدره بالضبط في هذا المعطى الأساسي: إنها لغات مزروعة. فنحن أوروبيون ولسنا أوروبيين. إذن ما نحن ؟ يصعب تحديد ذلك، بيد أن أعمالنا تتكلّم عنا”.
يصعب تحديد من نحن، إلا أن برازيليا من أصول مهاجرة، أيا كانت أصوله، لن يشعر بالغرابة وبالغربة اللتين قد يحس بهما ابن مهاجر تركي في ألمانيا أو باكستاني في إنكلترا.

ذات يوم خلال محاضرة لي في مكتبة الكونغرس في واشنطن حول روايتي الأولى، رأيت ملصقا كتب عليه: “الكاتب اللبناني ـ البرازيلي”. فلفتتُ نظر رئيس الجلسة إلى أن هذه الصيغة لا تملك أي معنى في البرازيل.
– لماذا ؟ سألني
– لأننا لا نعتبر أنفسنا أفريقيين ـ برازيليين، إيطاليين ـ برازيليين، يابانيين ـ برازيليين أو عرباـ برازيليين. نحن لا نقيم هذه الفوارق ولا نصنّف الناس تبعا لأصول أو لإثنيات هذه المجموعة الاجتماعية أو تلك، بهدف تمييزهم عن الآخرين.

إن تمييع الأصول هو في أساس تكوين المجتمع البرازيلي. وهذا معناه الخليط، رفض الهويات الصارمة المتحجرة، واستيعاب ثقافات متنوعة غير مصنفة تراتبيا.

من هنا أهمية تعايش مختلف الإثنيات، من مختلف الأصول، حتى ولو بدا ذلك طوباويا. ففي مطلق الأحوال، التهجين والاختلاط ليسا حكرا على البرازيل أو على أميركا اللاتينية، هما أيضا جزء من ماضي أوروبا.

إذا فكّرنا برواية “دون كيشوت” وهي أحد صروح الأدب الغربي، فإن سرفانتس ينسب قصتها الأصلية إلى “المؤرخ العربي الحكيم والدقيق سيدي حامد بن الأيل”. ومع أن الرواية تشير إلى عدد لا يحصى من كتّاب العصر القديم الكلاسيكي وعصر النهضة، إلا أن سرفانتس فهم أهمية الثقافة العربية واليهودية في الأندلس، فلولاهما، لما كانت اللغة الأسبانية على هذا الثراء والتعقيد. ولا تقف هذه الظاهرة عند حدود أسبانيا فقط: فقد حدث في كل أوروبا(وما زالت تلك هي الحال) سرَيان وتفاعلات كثيفة بين ثقافة وأخرى، وهو ما يمنع كل محاولة هدفها تحويل هذي البلاد أو تلك، إلى كتلة متجانسة، متماسكة، مقفلة في وجه التحولات التاريخية.

الحقيقة أنه ينبغي التذكير، لدى الحديث عن الهجرة العربية إلى أميركا اللاتينية، بواقعة تاريخية قديمة جدا: وجود مجموعة من المفردات ومن العبارات ذات الأصل العربي، وذلك منذ عصر الاكتشافات العلمية. فقد كان المؤرخون الأسبان والبرتغاليون يستخدمون قاموس المصطلحات ذاك الذي اندرج في اللغات المزروعة التي تحدث عنها أوكتافيو باث.

للأسف، يفضّل بعض “المثقفين” من أميركا الشمالية (أغلبيتهم في خدمة البنتاغون) بناء نظريات فانتازية ومتحيزة حول العلاقة بين الغرب والشرق. تلك هي حال صمويل هانتنغتون، مؤلف عمل هجائي بعنوان ” صدام الحضارات” يتحدث عن استحالة التعايش بين الغرب والمجتمعات الإسلامية. في كتابه الأخير “من نحن ؟”، يحكي هانتنغتون عن مواضع الخلل الاجتماعي والثقافي الذي يسببّه المهاجرون المكسيكيون والناطقون بالأسبانية، في مجتمع “إنكلترا الجديدة”، الأبيض المتزمت المتشدّد. وكما سبق أن لفت إليه كارلوس فوينتس، فإن الأمر يتعلق بتوكيد وقح وعنصري صادر عن رجل ينتمي إلى بلاد تتشكل في جوهرها من المغتربين والمهاجرين. فالصفاء والتفوّق، وهما الحجتان الخطرتان في الخطاب العنصري، يشكلان السلاح الإيديولوجي للإمبراطوريات.

وكما أشار إليه إدوار سعيد في بحثه “صدام التعريفات”، فإن هانتنغتون يركز بحيوية وإلحاح على الفكرة القائلة بأن الحضارات الأخرى تدخل حتما في تصادم مع الغرب، كما أن توصياته بضرورة قيام الغرب بكل ما يمكن من أجل إبقاء هيمنته، تتميز بعدوانية وبشوفينية تجبر على الاستنتاج بأنه لا يملك بالفعل سوى فكرة العمل على استمرار الحرب الباردة بدلا من العمل على تفاهم الساحة العالمية أو على مصالحة الثقافات المختلفة.
إن مصالحة الثقافات المختلفة والحوار فيما بينها هما جزء من التحديات المطروحة على عصرنا الذي يعلن للأسف، عن بربرية جديدة. لقد ذكرت مثال سرفانتس من ضمن كتّاب كبار وفنانين كثر آخرين فهموا الأهمية الحيوية لمعرفة الآخر.

لقد كان غوته أيضا وهو مبتكر “الأدب العالمي” (Weltliteratur)، قارئا للقرآن في شبابه وللشعر العربي وللشاعر الفارسي حافظ (شمس الدين محمد)، الذي يذكره مانويل بانديرا في قصيدته “غزل في مديح حافظ” (Gazal em louvor a Hafiz). في شيخوخته، أصبح غوته شاعر “الديوان الغربي والشرقي”.

وحسبما يرى الشاعر والمترجم البرازيلي هارولدو دي كامبوس، “الشرق هو الذي اقتحم غربه (غرب غوته) فأنتج إحدى القمم في مسيرته الشعرية المثمرة”. ويشير الناقد كارل فييتور الذي يستشهد به هارولدو دي كامبوس إلى أن “غوته كان واعيا تماما لمواضع الشبه العميق الموجود بينه وبين حافظ، بحيث أن الشاعر الألماني بقي هو نفسه في ثياب الشرق وتحدث في آن واحد كشاعر شرقي وكشاعر غربي”.

بمعنى ما، الشعراء والكتاب والقراء هم رحّالة المخيّلة: فهم أيضا يتغذون من خيال الآخر، من أرض الآخر، من أحلام الآخر، ومن المشهد الثقافي للآخر ولغته. وعلى مثال المهاجر، يمكننا انتقاء وطن ثقافي جديد، دون التنكر لأصولنا المتعددة والمنتشرة دائما.

وربما صوّر جزء من معيش شخصي تشابكَ المشاهد واللغات والثقافات هذا. عام 1993، صدرت ترجمة روايتي الأولى في فرنسا وهو ما تسبب بكتابة بعض المقالات في الصحافة اللبنانية. قطعت تلك الصحف المحيط ووصلت إلى يديّ والدي، في مناوس، بعد مرور نصف قرن على مغادرته لبنان إلى البرازيل نهائيا. إحدى أكثر الذكريات المؤثرة التي أحتفظ بها عنه، هي تلك حيث أراه جالسا على شرفة المنزل، يتصفح أحد تلك المقالات في صحيفة النهار البيروتية. أذكر أنه استدعى العائلة بأكملها ليقرأ عليها المقال، في ما يشبه حفلا رسميا، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أراه يبكي دون أن يذرف الدمع: دموع صامتة لألم بدا لي هائلا لا يحتمل. ففي تلك اللحظة بالذات، وأنا أنظر إلى ذلك الرجل العجوز المقدّر له أن يدفن يوما بعيدا عن وطنه، فكّرت بألم المهاجرين المنفيين والمغتربين الذين نادرا ما يعودون إلى بلدانهم الأم لرؤية الأهل والأصدقاء، أو فقط من أجل تأمّل مشهد طفولتهم، حين يكون كل الآخرين قد ماتوا. وفكرت بأن المجتمع، أيا كان، مدين لهؤلاء الكائنات التائهة على الأرض التي تختار لنفسها وطنا ثقافيا آخر، مدفوعة بمشيئة عنيدة لمعرفة حياة أقل شقاء.

منفعلا، قرأ والدي المقال بالعربية، لغته الأم، وترجمه ببطء إلى البرتغالية، لغته بالتبني. وحين أنهى الترجمة، أعلن: “لم أفكر أبدا أني سأعود يوما إلى لبنان بفضل كتاب وضعه ابني”.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق